شيخ الأزهر يهنِّئ البابا تواضروس والإخوة المسيحيين بعيد القيامة المجيد    جامعة المنصورة تشارك في «ملتقى الحضارات» بجامعة المنيا بحضور وزير التعليم العالي    القصة الكاملة لدرجات الحضور والتقييمات، مستند رسمي يكشف إعادة التقييم للطالب المتغيب بعذر    عميد تجارة عين شمس يطرح "روشتة" ربط الخريجين بسوق العمل    ارتفاع أسعار الذهب فى مصر مساء الخميس ..وعيار 21 يسجل 7210    محافظ القليوبية يبحث إنشاء موقف بديل بالقلج    "الزراعة" تشن حملات تفتيشية موسعة لمنع ذبح البتلو وحماية الثروة الحيوانية    اتحاد منتجي الدواجن: زيادة الأسعار "إجراء إنقاذي" لحماية القطاع وضمان الأمن الغذائي    المستشار الألماني يبدي موافقة مشروطة على مشاركة بلاده في تأمين مضيق هرمز    بعد صلاح.. ليفربول يعلن رحيل اندي روبرتسون بنهاية الموسم    الزمالك يهزم سموحة ويضرب موعدًا ناريًا مع الأهلي في نهائي كأس مصر للطائرة    هانيا الحمامي تصعد لنهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    ضبط متحرش طنطا صاحب الفيديو الفاضح.. والتحريات تكشف هويته    تعرف على عقوبة الخطأ الطبي الذي يترتب عليه وفاة المريض بقانون المسئولية الطبية    "أوفر دوز" وراء مصرع سائق داخل سيارته بالهرم    الأرصاد الجوية: نشاط للرياح غدا بسرعة تصل إلى 35 كم/س على هذه المناطق    بمناسبة شم النسيم، تسيير قطارات جديدة على خط الصعيد يوم الأحد المقبل    القومي للسينما يقيم فعاليات نادي السينما المستقلة بالهناجر    قدسية القرآن خط أحمر| تعليق ناري من محمد موسى على تمايل مقرئ أثناء التلاوة    إيقاف الشناوي ووليد صلاح.. وغرامة على الأهلي وسيراميكا    ضبط 100 كيلو أسماك مملحة فاسدة وتحرير 34 محضرا خلال حملة بالمنوفية    ضمك والقادسية يتعادلان 1-1 في الدوري السعودي (صور)    بالصور.. أقباط الأقصر يؤدون قداس خميس العهد بدير الأنبا متاؤس الفاخوري بإسنا    الشروق ترصد رحلة البحث عن «أغالب مجرى النهر» في المكتبات.. وهاشيت أنطوان: طبعة مصرية خاصة قريبا    اكتشاف بقايا معبد الإله بلوزيوس في تل الفرما بشمال سيناء    ختام مسابقة الأزهري الصغير في الإسكندرية وسط إشادة بتشجيع المواهب الناشئة    نقيب الأطباء: تأسيس الشبكة المصرية للسكتة الدماغية يمثل نقلة نوعية في مستوى الخدمات الطبية    المنظمة العربية لحقوق الانسان تطالب المجتمع الدولي بوقف جرائم الاحتلال    رئيس الوزراء: تعليق العمليات العسكرية بين إيران وأمريكا خطوة في الاتجاه الإيجابي    3 حكام من الإمارات يشاركون في كأس العالم 2026    الإعلاميين: منع علا شوشة من الظهور 15 يومًا بسبب مخالفة الميثاق المهني    عبدالعزيز عبدالفتاح رئيسًا لقطاع القنوات الإقليمية بماسبيرو    10 آلاف ميجاوات من الشمس.. مشروع وطنى بلا أعباء على الدولة    النوم عن صلاة الفجر: هل تجوز قضاؤها بعد شروق الشمس؟    عشرات الدول تدين الهجمات على قوات "اليونيفيل" في لبنان    ضبط محطات وقود لتصرفها في 84 ألف لتر مواد بترولية بالبحيرة    تكليف الشيخ أحمد جمال بتسيير أعمال مديرية أوقاف القاهرة    غداً .. السيناريست محمود حمدان يتلقى العزاء في والده بالحامدية الشاذلية    بعد 60 يوم في وزارة الرياضة.. جوهر نبيل لم يلتق رئيس اللجنة الاولمبية    رئيس الوزراء : السلام خيار الجميع في الشرق الأوسط    وكيل أوقاف أسيوط يترأس لجنة التصفيات الأولية