أمينًا للمجلس الأعلى لشئون المعاهد :تجديد ندب جودة غانم    البرلمان.. ومسئولية التشريع    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    كيف تستفيد الحكومة من لميس الحديدى؟    سعر جرام الذهب مساء اليوم، عيار 21 يسجل هذا الرقم    مركز حقوقى فلسطينى: الاحتلال قتل 439 فلسطينيا منذ بدء اتفاق وقف إطلاق النار    فنزويلا تنجو من سيناريو العراق وليبيا    عبدالسلام العوامي: استقرار الصومال صمام أمان للأمن القومي المصري والعربي    من بغداد إلى السجن ثم موسكو.. حسن عصفور يروي بداياته السياسية وعلاقته المبكرة بحركة فتح    الاتحاد يحسم قمة الجولة السابعة من دوري السلة أمام الأهلي    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    إخماد حريق مخزن مواسير بلاستيك بالمنوفية    أنغام تطرح أولى أغانيها في عام 2026 "الحب حالة" (فيديو)    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    فيلم "إن غاب القط" يحافظ على صدارة الموسم السينمائي    عضو لجنة تحكيم جائزة ساويرس تتبرأ من حجب جائزة القصة القصيرة    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    «التخطيط» تبحث دمج الاستراتيجية الوطنية للأشخاص ذوي الإعاقة    رياض محرز يصدم جماهير الجزائر قبل مباراة نيجيريا    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    بسبب امتناعها عن الأكل العثور على جثة طالبة داخل منزلها بقنا    التحفظ على كاميرات مراقبة لكشف تفاصيل تحرش عاطل بفتاة في الدقي    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    الدفاع الروسية: إسقاط 5 طائرات مسيرة أوكرانية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    بجهود أبوريدة.. تسريع تأشيرة محمد حمدي للعلاج في ألمانيا بعد إصابته بالرباط الصليبي    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    الجيش السورى يطالب أهالى حى الشيخ مقصود بإخلاء 3 مواقع تابعة لقسد لقصفها    3 نساء يتحكمن بمصير فنزويلا بعد اعتقال مادورو.. تعرف عليهن    شاهد.. لقطات من كواليس تصوير مسلسل «قسمة العدل» قبل عرضه على ON    «طوبة».. حين يتكلم البرد بلسان الأمثال الشعبية    مشادة تتحول إلى جريمة.. فتاة تتعرض للضرب في قلب القاهرة    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    محافظ أسوان يتابع تداعيات العاصفة الترابية ويقرر غلق الملاحة النهرية والتنبيه على قائدي المركبات    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    حالة وفاة و13 مصابا.. نائب محافظ المنيا يطمئن على مصابي حادث انقلاب ميكروباص بمستشفى الصدر    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    ختام فعاليات أوبريت «الليلة الكبيرة» بقرى حياة كريمة في أسيوط    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    محافظ سوهاج يتابع مقترح التطوير التنفيذي لشارع المحطة وفق الهوية البصرية    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    هويدا حافظ يكتب: من الميلاد.. إلى المعراج    سنن وآداب يوم الجمعة يوم بركة وعبادة في حياة المسلم    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



القضية
نشر في أخبار الأدب يوم 04 - 06 - 2010

الجميع في القاعة الكبيرة عيونهم معلقة بالمحامي الشهير الأستاذ »منصور عوني« وهو يلقي مرافعته النهائية في القضية التي شغلت الرأي العام طوال الشهور الماضية واعتبرتها الصحافة قضية الموسم بلا منازع، إذ توفر لها من عوامل الاثارة والطرافة ما جعلها حديث الجماهير التي ملأت اليوم قاعة »الجلسة« وردهات المحكمة الخارجية.
ومما زاد في اهتمام الناس بهذه القضية بالذات أنها تقريباً آخر قضية يترافع فيها الاستاذ »منصور عوني« بعد أن بات معروفاً للجميع أنه مرشح لمنصب كبير في وزارة العدل... منصب سيمنعه في المستقبل من الترافع في ساحة القضاء.
