لم يكن المقال الذى نشره الناقد الكبير الدكتور محمد مندور تحت عنوان «كلمة أخيرة» فى جريدة «الجمهورية» بتاريخ 10 يناير عام 1961، بالمقال الأول أو الأخير فى معركة دامت عدة أسابيع، وتدخل فيها كتّاب ومبدعون ونقاد كثيرون. إذ كتب الدكتور مندور معترضا على احتجاجات موسى صبرى على لغة النقاد، والتى رآها متقعرة، وبعيدة عن الواقع والقرّاء، وراح موسى صبرى فى مقاله المشار إليه يعمل على تسخيف لغة النقاد وتوجهاتهم، ومعلقا على الندوة التى عقدها محمد مندور، وكان موضوعها الشكل الأدبى ، وجاء فى تعليق مندور: وأخيرا فالأستاذ موسى صبرى فى تعليقه الأول على الندوة لم يكن يعترض على تلك الفقرات القليلة التى لم تنشر، بل كان يعترض على موضوع الندوة كلها حين وصفها بأنها كاللطم على الخدود، وبأنها قتلة كفأر أعوج، ووصف انشغال أساتذة الأدب فى بلادنا بالتأثرية والمادية بأنه مرض، وقال عن إليوت: إن القراء لا يعرفونه، ولا يجديهم شيئا أن يعرفوه ، كما أن ما لم يذكره الدكتور مندور أن موسى صبرى تجاوز نقده للندوة، إلى التلطيش فى النقاد الذين يكتبون موضوعات للصحف بلغة تبدو عليها علامات العلم والمنهج والأكاديمية، وتمنّى عليهم أن ينزلوا إلى الناس حتى لا يبتعد عنهم القارئ، وضمن من هاجمهم صبرى، كان الدكتور عبد القادر القط، ولم ينس صبرى أن يسخر من لقب عبد القادر بالقط، وهذا ما لم يكن له أدنى علاقة بالأمر إطلاقا. وانهالت الردود على موسى صبرى، وكان بينهم يوسف إدريس الذى قرّعه وهاجمه بلطف، ساخرًا منه فى سخريته من لقب القط الذى ليس له أدنى ذنب منه، واضطر يوسف إدريس إلى أن يقول: إن الكلمة التى كتبها موسى صبرى منفعلا، تجعلنى أعتقد أن الدكتور رشاد رشدى على حق حين يصرّ على ضرورة الشكل الجيد لحماية المضمون الجيد، فقد حال شكل المقالة بين مضمونها الصحيح ، وراح مندور يكتب سلسلة مقالات عن الشكل والمضمون والمجتمع، ونشر مقالًا يتضمن رسائل القرّاء على موسى صبرى، وكان هذا شكلا جديدا فى الردود والتعقيبات على موسى صبرى، الذى كان الرئيس الأول للتحرير، حيث كان يزامله فى رئاسة التحرير كل من طه حسين، وهو الاسم الأول الذى يرد على قائمة رؤساء التحرير، وبعده تأتى أسماء صلاح سالم وكامل الشناوى وإبراهيم نوار وإسماعيل الحبروك ثم موسى صبرى وبعدهم ناصر النشاشيبى. وفى سياق الردود والتعقيبات كتب عبد القادر القط تعقيبا تحت عنوان الثقافة والفأر الأعوج ، ساخطا على لغة النقاد التى يستخدمونها، بينما هو يستخدم لغة -رآها القط- مسفةّ وقليلة الأدب، وكتب أحمد رشدى صالح مقالا عنوانه التشنيع على النقاد بدأه ب: فى أسبوع واحد قرأت وسمعت من التشنيع على النقاد ما يكفى لتدمير هيبة مئة رجل محترم.. قرأت -مثلًا- أنه ليس لدينا نقاد، بل لدينا طفيليون، يأكلون من خبز الأدب والفن ثم يعضّون الأيدى التى تقدم لهم هذا الزاد.. وقرأت حكما أصدره كاتب قصة، فى مجلة أسبوعية -دون أن ينزعج ضميره- النقد كلام فارغ! . ورغم أن كلام موسى صبرى خضع لنقد شديد اللهجة، فإن عربة طه حسين الثقيلة دهست كل كلام موسى صبرى، وأوضحت أنه ليس إلا سخفا يتلوه سخف، وكان عنوان مقال العميد: بين السخف والنقد ، ولم يشن الدكتور طه حملة على ما