من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    عاجل تعطيل العمل بالبنوك يومي 12 و13 أبريل بمناسبة عيد القيامة وشم النسيم    «تموين البحيرة» يضبط 38 ألف لتر وقود و293 أسطوانة غاز قبل بيعها بالسوق السوداء    طاقم حكام سعودي في مونديال 2026    وزيرة الإسكان تبحث مع «أكوا باور» السعودية توطين صناعة محطات تحلية مياه البحر    تحرك حكومي جديد لدعم التوظيف، تشكيل لجنة دائمة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل    الصحة توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الأوقاف لتعزيز التوعية الصحية عبر منابر المساجد    رئيس قطاع فلسطين بالجامعة العربية: تحقيق السلام في المنطقة يأتي عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والعربية    الصحة تستعد لإطلاق تطبيق ذكي لتعزيز الوعي المجتمعي    ما حكم استبدال الإطعام بالقيمة فى فدية الحج؟ دار الإفتاء تجيب    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    "الرفاعي" لجمال الغيطاني.. االضمير الحي للحرب    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون الطبى مع مستشفى «أدولف دى روتشيلد» بفرنسا    رئيس جامعة بنها يتابع معدلات تنفيذ المشروعات الجديدة بكفر سعد    4 صدامات نارية تشعل الجولة الثالثة في مجموعة البقاء بدوري نايل    مصر تدرب كوادر من 15 دولة أفريقية في الطاقة والاتصالات لأول مرة داخل الإنتاج الحربي    الصحة تكثف جهودها مع منظمة الصحة العالمية لصياغة الاستراتيجية الوطنية للحروق وتطوير 53 مركزا    عائلات لبنانية محاصرة في جنوب نهر الليطاني تدعو لإجلائها برعاية دولية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا تموت الكاتبات كمداً ؟ 10
الكاتبات المبعدات عن أدب المقاومة
نشر في أخبار الأدب يوم 04 - 06 - 2016

في الكتاب النثري الأول الذي صدر للشاعر محمود درويش عام 1971 عن دار العودة، كتب الناشر في تصديره للكتاب :"إننا خارج حدود الوطن المحتل نستطيع أن نقول ضد إسرائيل كل ما نشاء، ولكن قولنا هذا ليس فيه جرأة ولا بطولة، ولكن عندما تقال كلمات حادة وقاطعة بمستوي ما قاله محمود درويش، فإنها تمثّل كل الجرأة والرجولة الذهنية والعقائدية..."، وتوقفت كثيرا عند هذا المصطلح الغريب الذي يقول :"الرجولة الذهنية والعقائدية"، وإقران ذلك بالجرأة.
ولكنني عندما تأملت الاستخدامات المتعددة لمعني وسياقات مفهوم الرجولة، كما رأينا في كثير مما سقته من أمثلة في الحلقات السابقة، تلك الرجولة المقرونة بالقوة والشهامة والجدعنة، وأن المرأة كائن مسلّ وطريف ويلعب كل الأدوار المكملة والترفيهية، وكما ذكرت إحدي الكاتبات أن دورهن في تظاهرات 1968 في باريس كان يقتصر علي إعداد الأكل والقهوة وتنظيف المقرات، وتجهيزها لتكون صالحة لاجتماعات الرجال.
إذن فمفهوم الرجولة، لا ينفصل بأي شكل من الأشكال عن مفهوم الذكورة والفحولة والقوة والوحشية، تلك الصفات الوحشية، والتي تكرّست، وتم تدشينها وتجميلها في الأدب والسينما والثقافة بشكل عام.
وبالطبع عندما يصدّر الناشر كتاب محمود درويش بهذه الكلمات، فهو لا ينطلق من فراغ، ولا نستطيع أن ندينه، فهو يتحرك في إطار تصورات سائدة وقوية التأثير، للدرجة التي لا يستطيع باحث أو شاعر أو ناشر أن يري أي فكرة خارج إطار تلك التصورات التي صنعت في معامل التاريخ السلطوية السابقة، وعلي مدي قرون بعيدة، كان التمييز المتنوع فيها هو السيّد الأعلي في كل مجال.
