سألت جدتي في لحظة شقاوة صبيانية: من أين جئتم لخالتي باسم منبية؟ هشت جدتي ناحيتي بعصا لا تفارق يدها في روحها ومجيئها: والنبي يا بني ما أعرف. احترت دوما في تفسير اسم خالتي منبية, حتي التحقت بالمدرسة الإعدادية وتعلمت البحث في معاجم اللغة عن معاني الكلمات الغامضة, ومنبية من الفعل أنب, فهو منب, والمفعول منبي, وأنبيت الأذي أي دفعته بعيدا, يا الله كيف لفلاحين لم يفتحوا كتابا أن يختاروا لابنتهم اسما فصيحا صعبا! خالتي منبية علي عكس اسمها, بشوش, متفائلة, خفيفة الروح والحركة, ملامح مصرية قح, اللون الخمري علي تقاطيع في غاية البساطة, العيون واسعة مكحلة دائما, والخدود موردة والطرحة السوداء علي رأسها, وأنف فرعوني له كبرياء, تمشي كملكة متوجة بين أروقة قريتنا, وبالفعل كانت حسناء الحي إذا جاز هذا الوصف علي ريفية من قرية كفر مناوهلة, لا يمكن أن تكتمل سعادة عروس في فرح إذا لم تحضره منبية, صوتها الرخيم مبهج ورقصها الفلاحي بديع, وتحفظ من الغناء الشعبي الكثير..وكنت أتسلل دوما صبيا صغيرا بين النسوة أجلس علي الأرض اتابعها بشغف. أحبت خالتي وهي في سن المراهقة عبد الحارث شابا عايقا من عائلة كبيرة, رفض أهله أن ينصاعوا له وأجبروه علي الزواج من فتاة من عائلة تملك طينا ورؤوس ماشية من قرية مناوهلة الملاصقة, وهدده أبوه بالحرمان من الأرث, أرضا ونصيبا في دار كبير مبناة علي قراطين ونصف قيراط, بجوار دار العمدة وشيخ الخفر, وبعد سنتين زوجت عائلة أمي خالتي بالإكراه من شاب عنده بضعة قراريط يزرعها في الوسية ويسكن في نفس حارتها.. لكن قصة الحب بين خالتي وعبد الحارث رفضت الخضوع للواقع والدفن حية في برج الذكريات البعيدة الشجية, وظلت تتنفس وتنبش, خالتي تفننت في تنغيص حياة زوجها, الذي لم يستطع أن يتفهم مشاعرها وكانت في التاسعة عشرة من عمرها, وهو يكبرها بسبع سنوات, فعاملها بجليطة وغيرة مجنونة, وضربها أكثر من مرة, وحبسها ذات مرة في الدار أسبوعا وأجلس أمه علي بابها حارسا, وبعدها انتهزت فرصة مؤاتية وجرت علي بيت العائلة غاضبة, لتعيش مع أمها بعد وفاة أبيها, ولم يكن مر علي زواجها سوي ستة أشهر, وفشلت كل محاولات إصلاح ذات البين, من شيخ الجامع علي ناصية الشارع, وشيخ الخفر, وخالها محمد عبيد وكان ثريا وله شنة ورنة في الناحية, وظلت عند أمها لأكثر من عام, وفي النهاية طلقت منه في تحد بالغ للعادات الحاكمة والتقاليد التي قد لا تراعي قيمة الإنسان بقدر ما تراعي شكله الاجتماعي. وبمجرد انتهاء عدتها تقدم لها عبد الحارث واتخذها زوجة ثانية, وقبلت بسعادة غامرة.. كان عبد الحارث قد انتقل للعمل في مدينة شبين الكوم القريبة, وسكن مع زوجته الأولي التي أنجبت له ولدا وبنتين في بيت كبير منفصل من بابه, أما خالتي فقد ظلت في دار أبيها مع أمها ضعيفة البصر, بعد زواج أخواتها الثلاثة وانتقالهم إلي مصر المحروسة, يتردد عليها زوجها مرتين أو ثلاثا في الأسبوع, وكان قد جدد لها فرش القاعة, بصندوق ملابس عمولة وكنبة اسطمبولي وتنجيد حرير في حرير. عشت مع خالتي وجدتي في كفر مناوهلة عامين.. كانت خالتي تكبر أمي بخمس سنوات, ولأسباب سحرية خافية, كانت علاقتها بأمي وثيقة متشابكة منذ كانتا طفلتين تلعبان في الجرن القريب عن بقية اخواتهما, الولدين والبنتين.. ولم تكن خالتي منبية تنجب, بالرغم من المحاولات السرية التي بذلتها بعيدا عن عم عبد الحارث, فهو لم يسع إلي الإنجاب منها, مكتفيا بالولد والبنتين من زوجته الأولي..