قال أستاذ الدراسات الحكومية والأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، محمود ممداني، إن أبناء الجالية الهندية في أوغندا يعيشون اليوم لحظة من الظهور والتألق، سواء في مجال الموسيقى أو السياسة، مشيرا إلى بعض الأسماء البارزة في السياسة والمجتمع العالمي؛ مثل السياسية البريطانية من أصل هندي المسئولة عن السياسة الخارجية في حزب المعارضة، بريتي باتيل، والسياسي الأمريكي من أصل هندي ورئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي، كاش باتيل، يجسدان حضور هذه الجالية على الساحة الدولية. وأضاف الكاتب أن ابنه الاشتراكي الديمقراطي، زهران ممداني، أيضًا شكل استثناءً لافتًا بعد انتخابه رئيسًا لبلدية نيويورك مؤخرًا، معبرًا عن تحول في توجهات هذه الجالية بعيدًا عن الانتماءات المحافظة المعتادة. وكشف الكاتب - عبر صفحات أحدث كتبه بعنوان «السم البطىء» - أن هذا الاستثناء يمكن تفسيره من خلال تجربته الخاصة حيث أنه طالما قدم رؤية مختلفة لأفريقيا ما بعد الاستعمار، وقال الكاتب إنه صور نفسه كذراع رد يساري على كتابات الكاتب البريطاني من أصول هندية والحاصل على نوبل في الأدب عام 2001، فيدياهار نيبول، معبرًا عن رؤية أكثر عدلاً وإنصافًا لأفريقيا ما بعد الاستعمار، مقدمًا منظورًا أكثر إنصافًا لما حدث بعد الاستقلال، ومشيرًا إلى أن إخفاق الاستقلال لم يكن نتيجة تقصير الشعوب، بل بسبب الظروف المعقدة التي فرضها الاستعمار. وأضاف المؤلف أن كتابه الجديد - الصادر عن دار نشر جامعة هارفارد - يكشف عن حياته الخاصة الزخمة المليئة بالنفي والعودة، مشيرًا إلى نشأته في كمبالا ضمن مجتمع هندي منعزل، حيث كانت المدارس والمساجد وملاعب الكريكيت الهندية تشكل جزءًا من حياته اليومية، وقال إن منحة الدراسة التي حصل عليها إلى بيتسبرج كانت مخصصة لمهنة الهندسة، لكنها قادته إلى العلوم السياسية، ثم حصل على دكتوراه من جامعة هارفارد، وعاد ليصبح أكاديميًا في أوغندا. وأوضح الكاتب أن وصول الديكتاتور الأوغندي، عيدي أمين ، إلى السلطة عام 1972 قلب حياة "ممداني" رأسًا على عقب، بعد أن أمر بطرد كل الهنود الجنوبيين البالغ عددهم 80 ألفًا خلال 90 يومًا، واصفًا المجتمع الهندي ب"الإمبراطورية الداخلية". وأفاد الكاتب أنه حاول إعادة النظر في صورة "أمين"، داعيًا القراء للتخلص من "الأحكام المسبقة المدفوعة بالإعلام"، واصفًا إياه بأنه حداثي مناهض للاستعمار، وقال إن عمليات الطرد كانت في الأساس موجهة للبريطانيين أكثر من الهنود، مضيفًا أن "أمين" فعل كل ما في وسعه لإنقاذ حياة الآسيويين، رغم أن ذلك لم يشكّل عزاءً للذين طُردوا. وكشف الكاتب عن إعادة تقييم مدهشة لتاريخ أوغندا في كتابه، متحديًا الفكرة القائلة بأن رئيس أوغندا الحالي، يوري موسيفيني، أنقذ البلاد من خراب "أمين"، وقال الكاتب إن "موسيفيني" أعاد تنشيط السياسات القبلية، بينما اعتبر "أمين" وطنيًا رفض الوصاية الغربية. وأضاف الكاتب أن سياسات "موسيفيني" العملية لم تغفل عن القضايا المثيرة للجدل، مثل قراراته المناهضة للمثليين، والتلاعب بالدستور، والتزوير الانتخابي، وخطط توريث السلطة خلسة، نقلًا عن صحيفة الجارديان. وأوضح الكاتب أن كتابه يتضمن سردًا مفصلًا ومطولًا حين يتحدث عن تصرفات "أمين" العبثية، مثل اعتباره نفسه ملكًا لاسكتلندا أو تنظيم حملات جمع تبرعات وهمية، على أنها فن أدائي راديكالي، مع التأكيد على الأثر المأساوي لهذه التصرفات على بناء الدولة. وفي الختام، أشار الكاتب إلى أن الكتاب الجديد يقدم قراءة جديدة لتاريخ أوغندا ما بعد الاستعمار، محاولًا تجاوز الصور النمطية والمفاهيم المسبقة، ومثيرًا للنقاش حول مفهوم البطولة والدولة الحديثة في سياق ما بعد الاستعمار.