«سر على بركة الله بهذا الروح الوديع الهادئ، وسيقيمك الله أمينًا على أسراره المقدسة، وروحه القدوس مرشدك ومعلمك».. رغم أن القمص يعقوب البراموسي، وهو أحد الآباء بدير البراموس، معروف عنه بأنه لا يتكلم أسابيع بل شهور، فإنه لم يستطع أن يخفي نبوءته تلك على عازر يوسف عطا في عام 1928، التي تحققت في 10 مايو 1959 حين صار عازر أو الراهب مينا (الاسم الذي اكتسبه بعد الرهبنة) هو «البابا كيرلس السادس». البداية يؤمن المسيحيون أن الآباء الكهنة، والرهبان، والأساقفة، وبالتأكيد البطاركة، ما هم إلا «اختيار من الله»، الذي يحدد مهمة كل شخص ودوره في الحياة التي منحها له، وبعد أن تنيح الأنبا يوساب الثاني، وهو البابا ال115 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، رفعوا صلواتهم طالبين من الله أن يختار لهم «الراعي الصالح»، ووصفت مجلة المصور الوضع حينها في عددها 1802 لسنة 1959، قائلة: «منذ أن تنيح البابا يوساب في نوفمبر 1956، والطائفة الأرثوذوكسية تعيش في دوامة من وجهات النظر المتضاربة في كل شؤونها». طبقًا للائحة التي صدرت بقرار جمهوري في 3 نوفمبر 1957 لترشيح وانتخاب البابا الجديد، تكونت لجنة تتولى هذه المسؤولية، برئاسة، الأنبا أثناسيوس، مطران بني سويف، وقائم مقام البطريرك في هذا الوقت، وعضوية كل من الأنبا تيموثاوس، مطران الدقهلية، والأنبا لوكاس، مطران منفلوط وأبنوب، والأنبا كيرلس، مطران البلينا، والأنبا أنطونيوس، أسقف سوهاج، والأنبا مرقس، مطران أبوتيج، إلى جانب عدد من الباحثين الأقباط. بعد عدة اجتماعات انتهت اللجنة إلى قبول تزكية 5 مرشحين لمنصب البابا، وهم: القمص دميان المحرقي، القمص تيموثاوس المحرقي، القمص أنجيلوس المحرقي، القمص مينا الأنطوني، والقمص مينا البراموسي. وقبل تحديد موعد الانتخاب، كان لا بد للكنيسة الإثيوبية أن تشترك في هذا الأمر، لأنه الرئيس الأعلى للكنيستين المصرية والإثيوبية، لذلك سافر الأنبا يؤانس، مطران الجيزة، ومريت غالي، منسق العلاقات بين الكنيستين، إلى إثيوبيا لدعوة مطرانها والأساقفة ومندوبي الإمبراطور للاشتراك في انتخاب البابا، وبالفعل حضر وفد منهم، وتم تحديد يوم 17 إبريل 1959 موعدًا لإجراء الانتخابات بالكنيسة، تحت إشراف لجنة من أعضاء لجنة الترشيح وعدد من أساقفة المجمع المقدس. أسفرت الانتخابات عن فوز دميان المحرقي (323 صوتًا)، أنجيلوس المحرقي (316 صوتًا)، مينا البراموسي (280 صوتًا). لماذا مينا البراموسي (البابا كيرلس في ما بعد) صاحب أقل الأصوات؟ حسب كامل يوسف، وهو وكيل سابق للمجلس الملي آنذاك، فإن الأسباب التي جعلت مينا البراموسي يحصل على أصوات أقل من المتوقع، لأنه كان معروفًا باسم «القمص مينا المتوحد» وقدمت أوراقه بهذا الاسم، لكن لجنة الترشيح غيرته ل«مينا البراموسي» لسبب غير معلوم، ما أفقده أصوات الذين يعرفونه باسم المتوحد، وهو واحد منهم، كما أن هناك مرشحًا آخر يحمل اسم مينا أيضًا، وهو القمص مينا الأنطوني. المنشور الانتخابي الخاص بالقمص مينا البراموسي المتوحد «القرعة الهيكلية».. الاختيار الإلهي استكمالًا للقواعد المعمول بها داخل الكنيسة، فبعد انتخاب ثلاثة رهبان، كان الدور على إجراء «القرعة الهيكلية» يوم 19 إبريل 1959، وهى قداس يقام بواسطة أساقفة الكنيسة والقائم