د. ممدوح سالم لم تكن ليلةً كبقية الليالى، بل كانت «اللحظة» التى قرر فيها الوجود أن يبوح ببعض أسراره لقلبٍ لم يسعهُ ضيقُ المادة. بدأت الرحلة ب «إسراءٍ» لم يكن مجرد قطعٍ للفيافى على ظهر دابة، بل كان جسرًا أنطولوجيًا يربط بين مراكز الوعى البشرى؛ فمن «الحرام» حيث البداية والقداسة، إلى «الأقصى» حيث منتهى الأمل، كانت الأرض تطوى ذاتها لتعلن أن المسافات ليست إلا أوهامًا يصنعها عجزنا عن الاتصال. ثم انفتح أفق «المعراج»، وهنا لم يعد الصعود ارتقاءً فى طبقات الجو، بل كان انخلاعًا من «النسبى» المكبّل بالزمن. فى كل سماء، أدرك المصطفى صلى الله عليه وسلم تحرره من قيود المادية ومعراجه إلى رحابات النور المطلق، حتى صار الوعى نورًا خالصًا يجوب الملكوت. هناك لم يكن الزمان «خطيّا» يطحن أعمارنا، بل صار «آنيًا دائمًا»، حيث الماضى والحاضر والمستقبل يلتقون فى نقطة الصفر المركزية. وعندما بلغت الروح «سدرة المنتهى»، توقف كل «منطق» بشرى. هناك، حيث تقف اللغة عاجزة على أعتاب «تخوم المعرفة». هنالك أدرك المسافر أن العقل ليس إلا بوصلة توصلك إلى الشاطئ، لكنها لا تصلح لركوب لُجّة الغيب المطلق؛ فما كانت السدرةُ إلا إعلانًا عن «التواضع المعرفى»؛ إذ أن ما وراءها لا يُدرك بالقياس، بل بالإشراق والوجد. لكن ذروة هذه الدراما الوجودية لم تكن فى البقاء هناك فى «نور الأنوار»، بل كانت فى قرار «العودة». فالفلسفة الحقة لا تكتفى برؤية الشمس، بل تعود لتخبر أهل «الكهف» أن ثمة ضوءًا خلف الظلال. عاد المسافر إلى ضجيج مكة، إلى تكذيب المنكرين وثقل التكليف، ليثبت أن «المعراج» الحقيقى ليس فى الهروب من الواقع، بل فى النزول إليه برؤية «سماوية» قادرة على ترميم انكسارات الأرض. أهم ما فى فلسفة هذه الرحلة هو «العودة». فبعد الوصول إلى أقصى درجات الكشف والاتصال بالمطلق، لم تكن النتيجة هى العزلة أو الفناء، بل كانت العودة إلى المجتمع لممارسة التغيير إلى صراط الله المستقيم. إن رحلة الإسراء والمعراج، بمدلولها الفلسفى، هى صرخة فى وجه العدمية، وتأكيد أن الإنسان كائن «متجاوز» بطبعه. هى دعوة لكل فرد ليخلق «معراجه» الخاص عبر العلم، والقيم، والبحث المستمر عن المعنى فى كون لا ينتهى من الأسرار. إنها رحلة الوعى الذى اكتشف أن السماء ليست «فوق»، بل هى «داخل» كل قلب استطاع أن يتحرر من جاذبية المادة ليلامس شغاف الحقيقة.