حوار | نائب محافظ بني سويف: لا اختلاف على الوطن.. وندرك تحديات الدولة    المجلس القومي للمرأة ينعي حافظ أبو سعدة    محافظ المنيا: الانتهاء من تنفيذ 42 مشروع محطات صرف صحي ومعالجة    المجلس العربي للمياه يدعو لإعداد قاعدة معلومات رقمية للموارد المائية    رئيس مجلس السيادة السوداني يؤكد دعمه اللا محدود لجهود تنفيذ اتفاق السلام    مسؤول يمني: الحوثيون غير جادين في السماح بوصول الخبراء للناقلة صافر    قبل انطلاق القمة الأفريقية.. الأزهر يوجه نصائح لجماهير الأهلي والزمالك    عاجل| إصابة 6 أشخاص فى تصادم مروع بطريق دمنهور دسوق    هل تقضي مجففات الهواء الساخن على فيروس كورونا؟    المجلس القومي لحقوق الإنسان ناعيا "أبو سعدة": قيمة وقامة حقوقية عالية    كورونا يضرب القصر الملكي السويدي    مارادونا وميسي.. علاقة متقلبة بين أفضل ثنائي فى تاريخ الأرجنتين    الكينج والبوص.. صورة جديدة للنجم المصرى محمد صلاح ويورجن كلوب    «سكرتير عام مساعد قنا» تشارك في مؤتمر مناهضة العنف ضد المرأة    كرة يد - تأجيل مباريات حسم الدوري للعام المقبل    بسبب الملعب.. تأجيل لقاء الزرقا و طنطا للمرة الثانية    محافظ القليوبية يتابع مبادرة "نور حياة" لمكافحة مسببات ضعف وفقدان البصر    محافظ قنا يوفر فرص عمل للشباب بالتعاون مع حركة الشعب يأمر    التحفظ على كاميرات المراقبة في واقعة العثور على طفلة بالمقطم    جميلة عوض تتعاقد على بطولة فيلم "عروستي"    المكتب الثقافي المصري بالرياض يُدشِّن «لقاء الأشقاء» في أمسية شعرية    وكيل الأوقاف: استمرار أعمال تطهير وتعقيم المساجد بجميع المحافظات    مشكلتى مع الطيارين    نتائج مشجعة لسياسة الحجر الصحي في الدول الأوروبية.. فيديو    رامي صبري يوجه نصيحة لجمهوره: علشان توصل لحلمك حاول عافر مع الدنيا    أحمد فهمي يتغزل في جمال والدته بمناسبة عيد ميلادها    أشعل فيها النار أمام حفيديها.. القصة الكاملة لمقتل "سامية حجازي" بمنزلها    فيديو.. رمضان عبدالمعز: لايجوز الاعتراض على القوانين المستمدة من الفقه    توقف الخدمة الأرضية للخط الساخن للمياه بسوهاج واستقبال شكاوى المواطنين عبر الهاتف المحمول    انهيار بسوق العقارات القطري بعد نزوح الاستثمارات الأجنبية    مستشار المفتي يجيز نقل الأعضاء من المتوفي.. بشروط    بأسلوب الخلع.. سقوط لص عدادات المياه من عقارات عين شمس    ضبط 1000 صنف دواء و4 آلاف عبوة مجهولة داخل صيدليات ب الدقهلية    مجلس السيادة السودانى يكشف خطط جديدة بشأن سد النهضة    خالد الجندي: وجود دور المسنين إساءة لبلاد المسلمين (فيديو)    هيئة قناة السويس توقع عقد اتفاق لتشغيل وتطوير استراحة ديليسبس    لافروف يؤكد للرئيس الأوكراني التزام موسكو بالاتفاقات الثنائية    نهائي القرن.. "نوستالجيا التمانينات".. عاشور وحكاية "راديو" احتفل معه بأول ألقاب الأهلي الأفريقية    مجلس الوزراء: لا صحة لبيع منطقة مثلث ماسبيرو لصالح مستثمر أجنبي    البحرين تستقبل أول وفد تجاري إسرائيلي    الإفتاء: التعصب الرياضي أمر مذموم دينيًّا ومجتمعيًّا    "أنا زملكاوي ضد التعصب".. أشرف زكي يعلق على لقاء القمة    ترجمة وثيقة جامعة القاهرة للتنوير إلى 17 لغة أجنبية    الصحة العالمية: تعزيز نشاط سكان العالم البدني يُعني تلافي 5 ملايين حالة وفاة سنويًا    بالأسماء.. مجلس جامعة بني سويف