مقام البطريرك، ويتم وضع ثلاثة أوراق بها أسماء الرهبان الثلاثة المنتخبين في ظرف واحد، ويأتي أحد الأطفال، وهو معصوب العينين، ويختار ورقة واحدة، على أن يكون من اختاره هو البابا الجديد الذي حسب الإيمان المسيحي جاء ب«اختيار الرب». ذكرت مجلة "المصور" في عددها الصادر بعد إجراء القرعة الهيكلية أن «القائم مقام البطريرك راح ينفض المظروف أمام الناس ليؤكد أنه ليس به أوراق، ثم طوى أحد الأشخاص يدعى كمال رمزي الأسماء ورقة ورقة، طواها 4 مرات، وعندما بدأ يضع الورقة الأولى داخل المظروف، هتف المصلون قائلين "الأسماء مكتوبة بخط كبير وظاهرة من ظهر الورقة"، فأخذ كمال رمزي يطويها من جديد حتى بلغت 8 طيات، ثم سكتوا، وختم القائم بمقام البطريرك المظروف بالشمع الأحمر، ووقع وزير التموين آنذاك، رمزي استينو على أركان المظروف الأربعة، ثم وُضع على الهيكل وأقيمت الصلاة، إلى أن جاء أحد الشمامسة ويدعى رفيق باسيلي، وعمره 5 سنوات، في حضور مندوب عن وزارة الداخلية، واختار ورقة حملت اسم مينا البراموسي». محضر القرعة الهيكلية أول تصريح صحفي بعد إجراء القرعة الهيكلية سأله مندوب "الأهرام" عن المشروعات التي ينوي تنفيذها، فقال: «لا يقدر إنسان أن يأخذ شيئًا إن لم يكن قد أعطي من الله، وأنا واثق من أن الله الذي اختار ضعفي هو الذي سيعطيني القوة والحكمة لإشباع الشعب من غنى نعمته، وتوجيه سياسة الكنيسة، وما تحتاج إليه من مشروعات لخير الإكليروس والشعب في جميع أنحاء الكرازة المرقسية، وخصوصًا شعب إثيوبيا العزيز». الرسامة في فجر يوم 9 مايو 1959 ذهب البابا كيرلس بصحبة الأنبا بنيامين، مطران المنوفية، والأنبا مكاريوس، أسقف دير البراموس، والأنبا ثاوفيلس، أسقف دير السريان، إلى دير البراموس، حيث بدأ البابا طريق رهبنته، وأقام القداس الإلهي، ثم اتجه إلى أديرة الأنبا بيشوى والسريان بوادي النطرون وصلى هناك، وفقًا لكتاب «البابا كيرلس السادس.. تاريخ وأمجاد». أشار حينها معظم الصحف المحلية والمجلات القبطية إلى أن طقس رسامة البابا كيرلس لم يعرفه الجيل الحاضر لأن الذين سبقوه كانوا مطارنة وليسوا رهبانًا، فأقيمت لهم حفلات تنصيب، لكن الرهبان لهم صلوات رسامة خاصة في الأديرة التي ترهبنوا بها. وفي حفل الرسامة بالكاتدرائية، أفادت جريدة الشعب في عددها الصادر صباح اليوم التالي 11 مايو، أن الحفل شهد حضور آلاف غصت بهم الكاتدرائية، وتقدم الحفل الذي تم بثه إذاعيًّا، جميع الأساقفة، وشهده أنور السادات، مندوبًا عن رئيس الجمهورية، وممثلو الكنائس وأعضاء السلك الدبلوماسي، والسفراء، وكان البابا الذي تغير اسمه إلى كيرلس صبورًا ووديعًا، لم يكل وظل واقفًا ساعات طويلة حتى أشفق عليه الآباء وطلبوا منه أن يستريح، لكنه رفض، ولاحظ عليه الحضور البكاء في أثناء قراءة الإنجيل. البابا كيرلس يبكي في أثناء رسامته حسب وصف الصحفي طلعت يونان بجريدة "مصر" عن الاحتفال برسامة البابا، التي نشرت مثله مجلة "المحبة" في عدد يونيو 1959، «كان شيئًا أكبر من فكرة الفضول يحشد آلاف البشر داخل البطريركية وخارجها، في الشوارع وعلى أسطح المنازل، كأن كل قبطي قد وجد البابا المنتظر، والراعي الصالح الذي يطرد الذئاب، والقائد الذي يحقق الإصلاح.. وهذه الصفات جعلتنا نحبه أكثر من أب، ونجعله أكثر من بطريرك».