ذات مساء حار ورطب من شهر أغسطس عام1967, ايقنت أننا سوف نكسب إسرائيل ونقهرها, مع أن مصر كلها كانت تتجرع مرارة الهزيمة, وسواد الليل الحالك قابض علي أنفاس المصريين يكاد يكتمها. كنت استعد لإستكمال امتحانات الإعدادية التي أوقفتها حرب يونيو, وسهرت أمي ونسا وتشجيعا, وكنا نتسامر أحيانا. وأمي عزيزة خطاب, فلاحة مصرية, من قرية تبعد عن القاهرة ستين كيلومترا شمالا علي طريق داخلي ما بين الباجور وشبين الكوم, قرية لها أسم عجيب, كفر مناوهلة, حاولت مرارا أن أعرف مصدره وكيف اكتسبته وفشلت, الكفر كلمة معروفة, وهي القرية الصغيرة محدودة السكان, أما مناوهلة, فلم اعرف لها معني محددا.. أمي من أسرة فقيرة, الأب خولي في عزبة الست, علي بعد كيلومترين من الكفر, مات صغيرا وترك ولدين وأربع بنات وأمهم دون معاش, يسكنون دارا علي ناصية حارتين, في مدخل القرية, تظللها شجرتا توت عملاقتان, الأخ الأكبر لافت عليه بنت تكبره في العمر, وجرجرته معها إلي مصر, وعاش في روض الفرج وانقطع عن أهله, والأخ الأصغر مراكبي يغيب في النيل بالشهور بين الصعيد وبحري, والبنات الأربع لا حظ لهن من تعليم, وكن يعملن في عزبة الست بالأجر, والأم كليلة النظر تقوم بأعمال الدار حتي ترجعن البنات بما يحفظ دوام القوت. ذاك حدث في الإربعينيات من القرن الماضي, وكان عدد المتعلمين في قرية أمي لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة, حاصلين علي البكالوريا وموظفين في الحكومة, فما بالك بالبنات, كان الفقر تنينا جامحا فاردا أجنحته القوية علي ريف مصر, البيوت طينية كالحة, الناس تمشي حفاة في الطرقات وجلاليبهم المتسخة بها رتوق, النقود شحيحة كشح الدفء في برد الشتاء القارص, لا كهرباء, لا ماء نظيف, الحياة تكاد تكون بدائية, أو أقرب إلي شكلها الأول, القرية تبدو معزولة عن العالم إلا قليلا, لا راديو إلا في بيت العمدة وشيخ الخفر وعائلتين من أصحاب طين.. بضعة فدادين. وتزوجت عزيزة خطاب وهي في السادسة عشرة من أبي بالمصادفة.. أبي من أسرة مقتدرة ذات صيت وسمعة, لها عمودية قرية إبخاص منذ نشأتها, وإبخاص علي بعد فركة كعب من الباجور شرقا, والاسم له حكاية تاريخية ويعود إلي فرسان مهاجرين من جورجيا مع نهاية الحروب الصليبية بنوا معسكرا لهم, فسمي المكان بأسمه, ثم انتصبت دور عائلتي وبيوت المزارعين المشتغلين في الأرض مكونة القرية. جدي عمر عبد الجليل حاصل علي العالمية من الأزهر الشريف, وله خمسة من الأخوة الصبيان, اقتسموا ميراث عبد الجليل الكبير, ونشبت خلافات عنيفة بينهم علي المراوي وحدود الأرض, وكان عمر مكسور الجناح, لأنه ابو البنات, خلفته كلها بنات في بنات, وتزوج من النساء تسعا كلهن انجبن بناتا, تجاوز عددهن الدستة, وفي الخمسين من عمره تزوج من جدتي, وكان فارق السن بينهما أكثر من ثلاثين عاما, فولدت له بنتين ثم جاء الولد المنتظر, ولكم أن تتخيلوا كيف تعامل ابو البنات اللائي عددهن في الليمون مع المنتظر, دلع وتدليل علي الآخر, حتي في الأسم, إذ أضاف وصف السيد قبل رجب, تيمنا بسيدي رجب وهو شيخ يقال إنه حارب مع أحمد عرابي في التل الكبير واستشهد هناك, وحين حمل المعزون نعشه كان يجري إلي القبر كما لو أنه يطير, وله مولد باسمه ومقام يطوف المريدون حوله, وبثت الإذاعة المصرية تاريخه سهرة درامية في الستينيات. كان جدي