قناة السويس هي شريان مصر الاستراتيجي، وقصة كفاح كبيرة شاهدة علي عبقرية وقوة المصريين وعلامة فارقة في تاريخ مصر الحديث.. تم بناؤها بدماء المصريين الطاهرة لتصبح شريان حياة ثاني للمصريين بعد نهر النيل، ولأجل هذه القناة قامت العديد من الحروب أهمها العدوان الثلاثي علي مصر 1956، وتعتبر قناة السويس أهم ممر ملاحي في العالم يصل الشرق بالغرب والشمال بالجنوب، وتمر بها أكثر من 25% من التجارة العالمية. بدأت قصة بناء القناة عندما جاءت الحملة الفرنسية إلي مصر وأرادت فرنسا قطع طريق المستعمرات البريطانية في الهند باحتلال مصر فقامت الحملة الفرنسية علي مصر سنة 1798، فأعطت أمراً مباشراً لنابليون بونابرت بالقيام بحملة لحفر قناة تربط بين البحرين ولذا كانت تسمي قناة البحرين، ولكن اكتشف نابليون أن مستوي البحر الأحمر أعلي من مستوي البحر الأبيض، مما سيتسبب في غرق دلتا مصر. وبعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر، وتولي أسرة محمد علي باشا حكم مصر، وفي زمن الخديوي سعيد تحديداً، اقترح صديقه الفرنسي المقرب دليسيبس حفر قناة السويس، والذي رفضه من قبل والده محمد علي خوفاً علي مصر من النفوذ الأجنبي والتدخل في الشئون المصرية، وبالفعل تم الشروع في بناء القناة وتمثلت الخطوات المبدئية في تشكيل لجنة دولية عام 1855 وإنشاء شركة قناة السويس والتي تألفت من 400 ألف سهم، لتنتصر الصداقة علي تردد الخديوي الذي كان يعرف به دائماً، ولم تكن الموافقة علي المشروع من فراغ حيث كانت علاقة عائلية تجمع بين الاثنين منذ الصغر.. كانت شروط الامتياز مجحفة بحق مصر بداية من التنازل عن كل أراضي قناة السويس والتنازل أيضًا عن جميع الأراضي القابلة للزراعة والمحيطة بالمنطقة لاستصلاحها وزرعها، مع الإعفاء من الضرائب لمدة عشر سنوات، وأن يكون للشركة المحتكرة امتياز استخراج المواد الخام اللازمة للمشروع من المناجم والمحاجر الحكومية دون ضرائب، وعلي قدر التنازلات التي قدمها سعيد في الامتياز السابق، لم تكن لمصر الكثير من المكاسب كما كان لديليسبس والدول الأجنبية. في يناير 1856 اصدر سعيد باشا فرمان امتياز القناة وتم تعيين ديليسبس رئيساً للشركة، وتضمن الامتياز أن تورد مصر أربعة أخماس العمال علي أن يكونوا من المصريين، وأن تقوم الشركة بتحديد رسوم مرور السفن دون العودة للحكومة المصرية، وعلي مدار ثلاث سنوات منذ 1856 وحتي عام 1859 ظل دليسبس يضع إجراءات اختيار العمال، والتي خرجت علي أن يتم حشد المواطنين بإجراءات تعسفية من جميع المحافظات، وتم البدء رسمياً في 25 ابريل سنة 1859، وكانت الزقازيق هي منطقة تعبئة الجنود الذين يفدون إليها من أجل البدء في رحلة حفر قناة السويس، وكانت أجور هؤلاء العمال متدنية للغاية وتتراوح من قرش إلي ثلاثة قروش حسب الفئة العمرية، ووصل عدد العمال الذين قدموا علي مدار حفر القناة التي بلغت مدتها 10 سنوات حوالي مليون عامل مصري أي ربع سكان مصر في ذلك الوقت، وتعرض العمال في هذه الفترة إلي معاملة قاسية فلم يحصلوا علي مستحقاتهم المالية، ناهيك عن انتشار الأمراض والأوبئة التي فتكت بهؤلاء العمال.. وبعد وفاة محمد سعيد باشا تولي الخديوي إسماعيل حكم مصر لتستكمل إجراءات العمل علي افتتاح قناة السويس، وفي 17 مايو 1869 بدأت استعدادات حفل افتتاح القناة بسفر إسماعيل إلي أوروبا لدعوة الملوك والأمراء ورؤساء الحكومات لحضور الحفل الذي وصل تكلفته إلي مليون فرنك، ومع تزايد ديون مصر الخارجية أدي الخديوي إسماعيل إلي بيع أسهم مصر من قناة السويس لسد ديون نادي باريس، وبذلك وفي هذا العام تكون مصر قد خسرت حصتها في قناة السويس. استمر وضع القناة علي ما هو عليه إلي أن تم تأميم قناة السويس في 26 يوليو 1956 في عيد الثورة الرابع من ميدان المنشية بالإسكندرية ومنذ ذلك الوقت أصبحت القناة تحت السيادة المصرية، مما أدي إلي توحيد قوي كل من فرسنا وإنجلترا وانضمام إسرائيل من أجل عزوف مصر عن اتخاذ هذا القرار، ولكن تحت الضغوط الدولية توقف العدوان لتصبح القناة ملكاً خالصاً للمصريين، وتوالت أعمال تطوير القناة في عهد السادات.. ويعتبر العمل الذي قام به العمال المصريون من الانجازات التاريخية ويأتي العمل الأعظم في تاريخ قناة السويس بعد إنشائها، هو عملية التطوير التي قام بها الرئيس عبد الفتاح السيسي وقراراه بحفر قناة السويس الجديدة .