والأستاذ منصور يؤكد اليوم فيما يبدو هذه الحقيقة.. بالحماس الذي يبديه وهو يصول ويجول مشيرً الي موكلته حينا.. وإلي المدعي عليه حيناً آخر..
والرجل قدير حقاً: والعيون تلاحقه في انبهار.. وكلما وصل إلي نقطة مثيرة تعالت الهمسات فيضطر القاضي إلي التنبيه علي الجميع بالتزام الصمت.. ولكن الرجل الكبير نفسه.. القاضي تبدو عليه التماعات تخفق مع ذبذبات الصوت الجهير.
والمرأة تنظر إلي محاميها وتضم طفلها في أمل كبير لا تؤثر عليه النظرات الحانقة التي يلقيها من الطرف الآخر.. زوجها السابق.
وإلي جوارها يجلس السيد »حسين عبدالمعين«.. وكيل المحامي.. وكيل الأستاذ منصور عوني.. رغم استمتاعه الواضح بالمرافعة ومتابعته لمحاميه بكل ما يطلبه من مستندات أو وثائق.. إلا أن هناك شيئًا غريباً يتملكه بين الحين والحين فينتفض وينتابه قلق يبعث بالتوتر إلي قسماته المسنة لفترة عابرة.. والمرأة رغم شاغلها الأكبر تلاحظه أحيانا وترمقه بتساؤل عميق.
آخر »جلسة« في القضية يا سيد حسين.. جلسة الحكم والقضية انتهت.. ضمنتها المرأة.. وضمن وليدها حق الوجود ودان المجد للأستاذ.. وانتهيت أنت.. وليس وراءك جمهور يضيء لك شموع النهاية.
الأستاذ.. سيخرج من المحكمة إلي مكتب فخم، ومنصب أفخم.. تشيعه أصداء النجاح.. النجاح الذي ملأ السمع والبصر طوال ثلاثين عاما وتوجته هذه القضية.. فلاشك في الحكم.. الاستاذ يحس بذلك جيدا فيمتليء ثقة وينتفخ حماساً، والناس أكثر منه حماساً وانفعالا، ومحامي الخصم يجفف عرقه ويبتعد بعينيه دائما عن موكله، والقاضي.. في غاية الاندماج، وربما يحس بأن ضميره لم يكن أكثر راحة في يوم منه الآن، وهو يستعد للمشهد الختامي.. حين يقرر صحة انتساب الطفل إلي أبيه.. وتنطلق الزغاريد.. وتجمع الأوراق.. ثم تنتظر حتي يخف زحام »التهاني« لتوجه بدورك كلمة تهنئة للأستاذ.. وسيستقبلها كعادته كل مرة.. ابتسامة شكر يمزقها الفخر فتتحول إلي تمتمات لا تسمع منها شيئا.. وكأنك لم تسهر الليالي لتهييء له حفلا مثل هذا:
العدالة يا سيادة القاضي.. أنت لا تنظر لي.. حسنا فالأستاذ يترافع ولكنك تجلس تحت لافتة كبيرة.. واذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.. وأنت رجل عادل.. لاشك في ذلك: ولكنك لا تراني.. والقضية قضيتي«.
هذا الأستاذ.. منصور عوني.. تلميذي.. والله لن تصدق ولو سمعت قولي لضحكت.. ولكنها الحقيقة: تلميذي.. بل لساني.. شهادتي .. نعم هو ليسانس الحقوق بالنسبة لي.. الأمر غامض؟.. وغير مفهوم؟.. أعرف.. فأنا بدوري أعجز عن فهمه أحياناً.
أنا لم أدخل كلية الحقوق في شبابي.. طبعا.. وإلا لهان الامر ولكني صاحب هذا المجد العريض الذي يمرح في أرجائه الاستاذ منصور عوني، فقد عرفت القانون قبل أن أراه.. وربما قبل أن يعرف هو معني كلمة قانون، وحين جاء الي المكتب.. كان شابا صغيرا.. جاء يتدرب لدي الاستاذ عبدالوهاب صاحب المكتب الراحل، وكان رجلا مسنا ضيق الصدر قال لي يوم جاء الشاب الصغير:
- يا حسين.. خللي الجدع عليك.. اسقيه الصنعة..