فصبت علي كل حنان أمومتها الدفينة, كما لو كنت ابنها البكر, تستجيب لطلباتي حتي لو كان لبن العصفور.. وحين طلب أبي أن اعود إلي بيتنا في شبرا, وكفي دلعا في الأرياف بعيدا عنه وعن أمي وأخوتي, بكت وراحت تسترجيه دون جدوي.. خالتي منبية هي التي اشترت أول مكتب أذاكر عليه بدلا من الطبلية, وهي التي أدخلت الكهرباء إلي شقتنا بعد أن نمت علي المكتب وكادت لمبة الجاز أن تحرقني والمكان..لم تدخل بيتنا في أي مرة دون زوادة فيها ما لذ وطاب من خير الأرياف: بط وأوز وأرز معمر وسمن بلدي وعيش مرحرح وجبنة قديمة معتقة. لكن كان نفسها دوما أن تخلف من عبد الحارث, حتي انتقل عبد الحارث من شبين إلي مقر الشركة بالقاهرة, وسكن مع زوجته الاولي في شارع القضاعي بالقرب من مطار المنوفية الذي يعمل فيه.. وقال لخالتي: العمر يمضي والسفر من مصر إلي كفر مناوهلة مرتين ثلاثة في الأسبوع صعب, تعالي عيشي معنا في شبرا. سألته: وهل أم العيال تقبل؟ أجاب: سوف أقنعها.. وفعلا قبلت أم العيال, فقد بدأت صحتها تعتل ولم تعد قادرة علي خدمة أولادها المدلعين جدا, وقالت لهم: خادمة في البيت.. لم يمض علي وجود منبية في شقة القضاعي ثلاث سنوات, إلا وحملت وكانت قاربت علي السابعة والثلاثين أو أزيد قليلا, وأنجبت أول أولادها صبري صبيا في جمال البدر, والاسم له دلالة من حياتها, وبعد ثلاثة أعوام أنجبت سوسن..فكانت رأسها برأس الزوجة الأولي.. في تلك الفترة لم يكن طلعت أكبر أبناء عبد الحارث قد بلغ الثلاثين, فلم يعد وحيد أبويه, وطلبه الجيش للتجنيد.. كان مهندسا بالمصانع الحربية, شابا عصريا أنيقا يلبس علي أحدث موضة, وعاش طفولته منعما, يهوي قراءة مجلة الكواكب الفنية ويحتفظ بأعدادها من منتصف الخمسينيات في مجلدات, كنت استعيرها منه في نهاية الستينيات, فيظل يلاحقني حتي أردها. ولم يرد طلعت أن يجند بالجيش, وكان المجندون وقتها يقضون سنوات قبل أن ترد مصر علي هزيمتها في يونيو1967, وقهر إسرائيل في أكتوبر1973, فكر في حل أناني جدا, إذ اقنع أمه بالطلاق من ابيه, ليكون هو عائلها الوحيد, فيحصل علي شهادة إعفاء موقت سنتين ثلاثة, تتحول إلي إعفاء نهائي بعد بلوغه الثلاثين, ثم يعيدها ابوه إلي عصمته. وافقت الأم لكنها لم تعد مرة ثانية إلي عصمة عم عبد الحارث, وعاشت خالتي منبية في شقة القضاعي سيدة بيتها ومعها الزوجة الأولي المطلقة في غرفة مستقلة, ضيفة عزيزة مكرمة لكن لا صوت لها ولا رأي..وحين اقترب عم عبد الحارث من سن المعاش, انتقل ليعيش في قريته, في بيت العائلة الكبير المبني علي قريطين ونصف القيراط, لكن مطلقته رفضت وعادت الي بيت اهلها في مناوهلة.. سألت عم عبد الحارث: لماذا لم ترجع أم طلعت إلي عصمتك؟ رد ضاحكا: ما صدقت خلصت منها, كفرتني وكفرت خلتك.. وكان من المستحيل أن أطلقها لو طلبها. عشت خالتي مع عبد الحارث سنوات في كفرمناوهلة وولديها, ودخل صبري سن المراهقة, حين مرض عبد الحارث واحتجز في مستشفي شبين العام, وحين زرته وجدت عيني خالتي حمراوين يطق منهما الدم, وارتمت في أحضاني باكية: الدكاترة قالوا خلاص. ولم أرها مبتسمة حتي لحقت به بعد عامين.