منذ فترة، أشارك بانتظام في إعداد وتقديم برامج إذاعية تبث على إذاعة الحياة الأفضل، وهي إذاعة مسيحية تابعة لخدمة الحياة الأفضل، وبالأخص في وقت احتفالات الميلاد. وهذا العام حملت الحلقات عنوان: «صوت من المذود». جاءت الفكرة في سياق عالمي مضطرب، تتصاعد فيه أصوات الحروب من حولنا، في المنطقة والعالم، حتى بات صوت الحب والسلام والحق خافتًا، لا يكاد يُسمع. وسط هذا الضجيج، تولّد سؤال بسيط وعميق في آنٍ واحد، وهو: هل ما زال لصوت السماء مكان في لحظات مفصلية من تاريخ هذا الجيل؟. من هذا السؤال انطلقت الأفكار تباعًا، لا بحثًا عن خطاب ديني جديد، بل عن إصغاء مختلف؛ إصغاء لصوت خرج يومًا من المذود، وما زال قادرًا على أن يخاطب إنسان اليوم، وسط ارتباكه، وتعبه، وتشوه هُويته. نعيش في زمنٍ متسارع، يثقل كاهل الإنسان بأسئلة لا تنتهي، حول القيمة والجدوى والنجاح. أسئلة لا تنبع دائمًا من الداخل، بل تُفرَض عليه من الخارج، من مجتمع يقيس الإنسان بما يحققه، وبما يملكه، وبصورته في أعين الآخرين. وفي خضم هذا الزحام، يتسلل إلى نفوس كثيرين -وخاصة الشباب- إحساس صامت بأنهم غير كافين، أو أنهم متأخرون عن اللحاق بركب الحياة. في هذا السياق، يأتي الميلاد كرسالة مغايرة تمامًا. ليس كحدث احتفالي عابر، بل كإعلان يحمل في جوهره إعادة تعريف جذري للإنسان ومعناه. فالميلاد لا يبدأ من موقع القوة أو الإنجاز، بل من المذود؛ ذلك المكان الذي اختاره الله ليعلن فيه حضوره، لا صدفة، بل قصدًا. المذود ليس تفصيلًا هامشيًا في قصة الميلاد، بل علامة لاهوتية وإنسانية في آن واحد. فهو يقول إن الكرامة لا تُستمد من الموقع الاجتماعي، ولا من الظروف المثالية، ولا من التقدير العام، بل من حقيقة أعمق: أن الإنسان معروف ومقصود في نظر الله. كثير من شباب اليوم يحملون أثقالًا غير مرئية: تجارب فشل سابقة، خيبات لم تُشفَ، كلمات أُطلقت في لحظة ضعف وما زالت تلاحقهم، أو مقارنات مستمرة تُقوّض ثقتهم بأنفسهم. يقفون بين ماضٍ لم يُغلق بعد، ومستقبل يبدو كأنه اختبار دائم، فيتعثر الانطلاق، ويضيق الأفق. وسط هذه التحديات، لا يقدّم الميلاد حلولًا سريعة، لكنه يقدّم تصحيحًا عميقًا للنظرة. الطفل الذي وُلد في المذود لم يأتِ محاطًا بعلامات القوة أو النجاح، ولم يكن إنجازه هو ما منحه القيمة. ومع ذلك، كان فيه سرّ مشيئة الله، وبه بدأ رجاء جديد للعالم. هذه الرسالة تصطدم بثقافة تُعلّم الإنسان أن قيمته مؤجلة إلى أن يثبت ذاته، وأن كرامته مرهونة بأدائه، وأن محبته مشروطة بمدى نجاحه. لكن الميلاد يكشف زيف هذه المعادلة. فالقيمة لا تُكتسب لاحقًا، بل تُمنح منذ البداية، لأنها متجذرة في علاقة الإنسان بخالقه. من منظور لاهوتي كتابي، الميلاد ليس مجرد اقتراب إلهي، بل استرداد للهوية الإنسانية. الله لا يطلب من الإنسان أن يتجاوز ضعفه أولًا، بل يلتقي به فيه. لا يدعوه إلى إنكار هشاشته، بل يشاركه إياها، ليحرره من ثقل الشعور بعدم الاستحقاق. وفي زمن تتزايد فيه مشاعر الاحتراق النفسي، ويسعى فيه كثيرون إلى النجاح بدافع إثبات الذات لا بدافع المعنى، يقدّم الميلاد بديلًا إنسانيًا أعمق: أن نعيش دون أن نُختزل في إنجازاتنا، وأن نعمل دون أن نفقد ذواتنا، وأن ننطلق نحو المستقبل دون أن نبقى أسرى الماضي. من المذود خرج صوت هادئ، لكنه واضح، يخاطب كل من يشعر أنه على الهامش، أو عالق بين ما كان وما يجب أن يكون. صوت يقول إن الكرامة ليست منحة مؤقتة، بل حقيقة أصيلة. وأن الهوية ليست مشروعًا قيد التكوين، بل عطية تُستعاد. وأن البداية الجديدة لا تنتظر الكمال، بل تبدأ حين يقترب الله من الإنسان.