وسقيته يا حضرة القاضي.. وظللت أسقيه وهو شامخ الأنف.. عاقد الحاجبين.. كنت في نظره مجرد وكيل محامي يرمقه باستعلاء ويأمره بالرد علي التليفون.. حتي بعد أن تزوج ابنة الاستاذ عبدالوهاب ورث مكتبه المكتب بدوسيهاته، وكتبه، وأثاثه، ووكيله، وزبائنه.
هذا الصوت كان في البداية يرتعش وهو يطلب التأجيل.. والآن.. يبدو وكأنه إله القانون.. القانون.. القانون... سبحان الله.. ماذا صنعت منك الكلمة يا سيد حسين؟ وأنت سيدها.. بلاشك سيدها والقضايا تشهد كلها.. جنايات، وجنح، وأحوال شخصية.. تزوير، وقتل، وسرقة واثبات نسب.. ميدانك، وأنت فارسه.. أعقد القضايا لم تحتمل في يديك ليلة بطولها، وفي الصباح يجد الأستاذ كل شيء.. المواد، والقوانين، والحجج مرافعة جاهزة يشطب فيها كلمات لا تضر، ويضيف كلمات لا تنفع في الاستهلاك ليقنع نفسه أن عملك بحاجة دائمة إلي علمه وخبرته.
ومع كل قضية كنت تحس بالفخر.. رغم الوضع والحيثية.. فهو يقف دائما يملأ بكلماتك فضاء القاعة ويهز المنصة.. وانت تجلس دائما.. تستمع وتناوله.. ورقة.. صورة.. شهادة كما تجلس الآن.. لم يتغير فيك شيء.
ونظرت المرأة الي الوجه الذي يبتسم في سخرية بجوارها، واتاح لها اطمئنانها شيئا من الدهشة الصامتة توجهت به عيناها إلي حسين أفندي.
كان لا ينظر إلي محاميه فعيناه معلقتان بالقاضي رغم اشارات الاستاذ منصور المتوالية.. ربما ليناوله شيئا.
ولكزته المرأة خوفاً علي طمأنينتها.. وأفاق لينظر.. فتموت بسمته.. ويهرع بورقة أعدها من قبل ليناولها للاستاذ.
إنها الحجة الدامغة.. الدليل الذي لا تقف أمامه حيلة، البرهان القاطع علي أن طفل السيدة طفل شرعي يستحق الانتساب إلي أبيه.. ذلك الرجل الحانق الجالس هناك بوجه محتقن.
ونظر السيد حسين إلي المرأة.
اطمئني.. سيحمل طفلك اسم أبيه.. فمن الواضح أن القاضي قد اقتنع تماما وزوجك السابق فقد المعركة للنهاية.. العدل دائما يسود في النهاية.. هذا ما تعلمته.. ولكن.. القانون شيء آخر.. العدل غير القانون.. هذه هي الحقيقة«.
أنا أعرف القانون جيداً فهو مهنتي.. المحامي ليس هو الوحيد الذي يعرفه... لولاي مثلا لما استطاع الاستاذ منصور أن يقف وقفته هذه.. هيه يبدو أنني أبالغ قليلا فهو يحمل ما هو أهم.. يحمل شهادة يا ست.. شهادة.. وأنا رغم خبرتي، رغم جميع المواد التي أحفظها في قانون العقوبات وباقي القوانين لست شيئا.. أجل.. فمن يعترف بأن حسين عبدالمعين رجل ضليع في القانون؟ أنا؟.. أنت؟.. الأستاذ؟ ربما.. ولكن؟.. القانون؟ حضرة القاضي مثلا: هل يسمح لي بأن أترافع أمامه؟.. مستحيل.
