لم يعد موسم دراما رمضان في مصر مجرد ماراثون سنوي للتنافس الإعلاني أو استعراض العضلات الإنتاجية فحسب، بل تحول – وتحديدا منذ الموسم الماضي 2025 – إلى مشروع وعي متكامل الأركان. المتأمل للقائمة النهائية والرسمية لمسلسلات رمضان 2026 التي أعلنتها الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، يدرك من الوهلة الأولى أننا أمام خريطة درامية لم تُرسم خطوطها عشوائيا، ولا تخضع لمنطق الصدفة أو حشو الساعات، بل خضعت لما يمكن تسميته بهندسة القضايا. إن الملامح التي بدت واضحة في موسم 2025، من حيث الانتصار لقضايا الأسرة والهوية، تترسخ هذا العام بشكل أكثر نضجا وعمقا وجرأة. فلسفة الاختيار لعام 2026 لا تعتمد فقط على ما يطلبه الجمهور من ترفيه، بل توازن بذكاء شديد بين ما يحتاجه المجتمع من نقاش، وبين المتعة البصرية. نحن أمام دراما قررت أن تشتبك مع الواقع ولا تكتفي برصده، دراما تقتحم المناطق الشائكة بمسؤولية وطنية واجتماعية. هذا التوجه يعكس بوضوح بصمة لجنة الدراما بالشركة المتحدة، والدور المحوري الذي تلعبه الكاتبة الصحفية علا الشافعي، المسؤولة عن المحتوى الدرامي، التي نجحت في ضبط البوصلة نحو نصوص تنتصر للإنسان والوطن، محققة المعادلة الصعبة: رسالة هادفة في قالب جماهيري.
المرأة.. الخروج من مظلومية البكاء إلى ساحة المواجهة بصفتي معنية بقضايا المرأة في الدراما، يمكنني القول إن موسم 2026 يمثل نقطة تحول جوهرية. لقد غادرت الدراما مربع اللطميات التقليدية وصورة المرأة المكسورة فقط، لتناقش قضايا الوصم الاجتماعي بجرأة غير مسبوقة. يبرز هنا الرهان الكبير على مسلسل "حكاية نرجس" للنجمة ريهام عبد الغفور. العمل لا يكتفي بعرض معاناة الطلاق، بل يغوص في ملف شائك هو الوصم المجتمعي للمطلقات، وكيف تتحول نظرة المجتمع إلى سيف مسلط على رقاب النساء، خاصة حين يقترن ذلك بقضايا حساسة كالعقم. إن طرح قضية الضغوط النفسية التي تدفع المرأة لمسارات مأساوية هو جرس إنذار ضروري لتفكيك الموروثات الثقافية الظالمة. وعلى خط موازٍ، نرى هند صبري في "مناعة" إنها تقدم نموذجا مغايرا للمرأة في الأحياء الشعبية. لسنا أمام بنت البلد النمطية، بل أمام أرملة محاربة تواجه طوفان المخدرات والجريمة لحماية أبنائها. هذا الطرح يعيد الاعتبار لقوة الأم المصرية التي تقف كحائط صد أخير أمام انهيار الأسرة. ولا ننسى مسلسل "عرض وطلب" لسلمى أبو ضيف، الذي يقتحم عالم الفتيات المعيلات واقتصاديات الحاجة، طارحا تساؤلات أخلاقية واقتصادية حول ما قد تضطر الفتيات لفعله من أجل لقمة العيش وعلاج الأهل، في معالجة واقعية بعيدة عن المثالية الزائفة.
الهوية.. فلسطين في القلب والأمن في العقل لعل المفاجأة الأبرز – والأكثر نضجا – في خريطة المتحدة هذا العام هي التعامل مع قضايا الهوية بمفهومها الشامل: الهوية الوطنية المصرية، والهوية العربية القومية. في سابقة درامية، يأتي مسلسل "صحاب الأرض" (منة شلبي وإياد نصار) ليتناول بشكل مباشر وآني أحداث غزة في أكتوبر 2023. هذا الاختيار هو رسالة سياسية بامتياز، تؤكد أن القوة الناعمة المصرية حاضرة في قلب الوجع العربي. المسلسل يرسخ فكرة وحدة المصير والتلاحم المصري الفلسطيني الإنساني بعيدا عن الشعارات الجوفاء، وهو استكمال لدور مصر التاريخي. وعلى الجانب الداخلي، يواصل مسلسل "رأس الأفعى" لأمير كرارة مسيرة توثيق التاريخ القريب، ولكن هذه المرة بتركيز استراتيجي على صراع العقول. العمل يوثق مطاردة الأجهزة الأمنية لقيادات الجماعة الإرهابية (محمود عزت)، ليكشف الوجه الدموي لهم بالأدلة. هذه الأعمال ليست مجرد أكشن، بل هي وثائق بصرية للأجيال القادمة تحمي الذاكرة الوطنية من التزييف، وتؤكد أن معركة الوعي مستمرة.
تشريح "الأسرة".. ما بعد الانفصال لم تغفل الخريطة الدرامية تفكيك الألغام المزروعة داخل البيوت المصرية، ولكن بمنظور جديد. فقضية "الطلاق" لم تعد تُناقش لحظة الانفصال فقط، بل نرى في مسلسل "كان يا مكان" للعبقري ماجد الكدواني تشريحا دقيقاً لمرحلة الحرب الباردة بين الأزواج. المسلسل يدق ناقوس الخطر حول كيفية تحول الأبناء إلى أدوات ضغط وضحايا في ساحات المحاكم. إن الانتقال من دراما المشاكل الزوجية إلى دراما الآثار المترتبة على التفكك هو تطور نوعي في المعالجة، يهدف إلى توعية المجتمع بخطورة العناد الزوجي على الصحة النفسية للأجيال القادمة. كما يعالج مسلسل "أولاد الراعي" (ماجد المصري وخالد الصاوي) قضية صراع الأجيال والميراث، وكيف يمكن للمادة أن تفتت أعتى الإمبراطوريات العائلية، وهي تيمة كلاسيكية لكنها تُقدم برؤية عصرية تواكب تعقيدات العصر الحالي.
الشباب.. البحث عن الذات في عالم متغير يُحسب للمتحدة هذا العام المساحة الواسعة الممنوحة للجيل الجديد (Gen Z)، ليس كسنيدة للنجوم الكبار، بل كأبطال ومحركين للأحداث. نرى ذلك بوضوح في تجارب مثل "بيبو" (كزبرة) "وفخر الدلتا" (أحمد رمزي). الدراما هنا تتحدث لغة الشباب، تناقش اغترابهم، أحلامهم بالسفر، صراعهم لإثبات الذات بعيدا عن عباءة الآباء، وتحديات الهوية في ظل عالم مفتوح. كما أنتظر بشكل خاص مسلسل "فن الحرب" للنجم يوسف الشريف والمؤلف عمرو سمير عاطف حيث يشكلا ثنائي متميز في الدراما يمكن القول إن موسم دراما رمضان 2026 على شاشات المتحدة سيكون موسم الاستحقاق والوعي. التنوع في القوالب بين ال 15 وال 30 حلقة، والتوازن الدقيق بين التراجيديا والكوميديا (مثل "النص التاني" لأحمد أمين)، والجرأة في طرح الملفات السياسية والاجتماعية، كل ذلك يؤكد أننا أمام صناعة درامية استعادت عافيتها، وتدرك جيدا أن دورها يتجاوز التسلية العابرة، ليكون مرآة عاكسة وموجهة للمجتمع، تضع يدها على الجرح لتعالجه، لا لتتاجر به.