يوافق على ترقية 27 عضو هيئة تدريس    شبهة جنائية.. فتح تحقيق في وفاة «مارادونا» وتشريحه    الحضري على أعتاب تدريب حراس مرمى النجم الساحلي    الصحة: 14 دولة تطبق مبادرة الرئيس لعلاج مليون أفريقي من فيروس سى    توجيهات مهمة من وزير التنمية المحلية بعد تقرير حالة الطقس بالمحافظات    التحقيق مع عامل متهم بمعاشرة خطيبته في القليوبية    الأمن العام يضبط 24 قطعة سلاح و139 قضية مخدرات خلال 24 ساعة    "الهجرة" و"الأوقاف" تنظمان غدا ندوة توعية بمخاطر الهجرة غير الشرعية    ميدو جابر .. تعرف علي المسيرة الكروية والأرقام لنجم الأهلي المختطف    كلوب بعد خسارة ليفربول أمام أتلانتا: لست نادمًا على تغيير التشكيل الأساسي    دياب يشارك فى بطولة "نسل الأغراب" مع أحمد السقا وأمير كرارة رمضان المقبل    إزالة فورية ل 4 حالات تعدي على الأراضي الزراعية في المنوفية- صور    ضبط 5209 سائقين لعدم ارتداء الكمامات وتحرير 428 مخالفة قرار غلق المحل    القوى العاملة: تحويل 13.2 مليون جنيه مستحقات 432 عاملا مصريا غادروا الأردن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





(مما جرى في بر مصر) وصف بالكلمة والصورة لكنوز مصر الفاتنة
نشر في الشروق الجديد يوم 26 - 11 - 2009

بعد أن أمتعنا الكاتب الصحفى الكبير يوسف الشريف بالعديد من الكتب مثل كتابه عن الشاعر «كامل الشناوى» «آخر ظرفاء ذلك الزمن»، و«القديس الصعلوك» عن حياة الفنان عبدالرحمن الخميسى متكئا على الجوانب الإبداعية والشخصية والذى قال عنه الكاتب محمود السعدنى «إنه إعادة تجسيد حياة عبدالرحمن الخميسى».
يعود ليمتعنا بكتابه «مما جرى فى بر مصر» الصادر عن دار الشروق فى 350 صفحة من القطع المتوسط، ومرفق به ملحق صور لبعض الشخصيات التى تناولها فى كتابه والتى تعد كالكنوز فى قاع محيط عنى بالبحث عنها لاستخراجها. يدلل الشريف عن ذلك بمقولة شيخ النقاد محمد مندور «إن أعظم الكتاب وأرق الشعراء وأعقل الحكماء فى مصر لم نعرفهم بعد، لأن أحدا لم يهتم باكتشافهم والحفاوة بعطائهم وإبداعاتهم، أو لأنهم لا يزالون أسرى الخوف والتردد فى البوح عن مكنوناتهم الشخصية».
ولذلك يحدثنا الشريف عبر كتابه هذا عن شخصيات تراها جديرة بمزيد من القراءة والكشف عنها، مثل المحامى والكاتب عباس الأسوانى، كما تحدث الشريف أيضا عن السيدة وهيبة النشار والتى كانت بمثابة الأم الروحية للزعيم الرحل جمال عبدالناصر والتى أرضعته صغيرا. أسماء كثيرة وحكايات غاية فى الظرف مغزولة بمعلومات من الضرورى أن تلمحها عيون المحبين لكل أشكال ومجالات الثقافة والتاريخ.
وكذلك جاء أول فصول الكتاب ليتحدث عن كتاب «خبايا القاهرة» الذى دونه كاتب حسب قول الشريف «لا نعرف له عنوانا أو مهنة أو عمرا ولا حتى التقاه أحد يدعى «أحمد محفوظ»، وهو الذى خط هذا الكتاب النادر فى مضمونه ومحتواه، يندرج تحت باب التاريخ الوجدانى كما صنفه الشريف، والذى لم يلتفت له أحد من الكتاب والمؤرخين، رغم أنه يسهم فى التعرف على الأجواء النفسية والمزاجية للشعوب، خلال حقبة معينة أو عصر بعينه، كونه يحيط بشخصية المصريين التى كانت تسود عاصمتهم عبر حقب التاريخ المعاصر موصولة بما سبقها من حقب زمنية لا تزال تفرض وجودها، وتأتى أيضا أهمية طرح يوسف الشريف لكتاب «خبايا القاهرة» فى أنه يكشف الأدوات التى كان تلجأ لها الشخصية المصرية فى الترفيه أو اللهو.