حتي ابني.. مجدي، وزوجتي.. أقرب الناس إلي ضحكوا مني طويلا حين قلت لهم: إن القوانين يجب أن تتغير فتسمح لي بفتح مكتب والترافع أمام المحاكم.. ولمحت في أعينهم شيئاً من الاشفاق المقترن بخوف دفين حين رأوا اصراري علي الفكرة واقتناعي بما أقول.. يخافون أن أجن؟.. هل أنا مجنون يا عالم؟.. يا حضرة القاضي هل أنا مجنون؟.. أنا أطلب حقي.. أطلب العدالة.. أنا ايضا.. أبحث عن اسمي، اسمي؟.. أجل اعرف أن اسمي حسين عبدالمعين.. ولكن من هو حسين عبدالمعين؟.. وكيل محام.. وكيل الاستاذ منصور عوني.. مجرد ظل.. ينحسر حين يبتعد الأصل.. وهذا ما سيحدث.. الاستاذ خلاص.. من الغد سيغلق المكتب فأين أذهب أنا؟.. وماذا اكون حينئذ؟.. أذهب الي محام آخر؟ أليس كذلك؟ واذا انتهي هذا الآخر.. مات أو اغلق المكتب؟ حلقة.. دائرة لا نهاية لها.
زمن غادر.. وأقدار عمياء.. وأنا أضيع.. أتلاشي.
وانتهي الاستاذ منصور عوني من مرافعته وتقدم محامي الخصم ليقول كلمات متهافتة كأنه يشيع بها موكله.. ولم يجد أمامه غير الطعن في تقرير الطبيب الشرعي.
والناس تنظر إليه في استنكار.. لقد تشبعوا جميعا، واصدروا الحكم، وراحت عيونهم وهمهماتهم تحاصر القاضي.. حتي انتهي المحامي.
وجمع القاضي أوراقاً أمامه ثم أعلن.. »الحكم بعد المداولة«.. ونهض يحيط به رفيقاه.. واقترب الاستاذ منصور عوني من موكلته..
- اطمئني يا هانم.. »خلاص.. أقدر أقولك مبروك مقدما..
ثم تركها وخرج لينعم باستراحة يتهيأ فيها للحظات انتصاره.
وبقي السيد حسين إلي جوارها.. وكان شارداً..
- مالك يا حسين افندي؟..
والتفت إليها وفي عينيه تعبيرات غريقة..
- مالي؟.. ولا حاجة يا ست..
لا شيء؟.. غير صحيح هناك شيء.. بل أشياء، ولكن ما صلة هذه السيدة بها؟ ولم تسألك؟ أيبدو علي وجهك تعبير ما؟.. جائز.. وقد سألتك فلم لا تخبرها؟.. هناك علي الأقل من يهتم.
- القضية انتهت يا ست.. مبروك..
وبتنهيدة ارتياح.. التقطت الخيط؟
- يسمع منك ربنا.. أنا خلاص.. فاض بيه.. أصلنا يا حسين افندي مش وش محاكم.. ولكن اعمل ايه؟ منه لله اللي كان السبب.
- معلهش يا ست.. ربنا ما بيضيعش حد..
- ونعم بالله يا حسين افندي.. لكن بذمتك.. عمرك شفت راجل يرمي لحمه بالشكل ده؟
- العند يا ستي يعمل أكثر من كده..
- يقوم يتهمني التهمة السودة دي؟.. يقول علي الولد مش ابنه طيب عملها فيه وطلقني.. رماني في الشارع.. موش كفاية؟ يبهدلني وراه في المحاكم؟..
- علي كل حال خلاص.. ربنا ظهر الحق.. بس انتي تأخدي بالك من الولد وتربيه كويس وتعلميه.. عشان ياخد شهادة.
وباستطراد ألهبه اهتمام عنيف.. عاد يردد:
- أيوه.. أهم حاجة الشهادة: ما تعمليش زي أمي الله يرحمها.. ماداتنيش غير شهادة الميلاد.. وضحك في انفعال متأزم ولم يسمع رد السيدة..
