يُعد «شم النسيم» واحدًا من أقدم الأعياد الشعبية فى التاريخ الإنسانى إن لم يكن أقدمها على الإطلاق، وقد عُرف فى مصر القديمة باسم «شمو»، بمعنى عيد الخلق أو بعث الحياة.. فى ظاهرة مصرية خالصة امتدت تأثيراتها إلى حضارات أخرى، وإن اختلفت المسميات، مثل «النيروز» فى إيران، «ثافسوث» فى الجزائر وهى كلمة أمازيغية الأصل وتدل على تفتح الأزهار وإثمار الأشجار، و«إيستر» فى أوروبا و«نيان» فى الصين و«هولى» فى الهند، ما يعكس عمق التأثير الحضارى المصرى وانتشاره .. ورغم تعاقب العصور، لا تزال هذه الطقوس حاضرة فى وجدان المصريين، ويظل الفسيخ والرنجة من أبرز رموز الاحتفال بشم النسيم فى مصر، حيث يرتبطان بعادات ضاربة فى عمق التاريخ المصرى، تعكس ارتباط المصريين بفصل الربيع وتجدد الحياة ويشهد اليوم تجمعات عائلية فى كل بيوت مصر وحدائقها ومتنزهاتها. فى عيد الربيع مع أول خيط من نور الفجر، تتجه أنظار أبناء الأقصر نحو النيل، حيث تبدأ حكاية يوم مختلف، تختلط فيه طقوس الحاضر بذاكرة آلاف السنين. هنا، فى طيبة القديمة، لا يأتى شم النسيم كعطلة عابرة، بل كطقس حيّ يعيد إحياء ما تركه الأجداد فوق جدران المعابد وعلى ضفاف النهر. فى ساعات الصباح الأولى، يخرج الأهالى فرادى وجماعات إلى الكورنيش والحدائق العامة، بينما يفضل آخرون التوجه إلى النيل مباشرة، حيث ينتظرون بزوغ الشمس فى مشهد يتكرر كل عام. ومع أول ضوء، يحرص البعض على غسل وجوههم بمياه النهر، فى عادة متوارثة يراها كثيرون امتدادًا لطقوس قديمة ارتبطت بالبركة والتجدد. تتحول المراكب الشراعية إلى مسارح مفتوحة للبهجة، تمتلئ بالضحكات والأغاني، فى جولات نيلية تمتد بين البرين الشرقى والغربي، مرورًا بجزيرتى الموز وأرمنت. وعلى الضفة الأخرى، يقصد البعض المعابد والمقابر الفرعونية، وكأن الاحتفال لا يكتمل إلا بزيارة التاريخ فى موطنه الأصلي. ولا تغيب الأطعمة التقليدية عن المشهد؛ الفسيخ والسمك المملح، البيض، الخس، الحمص والترمس، كلها حاضرة بقوة، كجزء أصيل من طقوس هذا اليوم، تحمل فى طياتها دلالات قديمة ارتبطت بالحياة والخصب والنماء. يقول الباحث الأثرى الطيب غريب، مدير عام معابد الكرنك السابق، إن عيد الربيع أو «شم النسيم» يُعد من أقدم الأعياد الشعبية فى التاريخ الإنساني، وقد عُرف فى مصر القديمة باسم «شمو»، بمعنى عيد الخلق أو بعث الحياة. ويوضح أن المصريين القدماء احتفلوا به باعتباره رمزًا لتجدد الحياة وانبعاثها، وهى الفكرة التى ارتبطت بأسطورة إيزيس وأوزوريس، والتى جسدت انتصار الحياة على الموت. ويضيف أن مظاهر الاحتفال لم تكن ترفيهية فقط، بل حملت طابعًا دينيًا وروحيًا عميقًا، حيث ارتبطت بفصول السنة ودورات الطبيعة، كما امتدت تأثيراتها إلى حضارات أخرى، وإن اختلفت المسميات، مثل «النيروز» فى الشرق و«الإيستر» فى الغرب، ما يعكس عمق التأثير الحضارى المصري. ورغم تعاقب العصور، لا تزال هذه الطقوس حاضرة فى وجدان المصريين، خاصة فى مدن مثل الأقصر، التى تحتفظ بخصوصية تاريخية تجعل من شم النسيم مناسبة تتجاوز الاحتفال إلى استحضار الهوية. فى المقابل، تستعد الأجهزة التنفيذية بالمحافظة لهذا اليوم برفع درجة الاستعداد، خاصة فى القطاعات الخدمية التى تشهد إقبالًا كثيفًا. وتشمل الاستعدادات تكثيف التواجد الطبى داخل المستشفيات، وتوفير الأدوية ومستلزمات الطوارئ، إلى جانب زيادة أعداد الأطباء فى الأقسام الحرجة. كما يتم الدفع بسيارات إسعاف إضافية فى المناطق الحيوية، خاصة على طول كورنيش النيل والحدائق العامة، تحسبًا لأى طوارئ، فى وقت تشهد فيه الشوارع والميادين حالة من الزحام والاحتشاد. وفى السياق نفسه، تُشدد مديرية التموين الرقابة على الأسواق ومحال بيع الأسماك المملحة والسلع الغذائية، لضمان سلامة المنتجات والتزام التجار بالأسعار، ومنع أى محاولات للاحتكار أو الغش التجاري، خاصة مع ارتفاع معدلات الاستهلاك خلال هذه المناسبة. هكذا، يظل شم النسيم فى الأقصر أكثر من مجرد احتفال موسمي؛ إنه مشهد ممتد من التاريخ إلى الحاضر، تتداخل فيه الطقوس القديمة مع تفاصيل الحياة اليومية، ليبقى شاهدًا حيًا على حضارة لم تنقطع، وروح لا تزال تتجدد مع كل ربيع.