وعن أهمية ذلك يذكر الشريف إجابة المؤرخ الكبير عبدالرحمن الرافعى عندما سئل عن الدرس الذى أفاده من كتابة التاريخ فقال: تعلمت من كتابة التاريخ أن المؤرخ يجب أن يبحث عن كيف يلهو الشعب، إن اللهو يكشف نفسية الشعب، فتاريخ الشعب مرتبط بطريقة لهوه، ويضرب الشريف مثالا عن أهمية التعرف على الحالة المزاجية للشعوب بذلك الاختلاف فى شخصية المجتمع المصرى إبان حكم الملكية والإقطاع عنها إبان حقبة ثورة يوليو وبعدها عندما تختلف هذه الشخصية اختلافا تاما مع دخول عصر الانفتاح مدللا بما احتوته أغانى تلك الفترة من معانا سوقية بدلالات هابطة، ويتوقف الشريف أيضا عند السبب وراء اختفاء منتديات المثقفين والظرفاء وسر انتشار الشيشة، والفرجة على التليفزيون على حساب الحوار والتواصل الاجتماعى، فضلا عن تراجع المسرح الجاد ورواج مسرح الغرائز والقيم المبتذلة.. عن سبب تسلل أصوات المقرئين من غير المصريين إلى آذان المصريين بعد انحسار أجيال الشوامخ بقراءة القرآن الكريم برحيل الشيخ رفعت والشيخ مصطفى إسماعيل من بعده الذى وصفهما بأنهما كانا من أبرز علامات مصر الروحية ورموزها الوجدانية.
تحت عنوان «الصليب الأسود يهرب من الدير» يأخذنا الشريف فى رحلة جمعته بالرسام محمد رجائى والشاعر الراحل صلاح عبدالصبور إلى وادى النطرون أو وادى الرهبنة، حيث يعيش راهب حبشى فر من الدير لمدة عشرين عاما وقد سمعوا عنه من صحفى ألمانى لم يوفق فى جعل الراهب يعترف بسر هروبه من دير البراموس مؤكدا له أنه ربما يعترف بعد أن يكمل الربع قرن وهكذا ذهب الثلاثة بعد ست سنوات وبالتحديد فى شتاء عام 1962، ليلتقوا بالراهب الحبشى الذى يعيش وحيدا داخل مغارة بالصحراء الغربية، وبعد أن نجحوا فى رؤية الراهب والذى اعتاد «أن يشم رائحة الناس من بعيد.. يخرج من مغارته ويستقبلهم كما لو أنه صليب أسود وهو باسط ذراعيه فى الهواء ويحتضنهم من بعد»، وأثناء هذا اللقاء مع الراهب المسيحى لم يفت الشريف وصف كيف كان رجائى منشغلا بتأمل وجه الراهب وحركاته ليرسمها على ورقة سميكة وضعها أمامه على الأرض، أما صلاح عبدالصبور فكان هادئا متأملا يرى ويسمع بلا تعليق، مع الراهب الذى أفضى لهم بسره وكيف كان مخلصا جدا فى البحث عن دير يتمسك بالمبادئ الأولى للرهبنة التى تحوى التقشف والزهد، أما الترف الذى كان يعيش فيه رهبان دير البراموس فجعلته يجوب مصر بمحاذاة النيل ليصل إلى وادى النطرون ليعيش هناك فى تلك المغارة بعمق الجبل.
«مما جرى فى بر مصر» كتاب يرصد العديد من النوادر والطرائف أيضا فتجده بعد حكاية الراهب الحبشى ينشغل بقصة الفنانة سعاد حسنى وقصتها مع عبدالحليم حافظ فى فصلا سماه «شرارة غرام السندريلا بالعندليب»، ليبحث بعد ذلك عن مصير ملهمة الفنان سيد درويش «المطربة حياة صبرى» التى اختارت مقابر الإمام لتعيش فيها وتحديدا فى مدفن ابنها الشهيد الطيار محمد جميل إبراهيم، وتتعرف خلالها عن سبب هجر أم جميل كما يطلقون عليها منذ أن سكنت المقبرة للدنيا وابتعادها عن الناس والفن لأنهم جميعا تخلوا عنها بعد وفاة ابنها ولم يقف بجوارها سوى الفنانة نجمة إبراهيم وزوجها.
تتنوع الحكايات التى يرويها الشريف فيتوقف تارة عند المشير الجمسى ليرصد لحظة بكى فيها عند الكيلو 101، ليذهب بعد ذلك إلى حكاية زوبة الكلوباتية، مارا بصلاح جاهين وهو يمشى بالقباب.. 28 حكاية كتبها يوسف الشريف بلغة غلب عليها الحس الروائى العذب، أما الأحداث فكانت تروى وكأنه يختزل هذا التاريخ فى مشاهد سينمائية يعين بها القارئ على التخيل والانتشاء بما يرى. وكأن الشريف ينزل برفق عن كاهله هم رد الجميل لكل من عرفهم واستقى من فنهم وموهبتهم، عن طريق كشف جوانبهم الإبداعية ومزجها مع عاداتهم وحياتهم الشخصية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.