بمشاركة 38 خبيرًا دوليًا وتحت إشراف محمود محيي الدين..قراءة نقدية في أزمة التمويل المناخي العالمي المناخ ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية.. وتمويله لا يمكن عزله عن بنية الاقتصاد السياسي العالمي
صدر كتاب Policy-Driven Climate and Development Finance Strategies for Equitable Solutions عن دار نشر "دي جرويتر بريل" في الخامس عشر من شهر يناير الحالي بوصفه عملًا جماعيًا سعى إلى تفكيك واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في النقاش العالمي المعاصر؛ ألا وهي تمويل العمل المناخي والتنمية في عالم غير عادل من الناحية المالية؛ فلم يتعامل الكتاب مع تغيّر المناخ بوصفه أزمة بيئية منعزلة، بل وضعه في قلب بنية النظام المالي الدولي، حيث تتقاطع قضايا الديون، والاستثمار، وعدم المساواة، وقدرة الدول النامية على التخطيط لمستقبلها. ومن هنا، فإن الكتاب - والذي يُترجم عنوانه ل «التمويل المناخى والإنمائى القائم على السياسات: استراتيجيات من أجل حلول عادلة» - موجّه بالأساس إلى صُنّاع السياسات، والباحثين، والمهتمين بالاقتصاد السياسي للتنمية، لكنه في الوقت نفسه قدم مادة تفسيرية مهمة للقارئ العربي الذي يتابع النقاش المناخي من زاوية تأثيره المباشر على العالم. وطرح الكتاب سؤالًا محوريًا؛ ألا وهو: لماذا، رغم توافر رأس المال عالميًا، تعجز الدول الأكثر تضررًا من تغيّر المناخ عن الوصول إلى التمويل اللازم للتكيّف والتحول؟ واقترح أن الإجابة لا تكمن في نقص الموارد، بل في طريقة إدارة المال عالميًا، وفي القواعد والمؤسسات التي تحكم تدفقه. وبهذا المعنى، لم يقدم الكتاب حلولًا تقنية فقط، بل فتح نقاشًا سياسيًا أوسع حول عدالة النظام المالي الدولي وحدود قدرته على الاستجابة لأزمة كونية. بنية الكتاب وأهم محاوره الكتاب ليس عملًا لمؤلف واحد، بل كتاب جماعي ضم مساهمات عدد كبير من الخبراء الدوليين - بلغ عددهم 38 خبيرًا وباحثًا مرموقًا - في مجالات التمويل، والاقتصاد الكلي، والتنمية المستدامة، والسياسات المناخية، وتحت إشراف وزير الاستثمار المصري السابق والخبير الاقتصادي البارز الذي يشغل منصب مبعوث الأممالمتحدة لتمويل التنمية المستدامة لعام 2030، محمود محيي الدين ، تألف الكتاب من فصول متعددة، ركز كل منها على زاوية محددة من إشكالية التمويل المناخي، ضمن إطار تحليلي موحّد. وتناولت الفصول الأساسية موضوعات مثل: فجوة التمويل المناخي العالمية، ودور البنوك التنموية والمؤسسات المالية متعددة الأطراف، وإشكاليات كفاءة التمويل وسرعة وصوله، والعلاقة بين العمل المناخي وأزمة الديون في الدول النامية، إضافة إلى أدوات التمويل المبتكرة مثل التمويل المختلط وتخفيف المخاطر. كما حظى ملف العدالة المناخية، وتمويل التكيّف والخسائر والأضرار، بحضور واضح، بوصفه أحد أكثر جوانب التمويل المناخي اختلالًا. ولم يجعل هذا التنوع في الكتّاب والمحاور الكتاب تجميعًا غير متماسك، بل منحه ثراءً تحليليًا، حيث تكاملت الفصول لتقديم صورة شاملة عن التحديات البنيوية التي تواجه تمويل المناخ والتنمية. وهو ما جعل الكتاب، في مجموعه، أقرب إلى خريطة نقدية للنظام المالي المناخي العالمي، لا مجرد عرض لأدوات أو سياسات معزولة. إسهام محمود محيي الدين: من التنسيق إلى صياغة