لأنكم اذا خبزتم خبزا, وكنتم غير مبالين بما تعملون, كان خبزكم مرا لا يشبع من جوع الناس إلا البعض هكذا كتب الشاعر الفيلسوف جبران خليل جبران وهو ينوه بأهمية المحبة والعطاء في العمل. وقال أيضا: فان تعذرعليكم أن تعملوا بمحبة, وكنتم تعملون مكرهين ومشمئزين, فخير لكم لو هجرتم كل عمل, وجلستم عند باب الهيكل, وتقبلتم الصدقات من الذين يعملون فرحين .................. الخبز أو العيش كما اعتدنا علي تسميته هو رمز وتجسيد للحياة والنعمة والعمل( أكل عيش) والقوت والرزق والمشاركة والمشاطرة الانسانية( بيننا عيش وملح) وحنان الأمومة وتفاني الوالد وأيضا للبساطة والود والحلفان( وحياة النعمة دي). وحياتنا في كلمتين.. هي العيش والعيشة اللي احنا عايشينها. وقد تردد علي مسامعنا كثيرا عض قلبي ولا تعض رغيفي. وبالطبع تعددت التفسيرات وتنوعت التعليقات في شرح ظروف وملابسات عض قلبي. ونعم, الجوع كافر وثائر وفائر ومعه مش بس العصافير بتصوصو في بطنك ده كل البني آدمين يمكن أن يصرخوا ويشتكوا وهذه هي طبيعة البشر علي مر العصور. ولا يتردد المهمومون بهموم البشر وهم يرون المجاعات وكوارث التهجير ومآسي الايواء في العالم( وما أكثرها ونحن في عام6102) في أن يتساءلوا أين الخبز للجوعي؟ والمشكلة أنه يتمالتعامل معهم بمنطق ودن من طين ودن من عجين!! أو في أحسن الأحوال بالتبرير المعتاد العين بصيرة والايد قصيرة أبجدية الخبز أو العيش في حياتنا بالتأكيد حدوتة ومعاها حواديت عديدة.. فالكل بيجري ورا عيشه وأكل العيش بيحب الخفية وطبعا فيه ناس يتم وصفهم بانهم خميرة الحياة وفيه ناس بتقطع الخميرة من البيت( فيا ريت نقطع رجلهم من عندنا). والنصيحة المتكررة تقول: اعط العيش لخبازه ولو أكل نصه. واذا كان الأمر المطلوب مني ومنك غالبا هوامش علي العجين ماتلخبطوش فان المصيبة هي ان الواحد منا أحيانا مش بس بيمشي علي العجين ما بيلخبطوش كما ينبهحكيم صحبتنا العم حسين: ده أحيانا بيدخل بارادته مع الأسف في دوامة الانصياع والخنوع.. والقيام بعجين الفلاحة كمان-- بلغة القرداتية! أما التاريخ الانساني فهو حافل بثورات الخبز وانتفاضات الجياع. وطبعا اذا كانوا مش لاقيين عيش خليهم ياكلوا بسكويت او جاتوه كما قالت الملكة ماري انطوانيت( زوجة الملك لويس السادس عشر) في فرنسا عندما ثار الجوعي. واذا كان البعض من المؤرخين قد بدأوا منذ فترة يشككون في مدي صدق هذه المقولة تاريخيا الا أن لا مبالاة الشبعان وعدم احساسه بآلام الجوعان أمر معتاد( مع الأسف) وظاهرة انسانية وعالمية. وتاريخيا أيضا هناك مفهوم وسياسة الخبز والسيرك التي تعامل بها حكام روما بشعوبهم أي مبدأ اطعمهم والهيهم أو أغرقهم بالطعام واللهو. وأكيد ما يتم صرفه في منطقتنا العربية علي برامج ومسلسلات الفضائيات خلقت لنا سيركا في بيوتنا. واحنا قاعدين بنتفرج ونهلل ونشتكي ونفضل قاعدين. ويقال ايه.. مش لاقيين عيش ياكلوا مسلسلات.. حتي لو جالهم بعد كده.. عسر فهم وتلبك فكري وبحكم العشرة والعيش والملح اللي بيننا( من خلال سطور هذا اللقاء الأسبوعي) يجب أن أعترف بأن الخبز( العيش) يجذبني ويسحرني ويبهرني ويحيرني ويريحني منذ أن تعرفت علي أول لقمة عيش في