الحرب ليست نزهة. إلا أنها أحيانا لا تكون اختيارا، لأنه لو شعر الاعداء بفقدان أمة «لإرادة الحرب»فأن ذلك دوما «إغراء هائل» بالعدوان عليها، واغتصاب أراضيها، وتهديد أمنها القومي. وشيء من هذا كله يحدث الآن فى المنطقة العربية، ويفضل البعض أن يعود به إلى الغزو الأمريكى للعراق، ولكن الأدق أن تعود به إلى «حرب الخليج الأولي» الحرب العراقية الايرانية ، والتى كانت فاتحة «لأبواب الشر» وما تلاها من حروب. كما أنها تمثل «النموذج الأبرز» للاحتواء الغربى لقوتين، وبداية لخطة طويلة لتفجير «الحرب الدينية ما بين السنة والشيعة، مرورا بالفوضى الخلاقة، وثورات الفيس بوك وتويتر»، وأيضا حروب لا نهاية لها تحت عنوان «الحرب على الارهاب». وهنا فإن السؤال الذى يفرض نفسه هل بالامكان أن يتم تجنب الحرب، فحتى الذين لم يشاركوا «دفعوا الثمن»، كما أن الذين تجاوبوا مع اغراء لحظة ضعف الخصم مثل صدام حسين فقد دفعوا ثمن «التأمر» من ذات القوى الغربية التى دفعتهم للقيام «بدور شرطى المنطقة». والآن ثمة تهديدات حقيقية وإغراءات شديدة للتورط فى صراع «ملء الفراغ الاستراتيجي» بالمنطقة، وبصراحة شديدة فإن مصر تتجاذبها قوى عدة لتأخذها إلى صفها فى هذه »المعركة طويلة الأمد« التى تمتد من «صراع القوى الاقليمية» إلى «صراع القوة العظمى الوحيدة» محاولة إحكام قبضتها على العالم «والانشغال بالقوة العظمى البازغة الصين»، والقوى التى تحاول استعادة نفوذها «روسيا».. وأحسب أن القاهرة فى موقف دقيق للغاية، ويتعين أن تجرى مصر حسابا عميقا لمسألة «التكلفة والعائد» للتورط فى هذا الصراع الكبير، وذلك بعيدا عن حماسة «الدور الكبير» فى المنطقة، وأيضا أخذا فى الاعتبار «التكلفة الباهظة» لسياسة «الأنزواء» بعيدا عما يجري. إذن ما السبيل؟! بداية فإن التدخلات العسكرية المستمرة فى المنطقة ساهمت فى تحويل العراق وليبيا وسوريا واليمن والصومال إلى «دول فاشلة»، كما أنها ساهمت فى تمدد الإرهاب والجماعات الارهابية (القاعدة وداعش). كما رصدت منظمة الشفافية الدولية أن إجمالى الانفاق العسكرى فى 17 دولة عربية وصل الى أكثر من 135 مليار دولار، أى مايوزى 7.6% من الانفاق العسكرى العالمى خلال العام الماضي. وتزامن مع هذه التدخلات الخوف من خطر التوسع الايراني، والإرهاب، والفوضى التى صاحبت وأعقبت ثورات الربيع العربي، ووسط حديث مفرط عن إنحسار الرغبة الأمريكية واهتمامها بالخليج، وتوجهه باتجاه اسيا والمحيط الهادئ، فإن بريطانيا مثلما تقول لنا جيهان العلايلى فى جريدة الشروق توسعت فى اقامة قواعد عسكرية بالخليج (قطرالبحرين الكويت الإمارات سلطنة عمان). وتقدم العلايلى تفسيرا على لسان السير ويفيد ريتشاردز رئيس هيئة الاركان للجيش البريطانى السابق بتأكيده »بعد أفغانستان سنحول جهدنا العسكرى الرئيسى صوب الخليج«، وأحسب أن المنطقة بدون نظام أمن إقليمى واقعيا عربيا سوف نظل أسرى الغياب والحضور، والتنازعات ما بين قوى عدة ترغب فى ملء الفراغ. وهنا القاهرة والرياض عليهما عبء «التفاهم المشترك» لقيادة التحالف العسكرى العربى للدفاع عن المصالح العربية. والبديهية الثانية أن الرياضى تتمتع مثلما تقول لينا الخطيب الباحثة فى مركز كارنيجى للشرق الأوسط بنفوذ فى المنطقة، إلا أنها فى مقالها «الدور السعودى النافذ فى الخليج والشرق الأوسط» بجريدة الحياة تقول إن «السباق الراهن بين السعودية وبين إيران المتجسد الآن فى اليمن ليس، إذا تنافسا سعوديا ايرانيا يتضمن رغبة كل طرف فى القضاء الكامل على خصمه. فكل لاعب يسعى فى الواقع إلى دفع ميزان القوة كى يميل إلى جانبه». وتضيف الخطيب فى جملة مهمة «وعلى الرغم أنه بدا لوهلة أن إيران لها اليد العليا فى هذه اللعبة أساسا بسبب ما كانت تتوقعه من تراجع لدور السعودية، إلا أن الصورة