الإطار لم يقتصر دور محمود محيي الدين في هذا الكتاب على الإشراف التحريري أو جمع المساهمات، بل ظهر بوضوح بوصفه العقل الذي صاغ الإطار العام الذي تتحرك داخله الفصول؛ ففي تقديمه للكتاب، وضع "محيي الدين" التمويل المناخي داخل سياق أوسع من مجرد الاستجابة البيئية، رابطًا إياه بأزمات الدَّين، واختلالات النظام المالي الدولي، وحدود المقاربة القائمة على التعهدات الطوعية. هذا التقديم لا يعمل كمقدمة تعريفية فحسب، بل كبيان منهجي يحدد زاوية النظر التي يتبناها الكتاب؛ فالمناخ ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية، وتمويله لا يمكن عزله عن بنية الاقتصاد السياسي العالمي. ويُحسب لهذا التقديم أنه لم يكتفي بتوصيف المشكلة، بل أعاد ترتيب أولويات النقاش؛ فبدل التركيز على "كمّ" التمويل المطلوب، دفع "محيي الدين" القارئ إلى التساؤل حول "نوعية" هذا التمويل، وشروطه، وقدرته على الوصول إلى الدول الأكثر احتياجًا. ومن خلال هذا المدخل، أصبح الكتاب دعوة صريحة لإعادة التفكير في أدوار المؤسسات المالية الدولية، لا بوصفها مصادر أموال فقط، بل كفاعلين سياسيين يشاركون في صياغة مسارات التحول المناخي والتنمية معًا. من الخبرة الدولية إلى الرؤية النقدية عكست مساهمة محمود محيي الدين في الكتاب خبرته الطويلة في تقاطع السياسات الاقتصادية الدولية مع قضايا التنمية، وهو ما ظهر في طريقته في الربط بين التحليل الفني والرؤية النقدية للنظام القائم؛ فخطابه لا يتبنّى لغة المواجهة، لكنه في الوقت نفسه لا يُخفي محدودية الإصلاحات الجزئية، وبرز ذلك في تأكيده المتكرر على أن الأدوات المالية المبتكرة، مثل التمويل المختلط أو تخفيف المخاطر، لن تحقق أثرًا حقيقيًا ما لم تُدمج في إطار سياسي يعالج اختلال توزيع المخاطر بين الشمال والجنوب. وبهذا المعنى، لم يقدم "محيي الدين" نفسه في الكتاب كطارح للنظريات منعزل عن أرض الواقع، بل كصاحب موقع داخل المنظومة يسعى إلى نقدها من الداخل، ومنحت مساهمته الكتاب توازنًا واضحًا بين الواقعية السياسية والطموح الإصلاحي، وفسرت إلى حد كبير اختياره لنبرة تحليلية هادئة لكنها حاسمة؛ ولهذا يمكن القول إن حضور "محيي الدين" لم يقتصر على صفحات بعينها، بل امتد كمرجعية فكرية تنظّم الكتاب كله، وتمنحه اتساقه الداخلي ورهانه الواضح على أن إصلاح التمويل المناخي هو، في جوهره، إصلاح لطريقة إدارة العالم للاختلالات التي صنعها بنفسه. وأهم ما يميز هذا الكتاب أنه لم ينطلق من افتراض أن أزمة المناخ هي بالأساس أزمة علم أو تكنولوجيا، بل أعاد توجيه البوصلة نحو موضع آخر أكثر حساسية وتعقيدًا ؛ ألا وهي النظام المالي العالمي. فالمشكلة، كما تتكشف عبر فصول الكتاب المختلفة، لا تكمن في غياب المعرفة بحجم الكارثة أو في نقص الحلول التقنية الممكنة، بل في عجز المنظومة المالية والمؤسسية القائمة عن ترجمة هذا الإدراك إلى سياسات عادلة وفعّالة. ومن هنا تأتي فكرة الكتاب المركزية في أن التمويل المناخي ليس مسألة ثانوية تابعة للمفاوضات، بل هو البنية التحتية السياسية الحقيقية لأي استجابة جادة لأزمة المناخ والتنمية معًا. ولعلّ أبرز ما يميز الكتاب أيضًا أن المساهمات المتعددة عبر صفحاته - تحت إشراف "محيي الدين" - لم تقدم للقارىء خطابًا تبشيريًا عن "الفرص الخضراء"، ولم تكتفي بإعادة إنتاج لغة التعهدات الدولية، بل سعت إلى تفكيك العلاقة المختلّة بين المال والمناخ والتنمية، واضعة القارئ أمام سؤال جوهري؛ ألا وهو: لماذا يفشل العالم، رغم وفرة رأس المال عالميًا، في تمويل التحول المناخي العادل؟ الفجوة: حين لا يكون المال هو المشكلة الوحيدة بدأ الكتاب من تشخيص فجوة التمويل المناخي، لكنه سرعان ما تجاوز المقاربة الكمية البسيطة؛ صحيح أن الاحتياجات التمويلية المطلوبة لتحقيق أهداف التخفيف والتكيّف حتى عام 2030 تتجاوز بكثير ما هو متاح حاليًا، إلا أن الإشكال الأعمق، كما أوضح المؤلفون، هو أن التمويل الموجود أصلًا لا يصل إلى الأماكن التي تحتاجه أكثر. وكشفت البيانات والتحليلات أن الجزء الأكبر من التدفقات المالية المناخية يذهب إلى عدد محدود من الاقتصادات الكبرى أو المتقدمة، بينما تبقى الدول النامية، خصوصًا الأقل دخلًا والأكثر هشاشة، خارج دائرة الاستفادة الفعلية. لا يعود ذلك إلى غياب المشروعات أو ضعف الحاجة، بل إلى طبيعة النظام المالي نفسه، الذي يفضّل البيئات منخفضة المخاطر والعوائد السريعة، حتى في سياق أزمة عالمية يفترض أن تُدار بمنطق مختلف. وبهذا المعنى، تصبح فجوة التمويل تعبيرًا عن خلل بنيوي، لا مجرد نقص في الموارد؛ فالكتاب أوضح أن المال لا يتحرك حيث الضرورة المناخية، بل حيث الاطمئنان المالي، ما يجعل التمويل المناخي أداة غير متوافقة مع أهدافه المعلنة؛ خاصة حين يحظى التخفيف من انبعاثات الكربون مثلًا بالأولوية في أجندة الاقتصادات المتقدمة، بينما تُهمش سبل التكيف مع تبعات ملف المناخ في الدول الأكثر فقرًا. عدم الكفاءة كسياسة غير معلنة من أهم إضافات الكتاب تحليله لما يسميه "عدم الكفاءة" في النظام الحالي؛ فالإشكال لا يقتصر على بطء الإجراءات أو تعقيدها، بل يمتد إلى منطق تصميمها؛ فتعدد الصناديق الدولية، وتشابك الأطر المؤسسية، وتضارب المعايير، وطول دورات الموافقة والصرف، كلها عناصر تجعل الوصول إلى التمويل المناخي عملية شبه مستحيلة بالنسبة لكثير من الدول النامية. وأشار الكتاب إلى مفارقة لافتة، وهي أن المؤسسات التي أُنشئت أساسًا لتسهيل التمويل المناخي أصبحت، بفعل شروطها ومتطلباتها، جزءًا من العائق. فبدل أن تعمل هذه المؤسسات على امتصاص المخاطر، تنقلها في كثير من الأحيان إلى الدول الأكثر هشاشة، مطالبةً إياها بمعايير ائتمانية وقدرات مؤسسية لا تتناسب مع أوضاعها الفعلية. وعدم الكفاءة هنا ليس خللًا عرضيًا، بل نتيجة مباشرة لنظام يُدار بعقلية مالية تقليدية، حتى وهو يتعامل مع أزمة غير تقليدية. ومن ثمّ، يصبح السؤال المطروح في الكتاب، وهو: كيف يمكن إصلاح التمويل المناخي دون إعادة النظر في القواعد التي تحكمه؟ العدالة… الغائبة الحاضرة رغم الطابع الفني الذي ميز كثيرًا من فصول الكتاب، فإن مفهوم العدالة ظل حاضرًا كخيط ناظم؛ فالكتاب ينطلق من حقيقة باتت معروفة، وهي أن الدول التي ساهمت بأقل قدر في الانبعاثات التاريخية هي الأكثر تعرضًا لآثار التغير المناخي. غير أن أهميته تكمن في ربط هذه الحقيقة الأخلاقية بالبنية المؤسسية للتمويل. وظهر غياب العدالة بوضوح في توزيع التمويل بين التخفيف والتكيّف؛ فالمشروعات المرتبطة بخفض الانبعاثات، والتي غالبًا ما تحقق عوائد استثمارية واضحة، تستحوذ على النصيب الأكبر من التمويل، بينما