يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يبدأ الخلق على غير مثال، ثم يعيده بعد الموت، وإعادته أهون عليه من ابتدائه بالنظر إلى مقاييس اعتقاد من يظن أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه؛ فالله له مطلق القدرة فى خلقه، وهو الغالب فى ملكه، وهو الحكيم فى فعله وتقديره. اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى| لماذا جاء الطير سعيًا لإبراهيم؟ إن الذى يعيد إنما يعيد من موجود، أما الذى بدأ فمن معدوم. فالأهون هو الإعادة، أما الابتداء فهو ابتداء من معدوم، وكلاهما من قدرة الحق سبحانه وتعالى. إن هذه القضية إنما تثبت اليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر هو الميزان العقدى فإن استقر فى القلب فالإنسان بكل جوارحه يتجه إلى الأفعال التى تسير على ضوء منهج الله لينال الإنسان الجزاء الأوفى. اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى| اختلاف البشر وتكاملهم إن الإنسان حينما يفهم أن هناك حسابا وهناك جزاءً، وهناك بعثا، فهو يعرف أنه لم ينطلق فى هذا العالم، ولم يفلت من الإله الواحد القهار، إن للإنسان عودة، فالذى يغتر بما آتاه الله نقول له: لا، إنك لن تفلت من يد الله، بل لك عودة بالموت وعودة بالبعث. وإذا ما استقرت فى أذهان المسلمين تلك العودة، فكل إنسان يقيم حسابه على هذه العودة. وبعد أن استقر الأمر فى شأن الحياة والموت أراد الحق سبحانه وتعالى أن يجيء بشيء هو ثمرة الحياة فى الكائن الحى وأول مظهر من مظاهر الحياة هو الحس والحركة. والحركة فى الوجود أرادها الله للإنسان؛ لأنه وهو الحق قد أراد الإنسان للخلافة فى الأرض. والخلافة فى الأرض تقتضى أن يعمر الإنسان الأرض، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا﴾ «هود: 61». إن خلافة الإنسان فى الأرض تقتضى أن يتحرك ويعمر الأرض. وحين يريد الله منا أن نتحرك ونعمر الأرض فلا بد من أعمال تنظم هذه الحركة، ولا بد من فنون متعددة تقوم على العمارة. ويوزع الله الطاقات الفاعلة لهذه الفنون المتعددة ويجعلها مواهب مفكرة ومخططة فى البشر. إن الحق سبحانه لم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب، بل نثر الله المواهب على الخلق، وكل واحد أخذ موهبة ما. لماذا؟ لأن الله قد أراد أن يتكامل العالم ولا يتكرر؛ فالتكامل يوحى بالاندماج فإذا كنت أنت تعرف شيئًا خاضعا لموهبتك، وأنا لا أعرفه فأنا مضطر أن ألتحم بك، وأنا أيضا قد أعرف شيئا وأنت لا تعرفه، لذلك تضطر أنت أن تلتحم بي. وهذا اللون من الالتحام ليس التحام تفضل، إنما هو التحام تعايش ضروري. لكن لو أن كل واحد صار مجمع مواهب، لاستغنى عن غيره من البشر وأقام وحده بمفرده، وينتهى احتياجه للمجتمع الإنساني. فكأن الله حين وزع أسباب الفضل على الخلق يريد منهم أن يتكاملوا ويلتحم بعضهم ببعض لا التحام فضل، ولكن التحام تعايش ضروري؛ لأن واحدًا يريد ما ينتجه الآخر بموهبته، والآخر يريد من إنسان غيره ما هو موهوب فيه. ولذلك فالناس بخير ما تباينوا؛ لأن كلا منهم يحتاج إلى الآخر. ولذلك لا نجد أى تقدم فى مجتمع إلا إذا كانت المواهب فى هذا المجتمع مختلفة ومتآزرة. أما حين يوجد قوم لهم مواهب متحدة فلابد أن يقاتل بعضهم بعضا لكن عندما يكون كل واحد فى حاجة لموهبة الآخر، فهم يتعايشون؛ لأن الحياة لا تسير إلا بالكل، ولذلك إذا استوت جماعة فى المواهب فلا بد أن يتفانوا لأنهم يتنافسون فيها ويريد كل واحد منهم أن يستأثر بها لنفسه، لكن لا أحد فى المواهب المتكاملة يقول: لماذا يكون فلان أفضل مني، لأنه يعرف أنه من الضرورى أن يوجد المهندس والطبيب والصانع، ولذلك تجد الوجود منظما بذاته التنظيم الطبيعى الذى يُوجد قاعدة ويُوجد قمة، فالقمة الصغيرة تحملها القاعدة الكبيرة. ولو عكست الهرم لصارت مشكلة؛ لأن الأمر فى هذه الحالة سَيَجِّدُ به جوانب كثيرة ليس لها أساس ولا ترتكز على شيء، ولذلك فمن الحكمة إذا رأيت فى المجتمع واحدًا قد ذهب إلى القمة فأعنه على أن يستمر متفوقا، ولا تصطرع معه فتسقطوا جميعا، فلابد من التفاضل كى ينشأ التكامل. والحق سبحانه وتعالى يعرض لنا هذه القضية عرضا اجتماعيا وعرضا اقتصاديا؛ ليبين لنا أن أصل الوجود يجب أن ينشأ على أمر اجتماعى وأمر اقتصادي، لماذا؟ لأن الإنسان مشغول أولا باستبقاء حياته، ثم باستبقاء نوعه. واستبقاء حياة الإنسان بالقوت، واستبقاء نوعه بالزواج. واستبقاء الحياة بالقوت يحتاج إلى حركة فى الحياة، والحق يحترم ثمرتها، وعندما يريد الحق أن يرقق قلب المتحرك على أخيه العاجز فهو يقول: ﴿مَّن ذَا الذى يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا﴾ «البقرة: 245».