دار الشروق فعلت بنا خيراً بإصدار هذا الكنز من الشعر، الأعمال الكاملة للكبير مريد البرغوثي، الذى يسكن مصر وتسكنه فلسطين، وهواه مصر وفلسطين ورضوى وتميم. ولقد بّوب الشاعر دواوينه فى جزءين بادئا بالأحدث فالذى قبله حتى يصل فى آخر الجزء الثانى إلى الديوان الأول. ولكنى آثرت أن أقرأ الدواوين بترتيب صدورها حتى أستطيع متابعة تطور الشاعر من بداياته إلى قمة نضجه. وبنفس الأسلوب، اخترت من كل ديوان قصيدة قصيرة أو مقطعاً من قصيدة لكى يشاركنى القارئ الرأى والمتعة. وها أنت ترى بين يديك يا قارئى العزيز مختارات بترتيب صدور الدواوين. والنتيجة التى خرجت بها من تأملى لهذا الجمال، أن مريد البرغوثى شاعر قلق للغاية. فهو ما يكاد يكتب قصيدة بشكل ما حتى يلح عليه القلق الإبداعى كى يأتى بشكل جديد، ودائماً ما يفعل. فنادراً ما تجد عند البرغوثى قصيدة تتشابه أسلوبياً مع أخري. وهو - شأن كبار الشعراء - لا يسجن نفسه فى شكل يجعله عقيدة له ذات مانيفستو وحزب من ممارسى هذا الشكل المؤمنين. فهو يكتب قصيدة النثر لكنه ليس شاعر قصيدة نثر، ويكتب التفعيلة لكنه ليس شاعر تفعيلة, أما الأشكال التى يخترعها فى كتاباته فلا حصر لها: قارن السخرية القاتمة والبناء الذى يشبه النكتة فى قصيدة «التفسير» (1987)، بالغنائية واللغة الكلاسيكية فى «الثلج» (1979)، بقصيدة النثر التى تحاكى إيقاع الطبول (طبول فى غابة العشق - 1975)، بحميمية مفردات الحياة اليومية فى «مشابك الغسيل» (1989)، بالصورة البلاغية التى ليست محسنة بديعية بل حقيقة وجودية فى «باتساع السماء» (2000) .. والباقى كثير ستجد بعضه فى هذه المختارات. وقد بلغ البرغوثى الذروة فى ديوانه/ القصيدة « منتصف الليل» ( 2005) الذى نثرنا هنا بعضاً من لآلئه فى حدود المتاح، وهو قمة لا شك أن بالغها سيتجاوزها فى القريب العاجل. شكراً للشاعر الكبير مريد البرغوثي.