تتغير الآن، وتعيد بموجبها السعودية تأكيد نفسها بوصفها مقررة للأمن والسلطة فى الشرق الأوسط». ولقد ذهبت لينا الخطيب إلى هذه النتيجة فى ذروة المفاجأة من عملية عاصفة الحزم فى اليمن، والآن تقول لنا د. ياسمين فاروق المدرس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى مقال تحت عنوان «مصر والسعودية.. بين بلح الشام وعنب اليمن» ما خلاصته أن الحصول على بلح الشام أو عنب اليمن صار متعذرا على كل من القاهرة والرياض. وهنا فإن د. ياسمين تقول «لقد اعتمدت السياسة السعودية فى هاتين القضيتين على استثمار أموال كثيرة فى الحركات الإسلامية السنية، وعلى عكس رؤية النظام المصرى حاليا، ترى المملكة فى هذه الحركات الكابح الحقيقى للجماح «الفارسي» والإدارة الأساسية لحربها بالوكالة ضد تكوين كماشة إيرانية حول مساحة تبدأ من سوريا ومنها إلى لبنانوالعراق، ومن اليمن ثم إلى السعودية ذاتها، وباقى دول الخليج. وعلى الرغم من عدم قدرة هذه الحركات على حسم هذه المعارك للصالح السعودى فى سوريا أو اليمن، فهى تسمح للمملكة بأن تكون فاعلا أساسيا فى صفقات تسوية هذين الصراعين. إلا أن حدود نجاح سياسة المملكة يقف عند وجودها حول طاولة الحوار». ومرة أخرى فإن مواقف القوى الدولية تغيرت كما أن القوى الداخلية تمردت على الرياض نظرا لأن هذه الحركات نجحت فى تطوير مراجع أيديولوجية ذاتية، وإيجاد مصادر تمويل خارجية بديلة. أذن مع الاقرار الكامل بخطورة التهديدات الإيرانية للأمن القومى السعودى والخليجي، وأيضا الأمن القومى العربى فإن «المصلحة المصرية» تستدعى «عدم الغوص» فى مستنقع الحرب الأهلية سواء فى اليمن أو سوريا، وخاصة لو كانت الشواهد كلها تقول إنها تستخدم فى إطار أوسع «كحرب بالوكالة» من قبل إيران وحلفائها! فضلا عن أن هذه «الحرب بالوكالة» جزء من خيوط لعبة أمم أكبر تتورط فيها الولاياتالمتحدة والغرب فى مواجهة روسياوالصينوإيران. ومثلما ينبغى أن نكون قد تعلمنا فإن مصر عبد الناصر ضربت فى اليمن قبل أن تهزم فى يونيو 67، وعراق صدام كسر فى حربه ضد إيران وغزو الكويت قبل أن يسقط فى الغزو الأمريكي!. ونحن لا نتمنى أن «يتكرر السيناريو ثانية» سواء لمصر أو السعودية فهما «جناحا الأمة»، ولابد من أن يصارحا بعضهما البعض، ولا يتركا «أى ثغرة» لضربهما معا؟! والنقطة الثالثة.. تتعلق بما سماه الباحثان فريدريك ويرى وكريم سيجاديون لمركز كارنيجى بتوازن بعيد المنال: «أمريكاوإيران والمملكة العربية السعودية فى الشرق الأوسط المتغير». ويشرح الباحثان بقولهما إن «أهم عقبة فى طريق تحسين العلاقات بين إيران ودول الخليج تكمن فى الحقيقة المتمثلة فى احتلال التوازن الهيكلى فى الخليج، وبغض النظر عن النظام القائم فى طهران، سوف تستمر المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية فى المطالبة بدعم عسكرى خارجى لتحقيق التوازن المطلوب بين ما تعتبره الهيمنة المتأصلة فى إيران. من جانبها سوف تواصل طهران المطالبة بمنطقة خالية من القوات الأجنبية حتى تتمكن من تأكيد ما تعتبره دورها القيادى الشرعي. ويخلص الرجلان إلى أنه بهذا المعنى فأن فكرة وجود «توازن جديد واكثر ايجابية بين إيران والسعودية، يمكنها تمهيد الطريق أمام تضاؤل الالتزامات الأمريكية فى الخليج تبدو حلما بعيد المنال أكثر منه احتمالا على المدى القصير». ويبقى أن «كل الطرق» تؤدى إلى مصر، والتحالف العربى من خلال القوة العربية المشتركة. وهنا فإن الاستثمار فى »مصر القوية« هو لجميع الدول العربية، والوقت لا يحتمل المناكفات، ولا المزايدات، ولا الاستعراضات الإعلامية، بل الوثوق فى التزام مصر بأمن الخليج لأنه جزء من أمنها، ولكن القاهرة لديها خطان أحمران: عدم التورط فى حرب أهلية أو حرب دينية؟ لمزيد من مقالات محمد صابرين