قاله موسى صبرى فى تعليقه على ندوة مندور، أو على مقال عبد القادر القط، ولكنه كان كشف حساب كاملًا للصحافة الثقافية التى يتبعها موسى صبرى فى جريدة الجمهورية ، وكذلك تعرض لبعض آخر راح ينشر كلاما رآه الدكتور سخيفا وجاهلا ومسفّا، وكل ذلك يأتى تحت شعااااااار كبير اسمه حرية التعبير ، بدأ الدكتور مقاله قائلا: حرية الرأى مكفولة، هذا شىء لا مراء فيه شك ولا معنى للمهارات فيه، ولكنها مكفولة للمواطنين جميعا لا يحرمها إلا الذين يخالفون ظن أنه كاتب يستطيع أن يكتب ما يشاء، وكل صحيفة حرة فى أن تنشر ما يرسل إليها من الفصول والأحاديث أو تعرض عن نشره، لا ينظّم حريتها فى ذلك إلا القانون من جهة، وخطتها ونظامها ومكانتها فى البيئة الاجتماعية من جهة أخرى.. وأنا آسف أشدّ الأسف وأعمقه لأنى مع مشاركتى فى احتمال تبعات (الجمهورية) لا أعرف إلى الآن مذهب غيرى من رؤساء التحرير فى خطة هذه الصحيفة بالقياس إلى الأدب والنقد وبالقياس إلى المعرفة والجهل وبالقياس إلى ما يجب أو ما لا يجب أن تقدمه إلى قرائها مما يتصل بهذه الأشياء ، وبعد هذه المقدمة التى يتبرأ فيها طه حسين -كأحد رؤساء تحرير الصحيفة- مما تنشره، أورد أدلة على أن الصحيفة تنشر كثيرا من السخف، فى مقابل قليل من الجدّية، وأحيانا تنشر جهلًا ليس مثله جهل، وأحيانا لا تكتفى بنشر الجهل، بل تنشر دعاء صريحا إليه وإلحاحا فى هذا الدعاء، فتسىء ظن القراء بها وتسىء رأيهم فى ما تقدم إليهم مما يضرّهم ولا ينفعهم .. أقول هذا بعد أن قرأت فى هذين الأسبوعين الأخيرين سخفا كثيرا نشر فى الجمهورية عن الأدب والنقد وعن المعرفة والجهل، ما هذه الدعوة الصريحة إلى الجهل الذى نشره كاتب -يقصد إبراهيم الوردانى- من كتّاب الجمهورية ووصف فيها الأدب اليونانى بأنه أدب عفاريت، لأنه بالطبع لم يعرف عنه قليلا أو كثيرا، وإنما سمع فى بعض مجالسه عن بعض الأساطير اليونانية ، ووجه طه حسين نقدا عنيفا إلى الوردانى الذى زعم بأن الأدب الغربى ما هو إلا أدب استعمارى، وأن الأدب العربى القديم، أدب مقعّر ولا يصلح للقارئ العصرى، وبعد استعراض طه حسين لسخف ما قرأ، أطلق مقولته التى اشتهرت فى ما بعد والتصقت بالوردانى: هذا رجل رضى بجهله، ورضى عنه جهله ، وعرّج طه حسين على نعمان عاشور منتقدا دعوته بأنه ترجم مسرحية عطيل إلى العامية المصرية، واستسخف طه حسين دعوة نعمان عاشور، وزعمه بأن شكسبير لم يكتب عطيل بالفصحى، ولكنه كتبها بالعامية. ومقال طه حسين يعتبر الدرس الأكثر تأثيرا عن الصحافة الأدبية الراقية، وهو موجه بالأساس إلى موسى صبرى الذى أطلق الرصاصة الأولى فى المعركة، وفى اليوم التالى كتب موسى صبرى ردًّا وتعقيبًا طويلًا، ولكنه كان ضعيفًا وهزليًّا تحت عنوان عرف الحبيب مكانه فتدلل ، وبالمناسبة تعرض موسى صبرى لهذه المعركة بينه وبين طه حسين فى كتابه الضخم: خمسون عاما فى قطار الصحافة ، ولم يكتف الأمر بتعليق صبرى فقط، بل كتب الوردانى تعقيبًا وردًّا على طه حسين وآخرين تحت عنوان علقوا لى المشنقة ، كما أن نعمان عاشور كتب تعليقا مهذبا، وتوضيحا لما قصده من كلامه، ورغم أن المعركة أغلقت آنذاك، فإن موضوعاتها ما زالت تعانى منها الصحافة الأدبية إلى يومنا هذا.