لذلك خرجت المرأة الكاتبة والشاعرة والفنانة التشكيلية والمخرجة خارج مفهوم المقاومة، وها هو الكتاب الرائد والأهمّ عن "الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال "1948 1968" للكاتب الاستثنائي غسان كنفاني، يتجاهل الكاتبات في فلسطين المحتلة بضراوة لا تليق بكاتب مثل غسان العظيم.
فعندما يستعرض غسان كنفاني الوضع الثقافي لعرب فلسطين المحتلة لم يذكر اسم شاعرة أو كاتبة أو فنانة تشكيلية، رغم وجود كثيرات داخل وخارج الأرض المحتلة، وإن انعدمت هناك كاتبات وشاعرات، فذلك يعني أن هناك خللا في مسألة المقاومة برمتها، فماذا تعني المقاومة دون وجود نساء ؟، أم هن مشغولات بتطريز الكوفيات والأعلام وجميع الأمور المنزلية.
ويسترسل غسان في عرض قصص وحكايات تخص الفلسطينيين في الأرض المحتلة، دون أن يستدعي قصة أو حكاية واحدة من حكايات فلسطين تخص المرأة عموما، عاملة أو طالبة أومعلّمة أو كاتبة وغير ذلك من وظائف ومهمات، ودوما يبدأ غسان سرد قصصه ب:"كان الفلسطينيون..."، دون أن يخصص حكاية تقول :"كانت الفلسطينيات..."، وغسان هنا معذور، لأنه كان محاطا بمفاهيم تستبعد المرأة من شرف الانتساب إلي فكرة المقاومة، والمفهوم لا يتسع إلا للرجل، وكتب المؤرخ الفلسطيني ابراهيم فؤاد عباس مقالا في صحيفة الوطن السعودية بتاريخ 11نوفمبر 2015 عنوانه :" أدب المقاومة الفلسطينية..الجذور والسمات والتطورات"، وتذكر فيه المرأة كعنصر مشارك، وليس عنصرا أساسيا، فهو يقول بعد أن استعرض أدباء المقاومة الرجال :"شاركت المرأةالفلسطينية الرجل علي الساحة الأدبية، كما علي الساحة النضالية...."وهكذا، وذكر بالتالي بضعة أسماء نسائية، وكأنهن يقمن باستكمال عمل الرجال في المقاومة.
وعودة إلي كتاب غسان كنفاني الذي استعرض الأدب المقاوم منذ ثورة 1936، فيذكر أسماء ابراهيم طوقان وعبدالرحيم محمود وآخرين، ثم يتحدث عن شعراء وأدباء ما بعد النكبة عام 1948، دون أن يذكر اسم واحدة من شاعرات وكاتبات فلسطين، وعلي رأسهن فدوي طوقان وسميرة عزام وسميرة أبو غزالة وغيرهن، رغم أنه كان أحد الذين أعدّوا ملفا جيدا عن القاصة والمناضلة سميرة عزام بعد رحيلها، وكان ذلك الملف في مجلة "الآداب" اللبنانية، وكتب فيه عدد من الكتاب والمفكرين والساسة، علي اعتبار أن سميرة عزام كانت إحدي القيادات السياسية الفلسطينية، وقدخاضت نضالات عديدة وعتيدة ضد الاحتلال الصهيوني.
وآفة الاستبعاد كما أكدّنا أكثر من مرة، قديمة جدا، وعلي المستوي الثقافي متغلغلة بشكل سلطوي وذكوري واضح، ومن المفترض أن ذلك الاستبعاد المألوف والسائد والعميق أن ينتهي أو يضمحل تدريجيا أو علي الأقل يتراجع عندما تكون هناك كوارث تحيق بالأوطان، ولكن هذا لم يحدث، فهاهي سميرة أبوغزالة تكتب في مذكراتها البديعة "مذكرات فتاة عربية"، والتي صدرت في القاهرة في عام 1962، وقدمت لها الدكتورة سهير القلماوي:"لا أستطيع ان أقول أن المجتمع الذي وجد بعد النكبة تقلّ أوزاره عن مجتمع ماقبل النكبة، ومع أن النفوس أخذت تنظر بعين أكثر بصيرة وأوسع إدراكا، لكن نظراتها لا تزال وجلة خائفة تحدّق فترة وتغمض أخري، فلا يزال الرجل هو المشرّع والوزير وربّ الأسرة والقاضي والحاكم، ولا تزال معظم الفتيات ويقبعن وراء الحجاب وإن كان البعض قد استبدلته بغطاء يحجب الشعر دون الوجه، ومازالت الفتاة ترافق أمها في الاستقبالات الشهرية التي كانت كل أسرة تخصص لها يوما من أيام الأسبوع أو الشهر.."، وتسترسل أبو غزال استعراض أوضاع المرأة في فلسطين المنكوبة، تلك الأوضاع التي تؤبد أدوار المرأة عموما، وتستبعدها عن الأعمال ذات التأثير في مصير الوجدان والوطن عموما.
