لما قالوا لي ولد، اشتد ظهري واستند.. ولما قالوا لي بنية، انهدت الحيطة عليَّ!.. الولد لو قد المفتاح بيعمل الدار مصباح، والبنت لو قد المخدة، تنزل مثل المهدة!.. لو دلعت بنتك بتعرك، ولو دلعت ابنك بيعزك!.. كانت هذه بعض الأمثال الشعبية القديمة التي أصلت لفكرة التمييز بين الذكور والإناث، وتفضيل الذكر على الأنثى باعتباره منقذ العائلة ومصدر عزتها لأنه سيحمل وأبناؤه اسم أبيه ولقب العائلة، بخلاف البنات اللائي سيتزوجن من آخرين وينجبن أبناءً سيحملون أسماء عائلات أخرى!.. ويرجع هذا التمييز والتفريق بين الذكور والإناث إلى العصر الجاهلي الذي كانت الأنثى فيه بلا كرامة ولا حقوق، لدرجة أنهم كانوا يعتبرونها عبئًا وعارا لابد من التخلص منه حتى ولو بالوأد!!.. بينما كان الذكر في الجاهلية مصدر العزة والفخر لأبويه لقدرته على كسب المال وحمل السلاح للدفاع عن قبيلته!..
ورغم مرور أربعة عشر قرنًا على نزول الإسلام آخر الرسالات السماوية لهداية العالمين ونشر مكارم الأخلاق والقضاء على كل صور الجاهلية والتخلف الداعية للظلم والتمييز المذموم بين الذكور والإناث، إلا أن الكثير من الأسر العربية التي رزق الله كلًا منها ابنًا وحيدًا وعددًا من البنات ما زالت تتبع أسلوب التمييز البغيض في تربية الأبناء، ولا تساوي بينهم معنويًا وماديًا، فتفضل الابن وتفرط في تدليله وحبه والاهتمام به وتلبية كل رغباته، وتتغاضى عن أخطائه وسيئاته وتلتمس له الأعذار دائما، وذلك بخلاف أخواته البنات اللائي لا يحظين بهذا الاهتمام والتقدير والتدليل وإنما يَكُنَّ أيضًا في خدمته طول الوقت!، ولا يمكن لهن معارضته أو توبيخه إذا ما أخطأ في حقهن أو تجبر وتسلط عليهن وتدخل في شؤونهن تدخلا سافرا خانقا - لاسيما إذا كان ذلك بتفويض من أحد الوالدين أو كليهما بصفته الأخ الوحيد الذي ينبغي أن تكون له سلطة في البيت كسلطة أبيه!.. الأمر الذي يزيد من حدة الخلافات بينهم ويخلق حالة من العداء والكره والحقد في نفوس البنات تجاه أخيهن المدلل المميز عنهن في كل شيء، وربما يؤدي ذلك التمييز الظالم إلى تدهور حالتهن النفسية وإصابتهن بعقد لها بالغ الأثر على سلوكياتهن وعلاقتهن بالآخرين، وربما كان دافعًا لانحرافهن عن الطريق الصحيح والبحث خارج البيت عن الحب والاهتمام المفقودَيْن!..
تجدر الإشارة إلى أن التدليل الزائد أحد الأساليب الخاطئة في تربية النشء، وله آثار سلبية خطيرة على الجنسين على حد سواء.. فأول من يدفع ثمن هذا التدليل الزائد هو المُدَلَّل نفسه، حيث يكسبه صفات سيئة وسلوكيات منفرة لا يطيقها من حوله، مثل الأنانية والعدوانية والاتكالية، وعدم الصبر وسرعة الغضب والانفعال لأتفه الأسباب..
وكون الابن وحيدًا ليس مسوغًا ولا مبررًا لتدليله وتمييزه عن أخواته في المعاملة والهبات، بل بالعكس ينبغي أن يحرص الوالدان على العدل والمساواة بين جميع الأبناء وأن يربيا الابن الوحيد تربية صحيحة متوازنة بعيدًا عن الرعاية المفرطة والتدليل الزائد حتى يكون ابنًا صالحا، ورجلًا صاحب دين وأخلاق حسنة تجعل منه إنسانا ناجحًا اجتماعيا وعمليا، يستطيع الاعتماد على نفسه وتحَمُّل أي مسؤولية تُسنَد إليه - خاصة لو كانت المسؤولية عن أخواته حال سفر الأب أو وفاته..
وعلى الوالدين أيضًا أن يقربا بين أبنائهما ويحبباهم في بعض، وأن يزرعا في ابنهما الوحيد منذ نعومة أظفاره الحميد من الأخلاق وصفات الرجولة والمروءة كي يكون واجهة حسنة لأخواته يشرفهن بكرم خلقه وتفوقه الدراسي والعملي، فيكون بذلك نعم الأخ والصديق والخال لأبنائهن فيما بعد. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.