اليوم، انتظام صرف السلع التموينية بالتزامن مع إجازة عيد الميلاد المجيد    «ترامب» يتعهد بخطة جديدة لإدارة عائدات بيع النفط    بعد إعلان ترامب.. فنزويلا توافق على تصدير كميات كبيرة من النفط إلى أمريكا    لمدة 7 أيام، فنزويلا تعلن الحداد على ضحايا الهجوم الأمريكي    نابلس: الاحتلال يواصل اقتحام اللبن الشرقية ويحول منزلا إلى ثكنة عسكرية    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    مصطفى محمد لا بد منه، ضياء السيد يقدم روشتة الفوز على كوت ديفور ويوجه نصيحة لحسام حسن    فرحة تحولت لأحزان.. 4 وفيات و15 مصابًا حصيلة حادث حفل زفاف المنيا (أسماء)    ارتفاع الحصيلة ل 4 وفيات و15 مصابًا.. نائب محافظ المنيا يزور مصابي حادث حفل الزفاف    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    تأجيل محاكمة عصام صاصا بتهمة الاستيلاء على لحن أغنية    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    مقتل شخص خلال احتجاجات لليهود المتشددين ضد التجنيد    تير شتيجن يغادر معسكر برشلونة فى السعودية للإصابة    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مرارة عسل «أحمد حلمي»
طارق الشناوي يكتب:
نشر في صوت الأمة يوم 19 - 06 - 2010

وأنت تشاهد هذا الفيلم يجب أن تلاحظ المساحة الزمنية التي تتحرك فيها الأحداث وهي 30 يوماً في شهر رمضان بالإضافة إلي أيام العيد.. اختار الكاتب "خالد دياب" توقيت رمضان لنري من خلاله مصر.. رمضان ليس فقط طقساً دينياً.. إنه طقس مصري بالدرجة الأولي تري فيه مصر مختلفة.. نشاهد الناس وهم يتعاطون مع الحياة بأسلوب آخر.. هكذا جاء "عسل أسود".. مصر طعمها جميل برغم ما بها من قبح في سلوك البعض وما يحمله الهواء والماء من تلوث.. كثيراً ما كنت أشعر بخجل وأنا أر عدد اللقطات تقدم المصريين بكل عيوبنا برغم أن كثيراً مما أراه يشير إلي الحقيقة ولكننا تعودنا أن نرتكن إلي التنميط نحتفظ بصورة ذهنية لابن البلد الشهم الشجاع كما كان في الأربعينيات وظلت السينما والدراما التليفزيونية تحتفظ بتلك الصورة الذهنية وننسي أن الزمن غير الكثير
تغيرنا أو تغيرت الأغلبية.. أيضاً اختار الكاتب جواز السفر الأمريكي لدولة صارت تحكم العالم.. ومن المعروف أن عدداً من المصريين الأثرياء صاروا يرسلون زوجاتهم للولادة في أمريكا للحصول علي جواز سفر أمريكي طبقاً للقانون الذي يمنح الجنسية للمولود هناك وبعد ذلك من الممكن أن يمنح الطفل الجنسية الأمريكية لوالديه وهكذا تشكل الحماية الأمريكية الرسمية نوعاً من القوة للإنسان المصري داخل مصر.. ولن أذكر عدد الفنانين ورجال الأعمال والسياسيين الذين أقدموا علي ذلك في السنوات الأخيرة ولكن علينا أن نضع في الاعتبار بأن الفيلم يرصد واقع نلمسه ونعايشه.. بدأ الشريط السينمائي والطائرة في الجو وانتهي أيضاً في الجو.. البداية كما يقدمها لنا المخرج "خالد مرعي" تبدأ عندما يعود "مصري سيد العربي" إلي أرض مصر وبالطبع اختيار الاسم يحمل دلالة المصري والعربي معاً.. يلتقي في نفس الطائرة علي المقعد بجواره مصري آخر معه جواز السفر الأمريكي ولديه دراية أكثر بما يجري في البلد.. "حلمي" غائب