ورغم ذلك فهناك من استطعن اختراق كل أشكال تلك التربية، والقفز بدرجات متفاوتة فوق الأسوار التي تحجب المرأة عن أعمال قيادية تحت الدعاوي التقليدية التاريخية والمعهودة، وعلي رأسهن الشاعرة فدوي طوقان، التي كتبت الشعر المقاوم منذ زمن بعيد، وقبل الظاهرة المهمة التي أطلق عليها ظاهرة "أدباء المقاومة"، ولكن عين السلطة الذكورية السياسية التمييزية، أرادت أن تفرض نوعا أبديا لقراءة الشاعرات والناثرات، ورغم أن رصيد فدوي طوقان في القصيدة المقاومة كبير، إلا أن الناقد الكبير رجاء النقاش نشر رسائل الناقد الراحل أنور المعداوي العاشقة لها، ولتضاف فدوي طوقان إلي طابور الشاعرات المعشوقات، وأنا لست ضد نشر الرسائل، ولكنني لست مع تأبيد النظر إلي فدوي وغيرها من كاتبات وشاعرات في نطاق محدود، وهو نطاق العاطفة والحنان الأنثوي والرثاء الذي أجادت فيه النساء حسب جميع الزعومات الذكورية الأبدية.
وكما فعل القدماء مع الخنساء، واختصارها في قصيدتها التي رثت فيها أخاها صخر، وكما فعل العقاد مع عائشة التيمورية في رثاء ابنتها توحيدة، فعل الناقد شاكر النابلسي في كتابه :"فدوي طوقان والشعر الأردني المعاصر" الصادر في القاهرة عام 1966، ولا أعرف لماذا نسب شعرها إلي الأردني، ربما لأنها أقامت في الأردن بعض الوقت، فلم يخرجها من قوس أدب المقاومة فقط، بل إنه أخرجها من القوس الفلسطيني كله.
وفي فصل عنوانه :"الخنساء..وفلسفة الرثاء"، يعقد مقارنة بين الخنساء وفدوي طوقان، علي اعتبار أن الرثاء نوع من الندب علي الموتي، وهذه كما يزعمون دوما وظيفة نسائية بامتياز، وهم ينسون قصائد أحمد شوقي وحافظ ابراهيم والعقاد نفسه في رثاء سعد زغلول، والشعر العربي مكدس ومزدحم في جميع أنواع الشعر، خاصة شعر الرثاء، وقد برع فيه رجال علي درجات عظمي، ولكن بعض النقاد خصّوا به الشاعرات، وكأنهن يكتبن من أجل ذلك الندب.
يستعرض النابلسي بشكل سريع تاريخ شعر الرثاء في الشعر العربي، فذكر المتنبي وابن الرومي، وقرر أن النماذج التي كتبها شعراء رجال قليلة جدا، وقال عن المتنبي إنه عندما كتب الرثاء في ولديه وجدته، راح يمدح نفسه، ويتطوح بمزاياها، دون أي ندب أو سخط علي مافعله الموت به.
ويسترسل مقارنا بين الخنساء وفدوي قائلا : "والرثاء رابط يربط شاعرة بني
سليم..الخنساء..بشاعرتنا فدوي طوقان بالإضافة إلي الرابط الظرفي فالخنساء شاعرة فقدت أخويها معاوية وصخر، وفدوي شاعرة فقدت أخويها أيضا ابراهيم ونمر.."، ويستطرد الناقد في رصد معالم الحزن البالغ الذي تتسم به قصائد فدوي، عاقدا مقارنة بين الشاعرتين، ولا ننكر أن الباحث هنا ينتصر لفدوي في مواجهة الخنساء، ولكنه يضع الشاعرتين في طائفة الندابات، وعندما يتناول شعر فدوي طوقان الآخر، يسلّط عليه كل أسلحته الفتّاكة، وكأن الكتاب جاء من أجل تصفية الشاعرة كشاعرة.