حياتي. يسحرني ببساطته وتعقيده ويبهرني بطزاجته وطعامته وطعمه ويحيرني بعجينته وريحته وملمسه. وأعترف أيضا بأن لدي حكايات يا ما مع العيش( وأكيد أنت كمان عندك). فما من مدينة أو قرية في أي بقعة في العالم أزورها أو أمر بها الا وأبحث عن عيشها. ويجب أن أتذوقه وأتأمله وأكله وأتلذذ به( حاف كده بدون أي شئ يغير طعمه). والحمد لله تكون لدي عبر السنين مخزون استراتيجي ضخم من ذكريات وذاكرة الخبز أتردد عليها كثيرا واستطعمها دائما وافتكر وأستعيد معها لحظة لقمة استمتعت بها وكانت مع من؟ وأين؟ ومتي؟ وما أحلاها من لقمة تشبعني وتملأ حياتي( مش بطني وبس). وبصراحة قل لي ما هي علاقتك وحكايتك مع الخبز ولقمة العيش وأنا أقول لك من أنت؟؟ ولم يفت بالطبع الكاتب العزيز جمال الغيطاني وكان المتأمل الدائم لمصر- شعبا وثقافة وتاريخا وحضارة وابداعا- أن يقف أمام عدد من أرغفة مصرية عتيقة من مصر القديمة في متحف تورينو بايطاليا ليتحدث عن الخبز كرمز للحياة في كتاب نزول النقطة( الاستمرارية والتغير في مصر). ويتذكر العيش الشمسي وطقوس عجنه وخبزه. ويشير أيضا الي نوع آخر ذاكرا..انه العيش المعروف بالبتاو. البتاو هو عيش الفقراء, المادةالأساسية في هذا النوع من الخبز هو الذرة يخلط احيانا بقليل من الحلبة.. من مميزاته امكانية البقاء فترات طويلة بدون أن يتسرب اليه العطن أو تظهر به الفطريات, لذلك كان عمال التراحيل يتزودون به.. وكان البتاو صلبا بعكس العيش الشمسي, حجري الملمس, لذلك أطلق عليه الناس في الصعيد الزلوط. والكلمة مشتقة من الزلط.. ويستكمل الغيطاني خواطره عن العيش ويكتب: وحتي الآن فإن المصريين عندما يزورون الموتي, أحبابهم الراحلين, فانهم يصحبون معهم سلال الخبز للتوزيع علي الفقراء والمحتاجين. كان المصريون يعتقدون أن روح الإله أوزير كامنة في القمح. وقد رأيت رسما علي جدران أحد المقابر, يمثل أوزير سيد العالم الآخر ممددا راقدا تحت الأرض ومن جسده تنبت سنابل القمح, في الصلوات المصرية القديمة ما نصه: كلوا خبزكم سمو كلوا أوزير. ها هو الاله النبتة ينمو. ها هو أوزير يولد من جديد. ألا يذكرنا هذا بالسيد المسيح عندما كسر رغيف الخبز وقدمه مناصفة الي العالم أجمع وهو يقول هذا هو جسدي.في كتاب الخروج الي النهارالذي يسجل رحلة الميت في العالم الآخر تقدم الآلهة الخبز اليه ليستمد منه الحيوية والانتعاش. في احتفالات التتويج يأمر الملوك بتوزيع الخبز علي كبار الشخصيات بمصر العليا, موضحين التزامهم بتوفير الغذاء لكل أفراد المملكة. .................. .. كلما مشيت وسرت في دروب الحياة يا ريت تلتفت حواليك وتشوف وزي ما أنت لما بتشوف حتة عيش مرمية في الطريق بتخاف تدهسها الأقدام فبتاخدها وتبوسها وبتحطها جنب الحيط افعل الشيء نفسه مع اللحظة الحلوة والابتسامة النادرة والفكرة الحنونة والاحساس الجميل والأمل المفرح والموهبة الخلاقة وكل الناس الطيبة دول نعمة برضه يعني ما تسيبهمش مرميين علي الأرض وايوه الحقهم وأنقذهم قبل ما تدوسهم الأقدام.. ويسفههم الأقزام وما تسيبهمش جنب الحيط كمان.. خدهم معاك جوا قلبك وفي عينيك ووسط حبايبك وحياتك.. وحياة العيش والملح اللي بيننا اوعي تنسي الحكاية دي.