عن مصر 20 عاماً الآن وصل عمره إلي 31 عاماً.. الفيلم يتابع قوة جواز السفر الأمريكي في مقارنة بجواز السفر المصري الذي يحمله "حلمي" بمجرد أن يهبط "حلمي" إلي صالة الاستقبال في المطار رافعاً جواز سفره المصري تبدأ المعوقات.. شاهدت علي النت مشهداً محذوفاً في بداية أحداث الفيلم يقدم هذا التناقض بين من يحمل الجوازين ولكن لظروف أتصور أنها رقابية نري علي الفور أمام صالة العودة السائق "لطفي لبيب" الذي يبحث هو أيضاً عن الزبون الأجنبي أوروبي أو عربي من أجل البقشيش بالطبع ولكن عندما يجد "المصري" الغائب عن مصر كل هذه السنوات زبون سُقع يبدأ في مساومته والنصب عليه.. الدولار الذي تجاوز خمسة جنيهات صار فقط بجنيهين.. وساندويتش الفول الذي لم يصل سعره إلي جنيه صار ب 3.. كل شيء فعله "لطفي لبيب" مع الزبون من أجل استغلاله.. تستمر إهانة جواز السفر المصري في مصر وكأنه يقول إذا كنا نشعر أن الجنسية المصرية في السفارات الأوروبية مهانة وحتي تحصل علي تأشيرة دخول تدفع الثمن من كرامتك قبل وقتك وأعصابك.. فإننا في مصر نفعل ما هو أكثر في تعاملنا مع أصحاب الجنسية المصرية مثلاً الإقامة بالفنادق المعاملة الشخصية تتغير بمجرد أن تشهر جواز السفر المصري تكتشف الإهانة التي يتلقاها من كل من يقابله ولهذا يرسل "أحمد حلمي" إلي أحد أصدقائه خطاباً عاجل ليأتي إليه بجواز السفر الأمريكي لإنقاذه ونري مشهداً مؤثراً عندما يلقي من حجرته بالفندق جواز سفره المصري.. يختار السيناريو نقطة ساخنة وهي مظاهرة ضد أمريكا.. بينما اللواء الذي أدي دوره "أحمد راتب" عندما يهدده "حلمي" بجنسيته الأمريكية يتركه نهباً للمتظاهرين يفتكون به ويضيع جواز السفر الأمريكي.. في كل موقف يضعنا الفيلم أمام الحقيقة التي مع الأسف نعايشها وتؤلمنا ولكننا نادراً ما نواجه بها أنفسنا مثلاً في الجامع يسرق الحذاء وفي قسم الشرطة يتم تعذيبه بلا ذنب في الشارع ممنوع التصوير حتي عندما يذهب في رحلة إلي الهرم ويعلم صاحب اسطبل الخيل أنه ليس أجنبياً ولا عربياً يمنحه حصاناً هزيلاً.. كلما أوغل البطل في الاحتكاك بالحياة وجد من يصفعه ويهينه وينال من كرامته أكثر وأكثر كل شيء صار له ثمن حتي حقوق المواطنة خذ عندك مثلاً هذا المشهد الساخر أمام باب الفندق عندما يشهر جواز السفر الأمريكي يكف كلب الشرطة عن النباح في وجهه.. السيناريو في النصف الأول هو اقرب إلي استعراض الفنان الواحد One man show صحيح أن المساحات التي تواجد فيها "لطفي لبيب" تشع حضوراً ولكنه في أغلب المشاهد يبدو مثل صانع الألعاب يمنح المهاجم الكرة ليودعها المرمي "مقشرة".. العائلة المصرية بمشاكلها تلتحم بالسيناريو في النصف الثاني عندما يبدأ "حلمي" في البحث في دفاتره القديمة وليس معه سوي مفتاح منزله القديم لنتابع رحلته لنكتشف ما يجري في الطبقة المتوسطة البطالة والتكدس داخل شقة حجرة وصالة والتزمت الديني.. أول لمحة توحي بتمسك الطبقة المتوسطة بقيمها هي أنهم يحرسون شقة الغائب يشعرون بالمسئولية وهكذا يرفع ابن الجيران "إداورد" بالعصا ينهال بها علي "أحمد حلمي" معتقداً أنه حرامي يحاول اقتحام شقة الغائب ويبدأ الفيلم في تفجير أكثر من