شغل رحيل الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري اهتمامًا واسعًا، وتصدر اسمه محركات البحث عقب إعلان وفاته عن عمر ناهز 72 عامًا، تاركًا خلفه مسيرة فنية وإنسانية مؤثرة امتدت لنحو 5 عقود، إذ تطورت مسيرته بالتوازي مع تطور السينما الفلسطينية، وانتقلت بها من حدود الهامش إلى فضاءات المهرجانات الدولية، حيث ظل "بكري" حاضرًا بصوته وأعماله كأحد أبرز الوجوه التي جسدت الإنسان الفلسطيني وقضيته، حتى بعد رحيله. ويُعد اسم محمد بكري، جزءًا من الذاكرة السينمائية الفلسطينية، إذ اشتهر بأعماله البسيطة والتأملية أمام الكاميرا، ولم تحجب النزعة الشعرية التي تسري في أفلامه الرفض للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وحظيت أعمال بكري بالتقدير من خلال الجوائز والعروض في مختلف المهرجانات الأوروبية ومهرجانات أمريكا الجنوبية. وبلغت ذروتها في دوره الأخير على الشاشة كجزء من فيلم All That's Left of You، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان صندانس السينمائي في يناير 2025، وجرى ترشيح الفيلم مؤخرًا (وهي خطوة قبل الأخيرة نحو الترشيح) لجائزة أفضل فيلم روائي دولي في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام 2026. وفي آخر لقاءاته الإعلامية، وصف "بكري"، عمله بأنه محاولة لخلق «الفن والإنسانية والرقي» في مواجهة «قسوة الاحتلال». من أوائل أفلام بكري المهمة "Hanna K" الصادر عام 1983 للمخرج اليوناني الفرنسي كوستا جافراس، يلعب بكري دور سليم، المتهم بالإرهاب من قبل إسرائيل، والذي تدافع عنه الشخصية الرئيسية هانا ك، وهي محامية وابنة يهود ناجين من هتلر، بينما يحاول استعادة منزل عائلته في فلسطين، الذي تحول إلى مستوطنة يهودية. وأشاد الكاتب الفلسطيني إدوارد سعيد، في مراجعته للفيلم في مجلة «ذا فيليدج فويس» الثقافية الأمريكية بدور صالح، وتقديمه نظرة نادرة على حياة الفلسطينيين ومعاناتهم في ذلك الوقت. وفي عام 1987، حصل فيلمه «عرس الجليل»، على جائزة التانيت الكبرى من مهرجان قرطاج السينمائي الدولي، وفاز أيضًا بجائزة النقاد الدولية في مهرجان كان السينمائي، وقدم العمل نظرة ثاقبة لحياة وتقاليد القرية الفلسطينية. وعُرض فيلمه «حيفا» – اسم الفيلم وشخصيته بالفيلم – في مهرجان كان عام 1996، وصور الفيلم داخل حدود قطاع غزة، وهو من إخراج رشيد مشهراوي. ومن أشهر أفلام محمد بكري، الفيلم التسجيلي «جنين جنين»، الذي عرض عام 2002، وكان يركز على الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وهو عمل توثيقي للأحداث التي وقعت في مخيم جنين للاجئين الفلسطينيين، تولى صالح تصويره وإخراجه بالكامل، وحاز فيلم «جنين جنين» على جائزة أفضل فيلم في مهرجان قرطاج السينمائي عام 2002. كان نصيب بكري من الجوائز وافرًا من مهرجانات مختلفة، ففي عام 2004 حصل فيلمه على جائزة الفهد الذهبي، وهي الجائزة الكبرى في مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي، وهو من إخراج الإيطالي سافيريو كوستانزو، وقدم بكري دور رب أسرة فلسطينية يحتل جنود إسرائيليون منزلهم كجزء من عملية عسكرية. يُذكر أن محمد بكري وُلد في قرية البعنة في الجليل، وكان يحمل الجنسية الإسرائيلية ودرس في جامعة تل أبيب، وقد قدم عام 1986 مسرحية «المتشائل»، والمستندة إلى كتابات الفلسطيني إميل حبيبي، والتي تتناول تعقيدات ومشاعر الشخص الذي يحمل الهويتين الإسرائيلية والفلسطينية معًا، وقد أصبح اسم هذا العمل لقبا له.