قال زكي رستم: لن تسألني أسئلة قديمة.. يعنى لن تسألنى لماذا لم أتزوج.. وما هو عمري.. وما هو آخر أجر تقاضيته وأى المخرجين أفضله؟ فقلت له: لن أسألك سأتركك تفكر بصوت عالٍ فقط. وبدأ زكي يتكلم: الهواية غريزة.. وأنا كنت ميسور الحال طول عمرى والحمد لله، كنت صغيراً حينما شاهدت لأول مرة ناسا يقفون على مكان عالٍ ويمثلون، كانت فرقة الأستاذ الكبير جورج أبيض، وكنت ما أزال طالباً فى السنة الثانية الابتدائية.. تفاصيل أخرى كثيرة ذكرها الفنان الراحل فى حوار نادر أجرته معه جريدة «الأخبار» ونشر في 11 نوفمبر 1957. بدأت أشعر بميل شديد إلى تقليد هؤلاء الناس.. كان هذا فى عام 1914، وأعتقد أن هذه الحفلة الأولى التى رأيت فيها جورج أبيض يمثل «أوديب الملك» هى التى أيقظت فىّ الميل للفن والمسرح. أصبحت بعد ذلك أجمع أولاد خالي وبعض أصدقائى وعائلاتهم كل خميس فى بدروم المنزل ونمثل بعض روايات جورج أبيض التى تمكنا من شرائها من المكتبات التى تبيع الكتب المستعملة.. مثل «عطيل» و «لويس الحادى عشر». كنت أنا أقوم بدور جورج أبيض إلى جانب قيامى بتحفيظهم أدوارهم والإخراج! كنت الشخص الوحيد الذى يجد متعة فيما نفعل، ولذلك كنت أوزع عليهم مصروفى الشخصى كتشجيع لهم حتى لا يتخلفوا عن الحضور. المتفرجون هم سفرجية وبوابو البيوت المجاورة والستارة ملاءتان أو بطانيتان. ◄ اقرأ أيضًا | زكي رستم.. الشرير الذي أحبه الجميع ◄ بداية الاحتراف دخلت حياتى شخصية هامة جداً.. كان والدى صديقاً حميماً لوالد المرحوم سليمان نجيب. ذات مرة رآنا والد سليمان ونحن نمثل، ويبدو أنه أخبر ابنه بأن صديقه له ابن يحب التمثيل مثله. تعرفت بسليمان نجيب الذى عرّفنى بالفنان عبدالوارث عسر، وكان فى ذلك الوقت عملاقاً فى «جمعية أنصار التمثيل». بعد فترة من تعرفنا بدأت فرقتهم تسند إلىّ بعض الأدوار الصغيرة بمعدل مرة أو اثنتين فى الشهر. عرّفنى عبد الوارث عسر بالفنان الكبير محمد عبدالقدوس، وكان يعمل مع الأستاذ جورج أبيض. فى منزل جورج أبيض بعد حفل شاى عائلى أخذ الأستاذ أبيض يختبرنى.. طلب منى يومها أن أمثل شخصية «تيمور» فى مسرحية لويس الحادى عشر وعندما انتهيت صفق لى. فى عام 1925 طلبنى يوسف وهبى وكنت أفكر فى ترك فرقة أبيض لأنه كان ينوى القيام برحلة طويلة إلى الخارج، فانضممت إلى فرقة رمسيس كهاوٍ أيضاً.. وظللت أعمل بلا أجر حتى بداية موسم عام 1928. حينما عرض علىّ يوسف وهبى أجراً معقولاً بالنسبة لتلك الأيام.. ولما رفضت وأفهمته أننى لا أعمل من أجل المادة، قال لى يوسف وهبى إنه لا يستطيع الاعتماد علىّ تماماً وإسناد الأدوار التى يريدها إلىّ ما لم يكن بيننا عقد وأجر. سئل: لماذا يا أستاذ زكى تركت المسرح نهائيًا؟ أجاب: من قال إن الفن فى المسرح فقط؟ السينما أيضاً فن كبير.. والفنان فنان حتى ولو عمل مع فرقة «حسب الله». أنا أعتقد أن السينما أفضل أدبياً وفنياً وأبقى على مر الزمن، لأنها فى الحقيقة طريق وعر وبالذات فى مصر.. فدائرتها محدودة بل مخنوقة. عن السفر، سافرت مرة واحدة إلى فرنسا مع أفراد فيلم «الوردة البيضاء» للعمل، وكان أول أفلام محمد عبد الوهاب. عن الهوايات، كنت أمارس البلياردو لسنوات، ولكنى هجرتها هذا العام.. السن عليه معول كبير. عن الموسيقى، أكتفى حالياً بسماع الموسيقى والغناء بشراهة.. ومن مغنياتى