لو كانت هناك شهادة لما وجدت نفسك اليوم تنتظر استراحة المداولة.. ولكان اليوم يومك.. ولما اضطر مجدي لأن يكذب.
- بالأمس فقط اكتشفت الأمر حين كان يحدث زميله في الشرفة، كان يقول له ببساطة من لا يعرف الكذب: أنا قلت لبابا يريح نفسه ويقفل المكتب.. الشغل كثير وصحته ما بقتش تستحمل خصوصاً ان الراجل الوكيل بتاعه راجل كسلان كده ومش بتاع شغل.
هذا ما حدث.. سمعته بأذني يا هانم.. مجدي ابني يقول للناس:
اني محام.. هو أيضا لم يقتنع بان مهنتي لها معني أو اسم.. الراجل الوكيل بتاعه؟.. أسمعت؟.. ابني يقول هذا الكلام.
... كأن المحامي أحسن مني.. أنا الذي علمت منصور عوني ألف باء المحاكم والقضايا.. ولكن من يسمع؟ القاضي في الداخل يتداول مع مستشاريه وقد يكون في هذه اللحظة يتبادل معهم عبارات الاعجاب ببراعة الاستاذ منصور أو ربما يشرب معهم أقداح الليمون المثلج.. أو قد يفعلون أي شيء آخر.
ولكنهم قطعا لا يعرفون شيئا عن حسين عبدالمعين.. صاحب الفضل الأول في هذه القضية وكل قضايا منصور عوني.. آه.. لقد اتعبك التفكير يا سيد حسين.
... فقط.. لو لم يقل مجدي تلك العبارة؟ لسار كل شيء في طريقه.. ربما كنت تفكر بدورك في الراحة واعتزال المهنة ولأصبح لك شيء تعتز به.. ذكرياتك.. وابنك.. ولكن الآن لن تعود الي سابق عهدك، ففي النفس دموع تتساقط وتنعي العمر والتعب والكفاح.. الكفاح من أجل ماذا؟.. أكنت تظن أن ينحسر الظل عنك يوما؟.. واذا حدث ذلك فماذا يبدو تحت الظل؟.. إلا شيء.. لا شيء قطعا.. فالظل هو حقيقتك.. هو كيانك.
.. ابدأ أنت يا حسين رجل أصيل.. الآخر هو الظل.. منصور عوني لا يساوي بشهادته وعلمه وشهرته جناح ذبابة بجانب خبراتك وتجاربك.. أجل.
لقد كان لك مجرد لسان.. طوال عمره وحتي اليوم لم يفعل شيئاً إلا بيدك وجهدك.. ولكنه مع ذلك الاستاذ.. الاستاذ منصور عوني.. بجلالة قدره.. ليس هذا عدلاً يارب.. ان الصورة »مقلوبة« العدل هو.
- محكمة
.. وانتفض حسين عبدالمعين وانفجرت مسامه كالميازيب بالعرق وتعلقت عيناه بالمنصة »الحكم.. لقد انتهت القضية.. آخر قضايا الاستاذ.. وآخر عمرك يا حسين.. والعدل ستناله السيدة.. وأنت؟.. لن تنال شيئا ربما ناداك الاستاذ بعد الجلسة ليعطيك بعض الجنيهات.. مكافأتك فقط؟.. وماذا تنتظر؟.. العدل.. صه!.. القاضي يتكلم.
- حكمت المحكمة حضوريا بقبول الدعوي المقدمة من السيدة.. شكلاً وموضوعاً وانسابت الكلمات حتي انتهت بعد دقائق.. فانطلقت زغرودة مهللة.. وتعالي الهمس.
- العدل يا سيادة القاضي.. يحيا العدل.
»لم يا حسين صحت هكذا؟.. لم فعلت ذلك؟.. علي كل حال لقد ضاع بين أصداء الزغاريد.. ولكن لقد نظر إليك.. أجل القاضي نظرإليك ويالها من نظرة يا حسين.. وكأنه نفذ إلي أعماقك.. كأنه الوحيد الذي عرف المغزي الحقيقي لصيحتك. عيناه. أجل عيناه.. لقد بدت فيهما نظرة..
