بين أروقة المحاكم، وداخل الملفات المتراكمة، تسكن قصص لا ترويها الأوراق الرسمية، عن أطفال يجدون أنفسهم بين يوم وليلة «محل نزاع» فى قضية، بدلاً من أن يكونوا آمنين فى بيت هادئ يرعاه الأب وتسهر على نظامه الأم.. تحت عنوان «فراق فى أوراق رسمية»، نفتح ملف الحضانة الذى لا يزال يشكل جرحاً غائراً فى جسد المجتمع، حيث يتحول الأبناء إلى ثمن فادح لخلافات الكبار. لم يكن آدم يعرف أن هذا الصباح مختلف عن باقى عمره، حقيبته فى مكانها، ألعاب وأدوات مذاكرة متناثرة بغرفته، وسريره ينتظر عودته، ولكن هناك ورقة فى مصلحة حكومية، قررت أن الوقت حان ليفارق والدته، بعدما وصل إلى سن انتقال الحضانة.. مازال آدم صغيرا، لكن القدر رمى عليه مسئولية تنفيذ الحكم، ليغادر بيتا اعتاده، وحضن لا يقوى على فراقه، وصوتا ينام ويستيقظ عليه. فى تاريخ ذلك اليوم، لم يعد الطفل طفلا، صار بندا فى تنفيذ القانون، وصار فراق والدته مجرد إجراء حكومى. فى مصر مرت حضانة الأطفال بثلاث مراحل، حيث كانت 7 سنوات للولد و9 سنوات للبنت، وتم رفع السن إلى 10 سنوات للصبى و12 للفتاة، واستقر فى التعديل الأخير على 15 عاما للاثنين، وبعدها يتم تخيير الطفل للانتقال مع الأب أو المكوث مع الأم، حيث تتعامل القوانين مع الأرقام «السن، النفقة، عدد الساعات» وتغفل «الرابطة الشعورية». أكد رئيس مركز المعلومات الأسبق أشرف تمام فى تصريحات لجريدة الأخبار أن قانون الرؤية المصرى تم وضعه فى عام 2000، وأنه قبل عام 2005، كان سن انتقال الحضانة للأب 10 للولد، و12 للبنت، وبعدها تنقل الحضانة تلقائيا للأب بدون تخيير. وأشار إلى ارتفاع حالات الطلاق فى مصر بالتوازى مع ارتفاع سن الحضانة، حيث كان عدد حالات الطلاق فى 2005 نحو «65000 حالة»، وفى 2009 أصبحت 141500 حالة، مستنكرا المطالبات بارتفاع سن الحضانة، ووضع الطفل فى موقف التخيير بين أمه وأبيه، لأنه بالمنطق سيختار من يعيش معه بالفعل ويلبى له طلباته، كما أنه يضر بنفسية الطفل. ورأى تمام أنه لن ينصلح حال الأسرة المصرية إلا بإلغاء الحضانة الأبدية للأم، وتخفيض سن الحضانة ليكون 7 سنوات للولد و9 للبنت، وإلغاء التخيير وجعل الأب بعد الأم فى ترتيب الحضانة.. وتابع أن الأطفال عندما يصلوا إلى سن معين، يصعب على الأم السيطرة عليهم، مما كان له انعكاس على تدنى سلوك الأطفال والشباب فى الآونة الأخيرة. وأشار إلى أن القانون الحالى لا يراعى الفروق الفردية للأسر والأطفال، وأن عدد حالات الطلاق تصل إلى 273 ألف حالة طلاق فى السنة مما يصعب دراسة كل حالة على حدى.. وأكد تمام أن مناقشات سن الحضانة يجب أن تعتمد على بيانات ودراسات اجتماعية حديثة، وألا تقتصر على المشرعين، لأنهم غير ملمين بالجانب النفسى للأطفال واحتياجاتهم، فيجب أن يؤخذ بآراء أساتذة علم النفس والاجتماع. وكشفت هبة غازى، استشارى العلاقات الأسرية وإخصائى علاج نفسى للأطفال أن الطفل لا يفهم التفاصيل القانونية، وأنه يشعر فجأة أن حياته تبدلت، مشيرة إلى أن انتقال الحضانة ليس مجرد تغيير فى مكان الإقامة وإنما زلزال يضرب أركان عالمه. وأوضحت أن من عمر 7 إلى 12 عاما، يفسر الطفل انتقال الحضانة، أنه نوع من العقاب أو التخلى من الأم، مما يولد لديه صراعا داخليا يقوده إلى الاكتئاب والعدوانية.. وقالت إن تغيير روتين الطفل وبيئته فجأة، يسبب له اضطرابات مثل فقدان الشهية، والكوابيس، والتراجع الدراسى نتيجة الشرود الذهنى، والعزلة الاجتماعية.