محور، الرشاوي لاستخراج أي ورقة والتي صار اسمها الحركي "رشا" والزوج والزوجة مع إيقاف التنفيذ من خلال العلاقة بين شقيقة "إدوارد" وزوجها وكيف تحولا من زوجين إلي مجرد خطيبين لا يتمكنان من الانفراد لأخذ حقوقهما الطبيعية.. البطالة التي يعاني منها "إدوارد".. ونكتشف أنه لا يزال يحصل علي مصروفه من أمه حتي الآن.. لم نعرف الكثير عن "حلمي" كان ينبغي أن يقدم لنا السيناريو معلومات عن دراسته وعمله في أمريكا.. نعم هو يستقل الدرجة الأولي في الطائرة وينفق بسخاء مما يؤكد علي أنه حقق ثروة طائلة هناك ولكن 20 عاماً كان ينبغي أن يكتنفها بعض مشاهد تقدم لنا ما حدث طوال تلك السنوات فما نعرفه فقط أنه يمارس هواية التصوير.. التليفزيون يشكل في البيت المصري طوال شهر رمضان قوة لا يستهان بها لم نشاهد هذه الحالة من التجمع الأسري في رمضان رغم أنه مهد لها في المشاهد الأولي قبل هبوط الطائرة عندما سأل "حلمي" جاره عن فوازير "نيللي" بينما علي المقابل منح السيناريو مساحات لمائدة الرحمن وهي ظاهرة مصرية رمضانية ولكن التليفزيون ملمح اجتماعي هام غفله تماماً.. صواني الكحك في العيد ظاهرة اختفت اجتماعياً ولكن لا بأس من تقديمها كطقس لا يزال البعض يحرص علي ممارسته.. نقش العروسة علي صينية الفرن، العيدية، تناول الفسيخ والملوحة في العيد مفردات قدمها السيناريو.. الذي انتقد أيضاً انهيار التعليم من خلال شخصية مدرسة اللغة الإنجليزية التي لعبتها "ايمي سمير غانم".. كان مشهداً مؤثراً عندما طلب "حلمي" من الطفل ابن الجيران أن يحضر له زجاجة مياه معدنية بسبب خوفه من تلوث ماء الحنفية ولكن الطفل يضع ماء الحنفية بدلاً من شراء المياه المعدنية.. كذب الطفل أفزعني ولكن السيناريو وجد حلاً درامياً لكي يحدث نوعاً من التوازن عندما يؤكد له الطفل في نهاية الفيلم ويعترف بأنه تعمد ذلك حتي يعود لمصر لأن الحكمة القديمة تقول إن من يشرب من ماء النيل يعود مرة أخري إلي مصر.. الفيلم تتخلله أغنيات في حب مصر بصوت "نانسي عجرم" و"شيرين" وتنتهي أحداثه بصوت "ريهام عبد الحكيم" وهي تغني لمصر.. هناك تعمد به قدر لا ينكر من المباشرة في الحوار الذي نراه بين "يوسف داود" و"أحمد حلمي" يحمل دعوة لحب مصر التي نراها ليست أفضل بلد في العالم ولكننا نحبها كما هي.. تعمد السيناريو تقديم مظاهر اختفاء النظافة من الشارع.. حتي البعض يقضي حاجته علي الرصيف كلها ظواهر نراها أمامنا وهي لا تعني إهانة للمجتمع ولكن للنظام الذي لم يوفر أماكن لإلقاء الزبالة ولا دورات مياه كما هي منتشرة في العديد من دول العالم.. أحببت في الفيلم جرأته الاجتماعية في التناول وتأتي النهاية وهي تحمل في عمقها رغبة في تأكيد أن البطل حريص علي أن يكمل مسيرته في مصر أيضاً مستغلاً جواز السفر الأمريكي الذي لم تستطع شركة الطيران المصرية سوي أن تستجيب لرغبة الراكب الذي يحمل جواز السفر الأمريكي في العودة لأرض مصر بحجة إصابته بمشكلات صحية رغم انه كان قبل أن يسافر كان قد ساهم في حل مشاكل العائلة.. وهكذا تأتي النهاية و"حلمي" متمسك بالعودة إلي مصر وكأنه يردد قول الشاعر "بلدي وإن جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام"!