يؤلمه هاجس سيطر عليه, أن يموت قبل أن يري ابنهالحيلة رجلا صلبا, وظن أن معاملته كرجل تجعله رجلا وهو مازال صبيا, فعلمه عادة التدخين أمامه قبل أن ينبت شنبه كما أخبرتني جدتي, وخطب له مرتين وهو ما بين الحادية عشرة والثانية عشرة, ويستجيب دوما لطلباته, حتي لو كانت لبن العصفور, فأفسد الصغير, ونقش في وجدانه أن رغباته أوامر, وأنه مركز الدائرة ومحل السيادة الأول, فكبر يتصرف علي هواه وحسبما اتفق. وذات مرة ضرب مدرس الابن المدلل بالقلم,, فاشتاط جدي غضبا وذهب إلي المدرسة وأهان المدرس وأغلق المدرسة التي كانت تملكها عائلته, ثم أعيد فتحها بعد يومين. ومات الأب وبقي الابن وحيدا, ثروة تتأكل, ولا شغلة ولا مشغلة, فأخذه خاله إلي سبك الضحاك ليعمل معه في التجارة, فكان يجوب القري بيعا وشراء, وفي جولة من جولاته تعرف علي أمي وتزوجها, وعاد بها إلي إبخاص بضعة أشهر ثم عاش معها في شبين الكوم. وحين حملت أمي في, صنعت حصالة خشبية بقفل, وراحت من وراء أبي الذي كان علي سفر طويل تحوش قرشا في شلن في بريزة, في ريال, والبريزة عشرة قروش والريال ضعفها, كان القرش وقتها يشتري عشر بيضات, وأجرة الشقة المحترمة في شبين من حجرتين وصالة مائة وعشرين قرشا شهريا. وعند الولادة طلبت أمي من الداية أن تضع خلاص الوليد وهو بقايا القطع الدموية من الولادة, في علبة صفيح أذا كان صبيا, وتغلق عليها ب الغطا وتضعها تحت السرير, وبعد أيام أرسلت إلي قريب لها جاءها من كفر مناوهلة, وأخرجت الصندوق الخشبي ووضعت في يده جنيهين وهو مبلغ كبير وقتها,, وأخرجت له علبة الصفيح بالخلاص مغطاة وملفوفة بإحكام بحبل وقماش وقالت له: تاخد الصندوق وتنزل علي مصر وتروح جامعة فؤاد, وتدفن العلبة الصفيح في سور الجامعة. وأخرجت له المصحف وأجبرته أن يقسم عليه ثلاث مرات, فأقسم ونفذ الوصية, وجامعة فؤاد الأول هي جامعة القاهرة حاليا قبل أن تبدل ثورة يوليو اسمها في سبتمبر.1953 في تلك الليلة روت أمي لي هذه الحكاية العجيبة, فسألتها: ولماذا فعلت ذلك؟! قالت: كنت أمد علاقتك بالجامعة عشان لما تكبر تدخلها. ومن يومها وتلك الأسئلة سكنت عقلي: من أين علمت أمي أن التعليم هو سلم الصعود لأبنها وهي لم تتعلم ولا واحد في عائلتها تعلم بالجامعة ولا في قريتها؟!, هل الشهور الأولي التي قضتها في قرية ابي كانت كافية لتدرك قيمة التعليم, وقد تعرفت علي عائلته المتعلمة وبعضها سافر في بعثات للخارج وتريد أن تري أبنها مثلهم؟, ومن أين أتتها هذه الفكرة الجهنمية حتي لو كانت من قبيل الغيبات لدفن خلاص ولدها في سور جامعة لم ترها أبدا, ولا تعرف عنها شيئا بالمرة؟, كيف رأت في تعليم ابنها تعويضا لجدي الذي مات دون أن يعلم ابنه الوحيد بسبب الدلع والتدليل؟ وأدركت الإجابة بعد, فالحضارة المصرية القديمة التي نتباهي بها, ليست هي الأهرامات ولا ابو الهول ولا المعابد الهائلة, ولا الألوان الزاهية التي لم تستطع عوامل التعرية الجبارة أن تطفئ وهجها, ولا التحنيط, ولا مراكب الشمس, وإنما هي الجينات الحضارية التي نتوارثها, وتمنح فلاحة مصرية لم تتعلم القدرة علي إدراك قيمة العلم دون راديو وتليفزيون ودعاية, وفي وقت كان التسريب من المدارس هو الأصل, ولا يتعلم من المصريين إلا نسبة ضئيلة. هذا هو الوعي الحضاري المصري, وإذا ملك شعب هذا الوعي من المستحيل أن يقبل بالهزيمة.