فعن ديوانها الأول "وحدي مع الأيام" الصادر في القاهرة عام 1955 يقول النابلسي :"فالقصائد التي في وحدي مع الأيام لم تكن قصائد توافرت فيها الوحدة الكاملة، بدلالة أن حذف بيت أو بيتين أو ثلاثة من القصيدة لا يؤثر علي معني القصيدة مطلقا، وحتي لو بقيت القصيدة ذات بيت أوبيتين أو ثلاثة، لأوفت بالغرض الذي تبتغيه فدوي..."، وبالطبع يحاول الناقد أن يجد أدلته في القصائد، وهذه طريقة انتقائية في النقد، لا تخضع لرصد ومنهج علميين، بل إنها تعتمد علي البعد التذوقي الذي يختلف من ناقد إلي آخر.
ثم عن ديوانها الثاني "وجدتها" يقول :"أما بالنسبة للديوان الثاني، فجملته عبارة عن تحول نفسي من المحاريب الصوفية إلي عالم منطلق، وهذا التحول تم بطريقة بسيطة لا تكثيف فيها ولا تركيز...وحتي قصيدتها وجدتها التي تعتبر أكثر قصائد الديوان تركيزا وتكثيفا جاءت ضحلة فيما لو قيست بأي قصيدة من القصائد العربية المعاصرة ذات المحتوي المثقل بقضية وجودية معمقة..".
هذا تحامل واضح علي الشاعرة وشعرها، جاء دون مقارنات واقعية ببعض ماكان يكتب في تلك الفترة 1957، ولو استعرض الناقد القصيدة بشكل موضوعي ومحايد ودون تحامل، لخرج بنتائج مختلفة عن الأهداف التي كان يضعها قبل أن يكتب دراسته تلك.
وذلك الترصد الذي يتتبع الكاتبات والشاعرات، كاد يكون مرضا متفشيا في النقد العربي المعاصر، ويضاف إلي ذلك مفهوم المقاومة نفسه الذي يضيق علي أشكال مواجهة العدو الصهيوني علي وجه الخصوص، وبأشكال معينة، وينسي ذلك النقد، جميع القصائد التي كتبتها طوقان قبل ظهور محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد وغيرهم، وانتزعت إلي حد كبير من القصائد روح المقاومة عموما، فالمقاومة كمفهوم عام، بعيدا عن وجود المحتلّ الصهيوني من عدمه، ورغم ذلك فهناك قصائد لفدوي طوقان تنطبق عليها جميع الشروط التي تخيّلها النقاد لإعطائها صك المقاومة والوطنية الفلسطينية والعربية.
ففي قصيدة "نداء الأرض" المنشورة في ديوان "وجدتها" عام 1957، تقول في سياقها :
(سأرجع لابد من عودتي
سأرجع مهما بدت محنتي
وقصة عاري بغير نهاية
سأنهي بنفسي هذي الرواية
فلابدّ، لابد من عودتي
وظلّ المشرّد عن أرضه
يتمتم : لا بد من عودتي
وقد أطرق الرأس في خيمته
وأقفل روحا علي ظلمته
وأغلق صدرا علي نقمته
ومازالت الفكرة الثابتة
تدوّم محمومة صامتة
وتغلي وتضرم في رأسه
وتلفح كالنار في حسّه
سأرجع لابد من عودتي).
هذا نموذج وحيد من أشعار فدوي طوقان المبكرة، وتثبت أنها خاضت غمار الشعر المؤسس لظاهرة أدب المقاومة، والتي نسيها غسان كنفاني وآخرون، لنسبة تلك الريادة التأسيسية إلي آخرين.
ونحن إذ نتصفح جميع الصفحات التي تقرأ المرأة كشاعرة أوكاتبة أو غير ذلك، نلاحظ أن هناك بعض الترصد الواضح، وهذا الترصد يأتي أحيانا علي هيئة إشاعة في البداية، وسرعان ماتتناقله الصحف، ثم يتلقفه النقاد، ولو ضربنا مثالا بالكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، عندما كتبت روايتها "ذاكرة الجسد"، وحققت رواجا حقيقيا في ميادين التلقي العربي، وفي إحدي الجلسات المنفلتة، التقط أحد الصحفيين عبارة من الشاعر سعدي يوسف، وزعم ذلك الصحفي أن سعدي يعترف بأنه هو الكاتب الحقيقي للرواية، وتناقل الخبر في الصحف ووكالات الأنباء، واقترب الأمر من شكل الفضيحة، رغم أن سعدي نفسه نفي وأنكر ذلك الكلام، إلا أن الشائعة كانت أقوي من اعتراف سعدي ومن الحقيقة ذاتها.