نظرة فاهمة عميقة.. انه يدعوك يا حسين أهذا حقيقي؟ لا تكن أبله.. لم تكن غير لفتة عابرة وربما لم تكن موجهة إليك، كلا.. لست أعمي.. لقد شملك.. بنظرة فاهمة عميقة انه يدعوك.. أين هو؟ لقد غاب في الداخل.
وبدا حسين عبدالمعين ذاهلاً عما حوله.. ولم يلتفت لكلمات فرحة قالتها السيدة له.. ولم يلتفت لاشارة من محاميه بأن يتبعه.
ورغم أفراحها وانشغالها بما بدا علي زوجها السابق من كمد فقد عادت تلاحظه ودهشت حين رأته مازال يحملق ذاهلاً في المنصة كان بينها وبينه.. خيط رفيع ولكنه متين.
- يا حسين افندي.. يا عم حسين..
ونظر إليها وبسمة غريبة تملأ كل وجهه.. ويسألها بصوت خافت متلهف:
- شفتيه؟.. وأجابت بسؤال غير فاهم: هو مين؟
- القاضي.. شفتي بص لي ازاي؟
وغمرتها موجة باردة من اشفاق حزين؟
- إنت تعبان يا حسين افندي؟.. روح ارتاح..
ونظر إليها في استغراب ساخر وقال بلهجة متأففة.
- اروح فين يا ست؟.. الراجل عايزني.. حاروح احكيله علي كل حاجة وادار ظهره مبتعدا بخطوات سريعة، وبدافع لا تدريه استمهلت بعض أقاربها وخرجت تتبعه.
وفي الردهة الواسعة سمعت حديثه مع أحد رجال الشرطة.
- هو خرج من زمان يا شاويش؟
- لسه راكب عربيته دلوقت.
- ما تعرفش بيته فين؟
- لا والله يا حسين افندي..
.. وحين رأته يخطو مسرعا ليغيب خلف المنحني العريض أحست بجزع فضمت ابنها إلي صدرها في خوف ملهوف، واستدارت بعينها.. والتقطت أنفاسها حين لمحت الأستاذ منصور عوني.
- يا أستاذ.. يا منصور بيه
- خير ان شاء الله يا هانم؟
- ماله ؟ حسين افندي..
- خرج دلوقت وبيقول انه رايح للقاضي في البيت..
ونظر إليها في استغراب وكأنه يتساءل عن سبب اهتمامها بالرجل العجوز وفي الوقت نفسه لم يفهم شيئا مما قالته.. ولكنه ضحك في النهاية وقال بلا مبالاة.
- اتفضلي روحي انت وكفاية عليكي اللي شفتيه..
واجابته باستنكار: والراجل الغلبان ده؟
- دا بيضحك.. هو حسين افندي كده.. يحب يضحك دائما.. وتركها لأقاربها.. وركب سيارته.
ولم يعرف الأستاذ منصور عوني أن حسين عبدالمعين لم يكن يضحك.. بل لم يتذكر أنه لم يعرف الضحك في حياته إلا صباح أحد الأيام القريبة.. حين رأي بمحض الصدفة - صورة غير واضحة لوكيله السابق.. السيد حسين عبدالمعين وتحتها كلمات تكاد تضيع في زحمة الصحيفة.
»حسين عبدالمعين.. في الخمسين من عمره.. خرج من منزله صباح يوم ولم يعد.. الرجاء ممن يعثر عليه الاتصال بمخبر الجريدة.. تليفون رقم ».......«
وأحس الاستاذ ببغتة عميقة.. ولكنه افاق منها بعد لحظات ليرسم تقطيبة علي وجهه.. ثم اكمل ارتشاف قهوة الصباح وتمتم في خفوت:
- شيء غريب.. إيه اللي جري للراجل؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.