مرثية في حب مصر التي كانت في الماضي وتغيرت بأيدي المصريين في الكثير من جوانبها.. نادراً ما يقترن الذكاء بالموهبة بالمسئولية هكذا أري "أحمد حلمي" الذي لا يتخلي أبداً عن الصدارة في الإيرادات ولكنه أيضاً بنفس القدر يستطيع أن يراهن علي القيمة الإبداعية.. أداؤه لدور البطل المصري وهو يحاول أن يغير من مفرداته اللغوية والشخصية بالسلوك واللهجة التي يتخللها قدر من الصعوبة في نطق بعض الكلمات المصرية التي تستعصي علي الآخرين.. انتقاله بين القوة والضعف في تعامله مع "لطفي لبيب" وإن كنت لم أرتح إلي أسلوب التحول مباشرة إلي لعبة "العبد والسيد" كلما تغيرت موازين القوي بينهما تغيرت لغة التخاطب كان من الممكن أن يكتفي بتغيير السلوك وطبيعته بين الطرفين.. "لطفي لبيب" ساحر الأداء الكوميدي خفيف الظل والذي يتمتع بدرجة من الصفاء الإبداعي تنعكس علي مشاهده.. "ادوارد" نجح في دوره الذي يشعرك بأنه لا يمثل وإن كنت أري أن الدور نفسه ليس به منعطفات ومتغيرات تفجر طاقة "إدوارد".. الوجه الجديد "طارق الأمير" اختيار جيد من المخرج "خالد مرعي" في منحه هذا الدور الذي تتوافق ملامحه الشكلية مع طبيعة أدائه المتزمت المطحون المحروم من ممارسة حقوقه الزوجية.. "ايمي سمير غانم" نفذت من ثقب إبرة.. الدور صغير جدا ًفي عدد مشاهده لكنها الموهوبة بلا شك والقادرة علي أن تتقدم خطوات أبعد وأجمل وأروع.. "انعام سالوسة" تغيبت عن السينما كثيراً وعندما تعود تترك بصمة لا تنسي.. من الإضافات الإبداعية موسيقي "عمر خيرت" مونتاج المخرج "خالد مرعي" ديكور "محمد أمين" تصوير "سامح سليم".. هذا هو الفيلم الثالث لخالد مرعي بعد "تيمور وشفيقة" و"آسف علي الإزعاج".. قدرة علي ضبط الأداء لممثليه والتكوين الدرامي والانتقال بين اللقطات وخلق جو عام للعمل الفني.. فيلم "عسل أسود" درس من نجم كوميدي يدرك أن الضحك والجرأة والقيمة الفكرية من الممكن أن يمتزجوا معاً ويقدمون لنا كوميديا لها طعم العسل المر حتي ولو كانت تحمل عنوان "عسل اسود"!
************
توريث أم تمديد؟
«شعبان عبد الرحيم» جاهز دايماً!
· الدولة تعتبر شعبان أحد أهم أسلحتها الغنائية وتنتظره لمبايعة الرئيس
يستعد "شعبان عبد الرحيم" كعادته لتقديم أغنية عن قافلة الحرية.. بالتأكيد لن يتذكر أحد أغنية "شعبان" مثل كل أغنياته الأخيرة إلا أنه لا يزال له تواجده في الساحة الفنية وتلك هي المعضلة التي لا أري لها أي تفسير حيث صارت أغنيات "شعبان" أقرب إلي نشرة أخبار تتناول كل ما يحدث مصرياً وعربياً ودولياً بالتعليق الغنائي إلا أننا ننساها فور سماعها وأحياناً قبل؟!