وعندما خمد لهيب الإشاعة، صدر كتاب للناقد رجاء النقاش لإجراء مقارنة ظالمة بين رواية أحلام مستغانمي ورواية "وليمة لأعشاب البحر" للكاتب السوري حيدر حيدر، وعقد مقارنات مطولة بين الروايتين، لكي يثبت أن هناك تشابهات كثيرة بين الروايتين، ولا مجال هنا لقراءة ما كتبه النقاش، ورغم إيماني العميق بالأهمية الكبري للناقد الكبير رجاء النقاش، وتتلمذ كثير من المحررين الصحفيين علي مدي أجيال كثيرة، إلا أن هذا الكتيب جاء ظالما ومتعسفا إلي حد بعيد، وأود أن أنبّه إلي أن حديثي هذا لا يعني بالضرورة انتصارا للرواية أو لكاتبتها، ولكنني لاحظت أن تعسفا ما كان يترصدها بأشكال مختلفة، ومن أطراف عديدة، لمجرد أن روايتها فاقت سقف التوقع المسموح به للكاتبات، حيث إن أي كاتبة لو تجاوزت الحدّ المرسوم لها، أو لو اخترقت السقوف الواطئة المفترضة، كان الهجوم والتشويه والتشنيع والاتهامات الجزافية والملاحقات السلبية قائمة علي قدم وساق، رغم أن تلك الرواية من المفترض أن تثير حوارات من نوع آخر تتعلق بمضمون الرواية الوطني والتقدمي، والذي يصب بشكل أو بآخر بأدب المقاومة.
وهناك حكاية أخري قديمة تتعلق بالكاتبة الروائية سلوي بكر، عندما كانت مرشحة لعضوية اتحاد الكتاب المصري مع مجموعة من الكتّاب والمبدعين، وكان ضمن المرشحين القاص والناقد الراحل محمد محمود عبد الرازق، وفي اجتماع الجمعية العمومية، أثارت الكاتبة سلوي بكر أمرا كان مثيرا آنذاك، وهو يتعلق بمقال نقدي كتبه عبدالرازق، يشيد فيه بإحدي المجموعات القصصية، والتي كتبها كاتب إسرائيلي، وهو كان مديرا للإذاعة الرسمية في إسرائيل، واعتبرت الكاتبة سلوي بكر أن ذلك لا يسمي إلا بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، وبالطبع وقف الكاتب محمود عبدالرازق، مهاجما سلوي بكر بشدة، دون أن يناقشها، أو يطرح وجهة نظر تكون أساسا لأي حوار، وأنهي هجومه عليها في حشد من الجمعية العمومية بأن قال لها :"أنت لا تفهمين في النقد ولا الإبداع، ولكنك تفهمين فقط في وصف البلبل"، مشيرا بذلك إلي رواية سلوي الشهيرة "وصف البلبل"، ومن الواضح طبعا المغزي الذي يقصده محمود عبدالرازق بهذه العبارة، رغم أن سلوي بكر لها إنتاج وفير يدخل في باب "أدب المقاومة".
ولكن النقاد دوما يترصدون الكاتبات، ويتم تجاهل معظم كتاباتهن، ومن الطبيعي أن تحدث إحباطات مهولة تصيب الكاتبات بالفتور الإبداعي، إذا صح التعبير، ومما يدفعهن دوما إلي طرق غير آمنة في الحياة عموما، وليست العزلة التي أصابت البعض مثل نجوي شعبان وسهام بدوي وغيرهما، أو الهجرة التي شملت ميرال الطحاوي وإيمان مرسال وزهرة يسري وصفاء فتحي ومي التلمساني واعتدال عثمان، مهما كانت الذرائع المعلنة والواقعية التي تبدو لنا علي السطح، لأن لو كل الكاتبات كن علي المستوي الطبيعي لتحققهن، ما كانت تلك الهجرات الكثيرة، والتي تندرج تحت لافتات عمل أو منحة دراسية، وغير ذلك من ظواهر استبعادية بشكل أو بآخر، إلا نتيجة لذلك المناخ السائد والمنهار، وهذا ما سوف نعالجه بالتفصيل في الكتاب الذي نعدّه في هذا الأمر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.