«الملك هو الملك»، عنوان واحدة من أشهر مسرحيات السورى سعد الله ونوس (1941-1997)، وقد نُشرت هذه المسرحية عام 1977 بكل ما يحمله هذا التاريخ من ملابسات وإشكاليات سياسية. استمد ونوس حبكة المسرحية من إحدى قصص ألف ليلة وليلة، وهى قصة تم تقديمها على شاشة السينما فى إطار كوميدى. تعتمد القصة على فكرة الملك الذى يشعر بالسأم والملل، فيقرر أن يتسلى برعيته السذج قليلا، يخرج من القصر متنكرا ويستمع إلى «أبو عزة» التاجر الذى أفلس ويحلم بالانتقام من شهبندر التجار ورفيقه، فيقوم الملك باللعبة الشهيرة التى تعتمد على تبادل الأدوار، ويعود «أبو عزة» إلى القصر متنكرا بوصفه الملك، المذهل فى القصة أن الملك المتنكر -«أبو عزة»- لا يجد أى صعوبة فى ممارسة السلطة، بل يدخل مباشرة فى «النظام» ويمارس مهامه وكأنه وُلد مَلِكا، بل إنه يصبح ملكيا أكثر من الملك الأصلى. وما يثير الدهشة أكثر هو عدم تعرف أى أحد فى القصر، بما فى ذلك زوجة الملك، على «أبو عزة» المتنكر، وكأن الأمر كله يتلخّص فى العباءة الملكية والتاج والصولجان، وهى الفكرة التى أراد سعد الله ونوس أن يُسلّط الضوء عليها. السلطة هى السلطة، وهى التى تتحكّم فى الشخص وليس العكس، السلطة التى تتلخص هنا فى الملابس -التنكّر- هى التى تفرض نفسها بغض النظر عن الشخص، بمعنى آخر، لا يؤدى تغيير الأشخاص إلى تغيير الأنظمة، الملك هو الملك. لم يتطلّب الأمر سوى ارتداء الملابس الملكية حتى يتحول «أبو عزة» إلى ملك يبطش بالأصدقاء قبل الأعداء، بل إنه يعدل عن فكرة الانتقام من شهبندر التجار الذى تسبّب فى إفلاسه، وكأن «أبو عزة» انتقل فجأة من كونه تاجرا عاديا إلى ملك بكل ما تحمله منظومة السلطة، فكان أن تنكّر لنفسه ثم تنكر لمن حوله، والمسألة بالنسبة إلى سعد الله ونوس أبعد من كون «أبو عزة» صدّق أنه ملك، فقد أصبح فعليا الملك حتى نهاية المسرحية، ولم يعد الملك الأصلى إلى مكانه. ما السحر الذى تحمله العباءة الملكية والذى يمكنه أن يُغيّر الشخص فى لحظة، أو بالأحرى يسيطر عليه مباشرة؟ لكن الأمر لا يتوقّف عند تنكر «أبو عزة» فى شكل ملك، بل إن الثوار أيضا -زاهد وعبيد- يمارسان لعبة التنكر انتظارا للثورة، فلا يُعلنان عن حلمهما، لأن الملك كان يسمح بالأحلام الفردية فقط لا الأحلام الجماعية، لأن تلك الأخيرة لديها فرصة التحقق والتحول إلى حقيقة، كان مأمن الملك أن يجعل كل فرد منغلقا على نفسه دون أى فرصة للتواصل مع الآخر، فالتوحّد يشكّل تهديدا للسلطة. لكن ما بدأ بوصفه لعبة -تبادل الأدوار- من أجل التسلية بالشعب والحصول على بعض الترفيه للملك الملول، انتهى كحقيقة، حتى شارك المجتمع بأكمله فى هذه اللعبة، فلم يعد الملك هو الوحيد الذى يرتدى ملابس التنكر، بل بادر كل الشعب بارتداء ملابس الخضوع والانسحاق أمام رمز السلطة رغم كونه مزيّفا، حتى إن ميمون، حاجب الملك الأصلى، يدخل فى اللعبة سريعا، ويقول للملك الأصلى «لا أظن أننى رأيتك قبل الآن، ويدهشنى أنك تعرف اسمى، كما يدهشنى دخولك إلى هذا المكان». تفرض السلطة نفسها على الجميع، حتى لو تغيّر الشخص، لكن السلطة لم تكن سوى النظام الذى قام سعد الله ونوس بالإشارة إليه رمزيا بالملابس، حتى إن نهاية المسرحية تبدو كأنها مهزلة، فقد بقى الملك المتنكر فى منصبه وكان أشدّ بطشا من سابقه، وبدأ فى إصدار الفرمانات الملكية، فكان القرار الأول هو منع اللعب، من أجل عدم تكرار تبادل الأدوار، ثم جاء قرار منع الكلام، وتلاه قرار منع الخيال (والخيال هو الذى يصنع الثورات)، وأخيرا صدر قرار منع الأحلام التى تفضى إلى طريق المدينة الفاضلة، وهى المدينة التى لا تُصنع إلا بالثورة. لم تجد هذه الفرمانات أى معارضة من الشعب، فقد كان الجميع يردّد القرار -فى شكل كورس- وراء الملك من أجل تأكيد الموافقة. فى بداية المسرحية يتم عرض لافتة تقول: «الملك هو الملك لعبة تشخيصية لتحليل بنية السلطة فى أنظمة التنكر والملكية»، إلا أن الأمر لا يقتصر على الملكية، بل يشمل كل أنظمة السلطة التى تتخفّى خلف عباءة وتاج وصولجان، الملك هو الملك.