لماذا تعيش ظاهرة مثل شعبان عبد الرحيم علي مدي تجاوز 9 سنوات رغم أن الناس لم تردد له سوي أغنية واحدة في بداية ظهوره "أنا باكره إسرائيل وأحب عمرو موسي".. ومن يومها لم يترك شعبان مناسبة سياسية أو اقتصادية أو بيئية محلية أو دولية إلا وقدم أغنية تواكب الحدث.. تابع ما حدث قبل قافلة الحرية مثل غزو أمريكا للعراق، شنق صدام حسين، انتخابات الرئاسة في ولاية الرئيس الخامسة ويستعد لمؤازرته في السادسة، أنفلونزا الطيور، انتخابات الشوري، حذاء "الزايدي" الذي اتجه إلي رأس "بوش"، أنفلونزا الطيور والخنازير والمعيز.. كل هذه المناسبات وغيرها كان لشعبان دائماً رأي فيها عبر عنه بأغنية.. الناس تعاملت مع شعبان كحالة ولهذا لم يعد يعنيهم المغني وماذا يغني فهو له مساحته علي الخريطة كحالة إنسانية ليس مهماً ما الذي يغنيه.. رغم أن الجمهور تعود علي النسيان كان لدينا مغني شعبي أسبق من شعبان اسمه "حمدي باتشان" كانت مصر في نهاية الثمانينات تغني معه "ايه الأساتوك ده اللي ماشي يتوك ده اللي يصحي النايم ده" ثم اختفي.. أصدر بعد ذلك شريطاً آخر لم يشعر به أحد من بعدها لم يعثر له علي أثر.. "علي حميدة" قبل 25 عاماً ردد له الشارعين المصري والعربي أغنية "لولاكي" ولعب بطولة فيلم حمل اسم "لولاكي" أيضاً ولكن بعد ذلك لا حس ولا خبر.. الناس لا تسأل لماذا تحب لكنها تحب وتتعلق بظاهرة ما بدون مقدمات وتتركها أيضاً بدون مقدمات.. الضوء يأتي في لحظة ثم قد يتحول إلي ظلام دامس لا ينفع في استعادته أي سحر.. "جورج قرداحي" نموذج آخر لحالة الانطفاء الذي يعقب الوهج الضخم برنامجه "من سيربح المليون" حقق نجاحاً استثنائياً وتبحث أين "جورج" الآن لم يتبق منه شيء.. كانت الأمثال تضرب به كعنوان للرجولة ولا أحد ينسي هذا الشعار الذي انتشر عبر الموبايل منذ 7 سنوات "اللهم عجرم نساءنا" وردت النساء قائلة "اللهم قردح رجالنا"! النجومية منحة إلهية.. وهج خاص وكاريزما يمنحها الله لعدد من البشر والبعض يستطيع بذكائه واختياراته الحفاظ عليها وعلي مدي سنوات متعددة يزداد التواصل بينه وبين الناس.. إنها جاذبية للشخص قبل أن تتحول إلي جاذبية للعمل الفني الذي يقدمه.. الناس تحب الفنان أولاً وبعد ذلك تحب ما يقدمه.. كيف تعيش ظاهرة وتموت أخري؟! برغم أنه في الحالتين لا تواجد حقيقي للإبداع أو الذكاء الذي يحيط الفنان ويمد في عمره الافتراضي.. يقولون في تفسير الإبداع الفني أن الآلهة تنعم علينا بمطلع القصيدة وعلينا نحن أن نكمل الباقي.. ولكن هناك من لم يكملوا الباقي وأيضاً لم يعملوا إللي عليهم برغم ذلك لا يزال لهم حضورهم في الشارع مثل "شعبان" ولا تسألني عن سبب ظاهرة استمرار "شعبان" إلي درجة أن الدولة رسمياً تعتبره أحد أهم أسلحتها الغنائية حيث إنه غني للرئيس بعد شفائه.. ومن المؤكد أنه سوف يبايع الرئيس في الولاية السادسة بأغنية.. أما إذا كان الاتجاه هو توريث الحكم إلي "جمال مبارك" فسوف نكتشف أن "شعبان" جاهز دائماً!!
