أحرص علي متابعة هذه النافذة لأتأمل تجارب الآخرين في الحياة وأتعلم منها.. وكم تأثرت كثيرا برسالة "هذا ما جناه أبي عليَّ".. واستعرت آلامي مع رسالة: "جراحي مع أبي" ما جعلني أستدعي كل لحظة عشتها مع والدي الراحل الذي كان بحق نموذجا فريدا من الآباء يمتلك حسا مرهفا وقبل ذلك روحا طيبة تنشد الخير لكل الناس. حين افتقدته كنت في السابعة عشرة من عمري ورغم الفترة القصيرة أمضيتها معه حيث كان دائم السفر والترحال استطعت أن أتلمس فيه كل الصفات الجميلة التي لا أدري كيف ظل محتفظا بها رغم المشكلات والأزمات التي عصفت بحياته؟.. لقد نشأ والدي في أسرة لا تعرف لغة التدليل فالأب ناظر مدرسة يجيد الضرب والتعنيف والأم ليست أقل حسما منه والنصيب الأكبر من تلك التربية القاسية استهدف أبي بحكم أنه الشقيق الأكبر علي ثلاثة أشقاء.. ورغم ذلك لم يحمل والدي أي ضغينة لأبويه بل سعي لارضائهما بكل السبل فقطع مشوار أحلامه بالالتحاق بالجامعة بعد مرض جدي وأخذ يعمل في المجال الذي برع فيه وهو فن وصناعة التحف والأنتيكات ما فتح أمامه سبل السفر للخارج لعرض منتجاته الفنية ولوحاته الزيتية.. رحلات جعلته يجيد العديد من اللغات وأكسبته مزيدا من المهارات وفرص العمل التي أعانته علي الوقوف بجانب جدي وجدتي في مشوار تعليم أشقائي مهما بلغت النفقات أو استدعت سفرهم للخارج!! وعندما قرر أبي أن يتزوج اختارها "مصرية" من بحري وأنجب منها ثلاثة أطفال لكنها لم تتحمل طبيعة مهنته وعشقه للسفر والترحال فطلبت الطلاق وتركت له الأبناء!!..فلم يجد بديلا عن الإقامة معهم في شقة جدي الواسعة والتي تقع بأحد الأحياء الراقية بالعاصمة ثم راح يبحث عمن تقبله بأولاده.. وفي هذه المرة اختار من توافقه في الميول الفنية والطموحات العلمية.. كانت أمي هي الزوجة الثانية التي وقفت بجانبه ليس في رعاية صغاره الثلاثة فحسب بل في رعاية والديه المسنين في وقت تخلي جميع أشقائه عن تلك المهمة رغم علمهم بالأعباء المتزايدة علي "ست الحبايب" خاصة بعد قدومي وأخوتي الثلاثة للحياة!! مواقف عديدة جعلتني أتعرف علي خصال أبي النادرة فما أن تصله أنباء عن وجود مشكلة في محيط العائلة خاصة أن أصول والديه ريفية إلا ويقطع رحلته ويتجه مباشرة وهو لا يزال بملابس السفر ليفض اشتباكا أو يعالج مشكلة وظل هذا ديدنه حتي قرر الاستقرار نهائيا في مصر وهي الخمس سنوات التي أمضاها كاملة بيننا قبل أن يغادر دنيانا.. سنوات قربتني منه بشكل أكبر وجعلتني أقول لنفسي "كم أنت جميل يا أبي".. أبدأها حينما حاول أخوتي غير الأشقاء تحريضه علي إقامة دعوي ضد جدتي لشروعها في بيع كثير من أملاك العائلة بالقرية لصالح الأعمال الخيرية لكن والدي رفض تماما وقال لهم: كيف نقف أمام أُمنا في المحاكم!! كذلك دأب أبي هو وأمي رحمهما الله علي ترتيب رحلة أسبوعية لي وأخوتي لزيارة أحد المتاحف أو الأهرامات وغيرها من المناطق الأثرية ومازلت أحتفظ في ألبوم العائلة بصور والديّ المبدعين وهما يتابعان إحدي حفلات الأوبرا بالملابس الرسمية الأنيقة!! باختصار لقد تعلمت من أبي أهمية التواصل مع تاريخ الأجداد فمن ليس له ماض ليس له مستقبل. تعلمت منه الحديث بالصوت الهادئ والتعامل الراقي فلا يناديني وشقيقاتي بأسمائنا بل ب "ست البنات".. وبنفس الروح كان تعامله مع الغلابة الذين كانوا يأتون إلينا من كل مكان في حياته!! حتي السهر تعلمته منه وبعد رحيله كنت أستشعر أن روحه الطيبة تتملكني وهو جالس معنا نتحدث ونتحاور حتي نقوم جميعا لأداء صلاة الفجر كما لن أنسي عشقه للطيور وكل ما هو أليف وكيف كان طائر الببغاء يطيل الوقوف علي كتفيه حتي ينتهي من وضع اللمسات الأخيرة لإحدي لوحاته؟! وبعد إذا كان أبي قد تركني وأشقائي "فقراء" مقارنة بأحوال أبناء أعمامي وأخوتي غير الأشقاء الذين باتوا من الأثرياء حين علَّمنا الدرس الأكبر: كيف تعيش إنسانا؟!.. كيف نرتقي للمنزلة التي أرادها الله لنا دون أن نتخلي عن أخلاقنا ومبادئنا.. رحمك الله يا أبي الإنسان وغفر لأولئك الآباء الذين عجزوا عن شرح هذا الدرس لأبنائهم في حياتهم. ست البنات الجيزة * المحررة: يحق لك أن تفخري بأبيك الإنسان الفنان ويحق لروحه أن تسعد بأن له ابنة مثلك تدرك معاني الحق والخير والجمال وأهميتها في حياتنا.. وإذا كانت كل فتاة بأبيها معجبة فأنت يا ست البنات تجاوزت مرحلة الإعجاب بأبيك إلي مرحلة التوحد الوجداني وعشقك الشديد للسهر والشعور الذي ينتابك حين تتملكك روحه الطيبة!! تقولين أنك تألمت كثيرًا وأنت تتابعين رسالتيَّ: "هذا ما جناه أبي عليَّ". و"جراحي مع أبي" ما جعلك تستدعي نموذج والدك الإنسان قبل الفنان وكيف كان لديه القدرة علي احتواء كل من حوله؟ والدفع دائمًا بالتي هي أحسن؟! عملاً بقول المصطفي صلوات الله عليه وسلامه: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله".. ويبقي في النهاية أن يسأل كل منا نفسه هل أدي في حياته ما يستحق عليه الفوز بلقب إنسان؟!