المفضلات أم كلثوم، ثم نجاح سلام وصباح، وشادية. عن الزواج.. إذا قدِّر لى أن أتزوج الآن فأنا أريدها كشادية، على شرط أن تضيف إلى عمرها عشرة أعوام مثلاً.. عن التمثيل العالمى.. الممثل الأجنبى الذى يمكننى القيام بأدواره هو شارلز لوتون أو سبنسر تراسى أو إدوارد روبنسون. عن التعبير.. أنا تعبيرى نفسانى، ويظهر على صفحات وجهى ومن نظراتى فالإحساس الصادق ينقله الوجه دون تعب أو تكلف. عن أدوار الشر.. أنا أحب الدور مهما كان إذا كان وضعه الفنى سليماً وممتازاً، وأنا أحب الشخصية المرسومة رسماً متقناً صحيحاً. عن الحب.. سئل هل تحب فى حياتك؟ ابتسم ابتسامته الرهيبة وقال: حبيت.. حبيت بينى وبين نفسى.. قد أرى واحدة فأعجب بها ثم تذهب إلى حال سبيلها. عن الأبناء:.. سئل إذا كان لك ولد هل كنت ترجو له مستقبلك؟ أجاب ب «لا».. لأن الفن يأتيك بشباك الصيد والقنص، ولذا سرعان ما ينتهى كل شىء. ◄ قصاصة قديمة ويقال فى الوسط الفنى إن زكى رستم أبخل من عبدالوهاب.. ولا يستطيع أى فنان أو فنانة أن يذكر له دعوة إلى مائدة.. زكى رستم يقيم فى شقة فاخرة بشارع سليمان باشا بجوار سينما ميامي.. وهو يتناول وجباته دائمًا فى المحال العامة.. وهو يقضى وقته بهذه المحال فى أوقات تختلف كثيرًا عن الأوقات التى يجتمع فيها الناس.. إلا أنه يتناول غداءه دائمًا فى الساعة الثالثة بعد الظهر.. كما يتناول عشاءه بعد منتصف الليل! وهو يقول فى هذا:. إنه يفضل الهدوء والعزلة والابتعاد عن الناس!. والذين اختلطوا بزكى رستم يقولون إنه لا يطمئن إلى عمله إلا إذا رأى نفسه على الشاشة، ولا يمد يده إلى الطعام إلا إذا رأى أدوات المائدة تُغسل أمام عينيه! ◄ الهارب من الناس أتحداك أن تضبطه متلبسا بمصاحبة أحد! فهو نفور يحب العزلة ويهرب من الناس، مع أن ظروف حياته تحتم عليه أن يعيش دائماً محاطاً بهم! وهو من أشهر العزاب، لا زهدا فى الزواج، ولكن لأن الحظ جانبه فى شبابه فعجز عن الاهتداء إلى بنت الحلال التى يكمل معها نصف دينه: «كنت سيئ الحظ على طول الخط.. كلما سمعت عن بنت حلوة فى أسرة كريمة سارعت محاولاً الظفر بها فيصدمنى أن عريساً آخر كان أسرع منى!.. وهكذا مرت الأيام حتى أصبحت أخاف أن أتزوج أن يضيق علىّ القدر بفسحة من العمر لأربى أولادى.» ولأنه أعزب فإن مطاعم القاهرة خصوصاً ما يقع منها فى شارع طلعت حرب تظفر بدخل كبير ثابت من أمواله! يفطر ويتغدى ويتعشى فى الشارع، ويقضى كل نهاره ومعظم ليله فى المحال العامة محاطاً بالناس من جميع الجهات، ولكن وحده فى عزلة عنهم هارباً منهم! ◄ بكى مرتين لكن زكى رستم، أثناء تصوير الفيلم، بكى مرتين! مرة عندما ضحكت عليه ممثلة ناشئة لأنه نسى عبارة مفروض أن يقولوها، ومرة أخرى عندما لم تسعفه أذنه ليسمع تعليمات المخرج! كانت الشيخوخة قد دبت فى عروق فناننا الكبير.. وكان المرض قد اشتد عليه.. ولم يكن زكى رستم فى حاجة إلى أحد.. كان يملك رصيدًا معقولًا.. كثيرًا ما كان يقول ساخرا: «دى تكاليف الجنازة والقهوة». مات زكى رستم، أعظم فنانى هذا العصر الذى قال عنه جورج سادول: «إنى أرى نسخة مصرية لأرسين ويليز ملامح مميزة، ونبرة مؤثرة.» ومات، ولم ينل سوى جائزة المركز الكاثوليكى وهى جائزة شرفية عن فيلم ما لدوره الأخلاقى. مات فنان عظيم، لم ترشحه جائزة من جوائز الدولة قبل مشوار الوداع!