النمو الاقتصادي المذهل الذي حققته الصين علي مدي العقدين الأخيرين، والذي سيتم الاحتفال به رمزياً عما قريب في دورة بكين للألعاب الأولمبية، جعل العالم يتساءل: ما الذي سيحدث بعد؟ أو ما الذي سينجم عن هذا النمو المتزايد علي الدوام؟ من ضمن الإجابات تلك التي تقول إن الصين قد تتعرض لردة كبري، وهو ما يرجع إلي أن القادة الصينيين يعانون الآن من طائفة من أزمات معروفة وشبه المعروفة ترتبت علي هذا النمو السريع، والتي تتراوح ما بين الأزمات البيئية الوشيكة، إلي القلاقل الاجتماعية ونقص الطاقة، والأوبئة المحتملة، وكلها حظيت بتغطية إعلامية كبيرة واهتمام عالمي مشهود. بيد أن هؤلاء القادة يواجهون إلي جانب ذلك مشكلة أخري، تبلغ من الضخامة حداً يمكن أن يجعلها تقوض الكيفية، التي ستتعامل بها الصين مع أزمات أخري، ويمكن أن يدفعنا لأن نطلق عليها مسمي "الميتامشكلة"، أو المشكلة المتجاوزة التي تفوق في حجمها كل المشكلات الأخري. علي الرغم من ذلك، نجد أن تلك المشكلة تمثل تحدياً متفاقما لكنها تكاد لا تلقي أي اهتمام عام تقريباً. فوسائل الإعلام العالمية تتجاهلها، علي الرغم من أن البيروقراطيات المحلية تعمل دوماً علي تضخيمها. وفي الوقت نفسه، نجد أن قادة الأعمال والمجتمع المدني يتأثرون بهذه المشكلة كل يوم، كما يتأثر بها المواطنون العاديون، الذين يئنون منها في الحقيقة، خصوصاً عندما يضطرون إلي التعامل مع المصالح والإدارات العامة. هذه المشكلة أو الأزمة في الحقيقة هي تلك التي يطلق عليها الآن ومن المعروف أن الصين وعددا من الدول النامية الأخري، كانت حتي فترة قريبة تنقسم من الناحية الجوهرية إلي قسمين رئيسيين هما: السكان الريفيون الذين كانوا يشكلون القطاع الأكبر من السكان. والسكان الحضريون ممن شكلوا القطاع الأصغر الذي يعمل في المصانع المقامة داخل المدن والذين كانوا يتنامون بوتيرة سريعة. فخلال معظم فترات العصر الزراعي، كان الأفراد العاديون يتعاملون خلال حياتهم مع العائلة، والجماعة، والعشيرة، والطائفة الدينية، وأيضا مع مؤسسات ووحدات نظامية قليلة العدد نسبياً. أما في المجتمعات الحضرية الصناعية، فنجد أن العكس تماماً هو الصحيح، حيث يواجه المواطنون العاديون وقادتهم، طائفة معقدة من المؤسسات المترابطة فيما بينها، مثل البنوك، ومحطات تعبئة البترول، والمستشفيات، ورجال الشرطة، والمتاجر المتنوعة، ودور السينما، ووسائل الإعلام، ومجالس المدن، وأقسام المرور والسيارات، وعلي المستوي الوطني القوات المسلحة. وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلي نشوء بيروقراطيات هائلة الحجم، وأيضا إلي نشوء الحاجة لدي كبار القادة للاعتماد علي جيوش من المسئولين والخبراء يفترض فيهم أن يعرفوا عن المشكلات المختلفة أكثر مما يعرف القادة. بعد أن بدأت مسيرتها الصناعية الحديثة بإنتاج اللُعب المحشوة والفانلات القطنية ذات الأكمام القصيرة، فإن الصين تمتلك في الوقت الراهن قاعدة صناعية بالغة التنوع. وهي تعتمد إلي جانب ذلك علي تشكيلة واسعة من التقنيات تنتشر في مختلف أجزائها، كما تصدر منتجاتها لمختلف بقاع العالم. وكان من الطبيعي أن تؤدي عملية التصنيع الواسعة النطاق إلي تزايد المعاملات بين الناس، وتعقدها، ونشوء العديد من المشكلات التي يجد قادة الأعمال والقادة الصينيون أنفسهم أمامها وجهاً لوجه في الوقت الراهن. خذ عندك مثلاً القانون الخاص بالسياسة السكانية الصينية، الذي حظي بمناقشات واسعة النطاق والذي يحظر علي العائلة الصينية إنجاب أكثر من طفل واحد. مفهوم هذا القانون يبدو بسيطاً من الناحية النظرية، أما عندما تم وضعه موضع التطبيق، فقد تبين أن له الكثير من الاستثناءات التي يصفها عالم الاجتماع الصيني "وانج فينج" الأستاذ بجامعة كاليفورنيا- إيرفاين بقوله:"إن نظام الاستثناءات المتعلق بهذا القانون يشبه في درجة تعقيده الاستثناءات المتعلقة بقانون الضرائب الأمريكي" وهذا التعقيد الذي أحاط بوضع هذا القانون موضع التنفيذ، ليس إلا مثالاً واحداً علي التعقيدات المتزايدة في الصين، والتي أدت إلي تفاقم الحاجة إلي المزيد من الإخصائيين والخبراء من مختلف الفئات وفي مقدمتهم المحامون. . ففي الوقت الراهن، تتزايد التعقيدات القانونية بوتيرة سريعة في الصين، دون أن تتمكن الدولة من التعامل معها وذلك بسبب النقص الحاد الذي تعاني منه في أعداد المحامين، وتركز الغالبية العظمي من ممثلي النيابة وغيرهم من العاملين في المهن القانونية داخل المناطق الحضرية فقط.