***********
مصر ليست «فاطمة» وعبد الناصر ليس «عتريس»
أحياناً يلعب عدد من النقاد دوراً في تحلية البضاعة الأدبية والفنية ويضيفون تفسيرات خارج النص لم تخطر علي بال مبدع العمل.. البعض يجد هذه الإضافات تعلي من شأن عمله الإبداعي ولا يكتفي بإظهار سعادته بهذا التفسير الذي لم يخطر له علي بال بل ويتعمد التأكيد بأنه كان عامداً متعمداً وأن علي النقاد الجادين أن يغوصوا أكثر ليحصلوا علي دُرر أكثر..
في سيرة حياة الكاتب "أرنست هيننجواي" صاحب "العجوز والبحر" درس هام جداً وذلك عندما بدأ النقاد في البحث عن تفسير لتلك الرواية التي أصبحت واحدة من أشهر وأخلد الروايات في الأدب العالمي اعتبروها تقدم رؤية فلسفية للحياة لأن العجوز يبدأ رحلته في الصيد وعندما يعثر علي سمكة كبير يمسك بها بقوة وفي نفس الوقت يتحرك قاربه الصغير في اتجاه البر قبل أن يصل إلي تخوم الشاطئ كانت أسماك القرش قد التهمت سمكته الكبيرة ولم يبقي منها إلا هيكل عظمي.. قالوا إن هذا الموقف يشبه رحلة الإنسان في الحياة عندما تبدأ وهو يعتقد أنه يمسك كل متع الدنيا بيديه ثم ينتهي الأمر بنهايته كهيكل عظمي مثل بقايا سمكة "هيمنجواي".. التشبيه يضفي الكثير من الزخم الفكري والفني علي رائعة الأديب العالمي ورغم ذلك فإن هذا الثناء لم يرضه ولم يجعله يشعر بأنه قد صار طاووساً بين كل أقرانه الأدباء بل أزعجه كثيراً وقال إنه لم يتعمد أي من هذه الرموز وأضاف أن هذه التفسيرات تشبه وضع الزبيب علي الخبز من أجل تحسين الطعم وأن كثيراً من الكتاب يهزمون أنفسهم بأنفسهم عندما يستسلمون للزبيب وهذا هو ما حدث مع عدد من الأعمال الأدبية المصرية حيث أن كل "فاطمة" تصبح مصر وكل "بهية" هي أيضاً مصر و"فؤادة" التي أدت دورها "شادية" في "شيء من الخوف" اعتبروها مصر بينما "عبد الناصر" الذي أدي دوره محمود مرسي هو "عتريس".. مؤخراً مثلاً أثار قارب مكتوب عليه اسم "القدس" قدمه المخرج "داود عبد السيد" في نهاية فيلم "رسائل البحر" الكثير من التفسيرات السياسية حيث رأينا في المشهد الأخير بطلي الفيلم "بسمة" و"آسر ياسين" وسط البحر وحولهما الأسماك النافقة واسم "القدس" يتصدر الرؤية لم يكن "داود" يقصد شيئاً هو فقط استأجر قارباً وكل القوارب مكتوب عليها أسماء مثل "ما تبصليش بعين رضية بص للي اندفع فيا" أو "الحلوة دي من العتبة" و"بعيد عنك حياتي عذاب" و"رمش عينه اللي جرحني".. سيل منهمر من التفسيرات السياسية ذات الصلة بالطبع بمدينة القدس بما تحمله من قيمة روحية لأصحاب الديانات الثلاث انهالت علي "داود" وفيلمه "رسائل بحر" أضافوا زبيب وجوز هند ومكسرات وكان "داود" منضبطاً ومدركاً لتلك الخطورة حتي لا ينساق وراء إضافات فارغة تحطم رؤيته للفيلم ولهذا كان أول المعترضين علي مكسبات الطعم واللون والمعاني.. ومؤخراً في مهرجان "تارومينا" حيث يشارك الفيلم داخل المسابقة الرسمية للمهرجان سألوا "داود" عن الرسائل التي قصدها من الفيلم قال لهم لم أقصد أو أتعمد أي رسالة وهكذا ظل "رسائل البحر" خبزاً ممتعاً بلا "زبيب"!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.