تعاني مشروعات التكيّف – المرتبطة بحماية المجتمعات والبنية الأساسية – من نقص مزمن في الموارد. أما ملف الخسائر والأضرار، فيظل في موقع هامشي، رغم الاعتراف المتزايد بأهميته. ولم يقدم الكتاب هذا الخلل بوصفه نتيجة سوء نية، بل كنتيجة منطقية لنظام يضع الكفاءة المالية فوق الاعتبارات التنموية والإنسانية، ما يجعل العدالة المناخية مطلبًا سياسيًا بقدر ما هي مطلب أخلاقي. الدَّين… العقدة الصامتة أفرد الكتاب مساحة مهمة للعلاقة بين التمويل المناخي وأزمة الديون في الدول النامية؛ فالكثير من هذه الدول تجد نفسها عالقة في حلقة مفرغة: الحاجة إلى الاستثمار في التحول المناخي من جهة، وضغوط الديون من جهة أخرى. وأكد المؤلفون أن تجاهل هذه العلاقة يجعل أي حديث عن تمويل مناخي فعال حديثًا منقوصًا. ومن هنا، ناقش الكتاب أدوات مثل مبادلات الديون مقابل العمل المناخي، وإعادة هيكلة الديون بما يتيح حيزًا ماليًا للاستثمار الأخضر، لكنه تعامل مع هذه الأدوات بحذر، معتبرًا إياها حلولًا جزئية لا تغني عن إصلاح أوسع للنظام المالي الدولي، الذي ما زال يتعامل مع الديون والتنمية والمناخ كملفات منفصلة. بين الإصلاح والتحوّل لم يقف الكتاب عند حدود التشخيص، بل انتقل إلى اقتراح مسارات عملية، دون ادعاء امتلاك وصفات جاهزة؛ فهو يناقش أدوات التمويل المختلط، وتخفيف المخاطر، ودور البنوك التنموية متعددة الأطراف، ليس باعتبارها حلولًا سحرية، بل كعناصر ضمن منظومة يجب إعادة تصميمها سياسيًا ومؤسسيًا. والرسالة الأساسية هنا أن زيادة التمويل، مهما بلغت، لن تكون كافية ما لم تتغير القواعد التي تحكم تدفقه؛ فالإصلاح المطلوب، وفق الكتاب، ليس تقنيًا فقط، بل تحوّلي، يمس طريقة توزيع المخاطر، وتحديد الأولويات، وقياس النجاح. كتاب في لحظته التاريخية اكتسب هذا الكتاب أهميته من توقيته بقدر ما اكتسبها من مضمونه؛ فهو صادر في عالم تتقاطع فيه أزمات المناخ، والديون، وعدم المساواة، في ظل نظام مالي دولي يزداد هشاشة، ولا يدّعي تقديم إجابات نهائية، لكنه يطرح إطارًا فكريًا متماسكًا لإعادة التفكير في التمويل المناخي بوصفه مسألة سياسة عامة، لا مجرد ملف تفاوضي. وفي المحصلة، لم يقدم الكتاب دعوة أخلاقية مجردة، بل نقدًا هادئًا وعميقًا لمنظومة تدّعي مواجهة أزمة وجودية بأدوات لا تزال أسيرة منطق الربح والمخاطر التقليدية. وهو بذلك يذكّر القارئ بأن المعركة المناخية لا تُحسم في المختبرات فقط، بل في غرف صنع القرار المالي، حيث يُحدَّد من يحصل على التمويل، ومن يُترك لمواجهة العاصفة وحده. اكتسب هذا الكتاب أهميته من توقيته بقدر ما اكتسبها من مضمونه؛ فهو صادر في عالم تتقاطع فيه أزمات المناخ، والديون، وعدم المساواة، في ظل نظام مالي دولي يزداد هشاشة، ولا يدّعي تقديم إجابات نهائية، لكنه يطرح إطارًا فكريًا متماسكًا لإعادة التفكير في التمويل المناخي بوصفه مسألة سياسة عامة، لا مجرد ملف تفاوضي. وفي المحصلة، لم يقدم الكتاب دعوة أخلاقية مجردة، بل نقدًا هادئًا وعميقًا لمنظومة تدّعي مواجهة أزمة وجودية بأدوات لا تزال أسيرة منطق الربح والمخاطر التقليدية. وهو بذلك يذكّر القارئ بأن المعركة المناخية لا تُحسم في المختبرات فقط، بل في غرف صنع القرار المالي، حيث يُحدَّد من يحصل على التمويل، ومن يُترك لمواجهة العاصفة وحده