مفارقات العدالة الدولية عبدالحسين شعبان راجت نظرية “احتكار العدالة الدولية" بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول ،2001 لاسيما بعد تفويض الأممالمتحدة بالقرارات 1368 الصادر في 12 سبتمبر/أيلول و1373 الصادر في 28 سبتمبر/أيلول ،2001 والقرار 1390 الصادر في 16 يناير/كانون الثاني ،2002 التي قضت بمكافحة الارهاب الدولي وشنّ حرب استباقية ووقائية ضده، فضلاً عن العمل على تجفيف منابعه وقطع مصادر تمويله وملاحقة المتهمين به، عبر تعاون دولي فعال استوجب شروطاً حاولت الولاياتالمتحدة توظيفها لمصلحة استراتيجيتها الكونية.
وبغض النظر عن تعارض بعض ما ورد في قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن “الارهاب الدولي" مع القواعد الآمرة الملزمة في القانون الدولي، لاسيما مع مبدأ احترام السيادة وحق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمساواة في الحقوق وعدم استخدام القوة في العلاقات الدولية أو التهديد بها، فإن سعي الولاياتالمتحدة إلى احتكار العدالة الدولية أو لعب دور القاضي الدولي أو الشرطي الدولي وتشكيل تحالف دولي لخدمة أهدافها ومصالحها السياسية ومشاريعها الاستتباعية “الامبراطورية" وضع العالم على شفير حرب عالمية.
وإذا كانت ذريعة “مكافحة الارهاب" أو القضاء على محور الشر أو نشر قيم الحرية والديمقراطية مبررة أو “مقبولة" عند البعض، إلا أنه بعد غزو افغانستان واحتلال العراق واتساع رقعة الارهاب على المستوى الدولي جعل “مشروعية" العدالة الدولية أمام سؤال كبير، خصوصاً المفارقات التي رافقتها والمسوّغات التي تم التعكّز عليها، لاسيما تحوّل الوعود بنعيم الحرية وربيع الديمقراطية إلى كوابيس مستمرة وعنف متواصل وتجاوز صارخ على حقوق الانسان، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الموقف من تأسيس “المحكمة الجنائية الدولية" العام ،1998 فسيصبح المشهد دراماتيكياً إلى أبعد الحدود.
وإذا كان الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عام ،1948 قد أصبح شجرة وارفة تفرّع منها نحو 100 “مائة" معاهدة واتفاقية دولية ملزمة، تعتبر رصيداً كبيراً على الصعيد الانساني، الأمر الذي يمكن النظر اليه بخصوص نظام محكمة روما رغم أنه تأسس خارج نطاق الأممالمتحدة، الاّ أنه يعتبر خطوة كبيرة ومهمة على صعيد الاقتراب من العدالة الدولية مستقبلاً، حيث اصبحت استحقاقاتها مسألة قانونية ملحة على النطاق الكوني، إضافة إلى أبعادها الاخلاقية، فقد ظل نظام القانوني الدولي يعاني من نقص شديد في ما يتعلق بالعدالة الدولية على صعيد دائم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى ابرام النظام الاساسي لميثاق روما ودخوله حيّز التنفيذ في إبريل/نيسان ،2002 حيث بدأ العمل به في يوليو/تموز من العام ذاته بعد مصادقة 60 دولة عليه وجرى الاعلان عنه في نيويورك بمقر الأممالمتحدة واعتبرت لاهاي (هولندا) مقراً للمحكمة.
وقد وصفت ماري روبنسون المفوضة العليا لحقوق الانسان آنذاك إنشاء نظام المحكمة بأنه “حدث تاريخي"، وهو ما اعتبره كوفي أنان الامين العام السابق للأمم المتحدة “خطوة عملاقة نحو شمولية القانون والسياسة"، رغم أن العديد من الدول الكبرى لاسيما بعض اعضاء مجلس الأمن الدائمين عارضوا إنشاء نظام المحكمة الجنائية الدولية أو تحفظوا عليه أو لم يصادقوا حين وقعوا، الاّ أن انشاء المحكمة ودخولها حيز التنفيذ رغم المعارضات الشديدة يعتبر بحد ذاته أحد التطورات المهمة والواعدة وربما أحد أكبر التحديات التي سيشهدها القرن الحادي والعشرين على المستوى الدولي، إذ لم يعد الاحتكام إلى قواعد حقوق الانسان كافياً لتصنيف درجة رقي وتقدم البلدان، إن لم يكن يشمل التواؤم مع مبادئ العدالة الدولية، وهو الأمر الذي قد يأتي لاحقاً بازدياد فاعلية احترام حقوق الانسان والعدالة الدولية واعتبارها قواعد ملزمة وآمرة على الصعيد العالمي.
لقد عارضت الولاياتالمتحدة تأسيس محكمة دولية جنائية دائمة، إلا أنها فشلت في ثني المجتمع الدولي عن المضي في هذا الطريق، فاضطرت إلى التوقيع في اللحظات الاخيرة قبيل إغلاق باب التوقيع في يوم 31/12/2000 لكنها بعد ذلك امتنعت عن التصديق، وأعلنت أن من غير المطروح أن يتم صرف دولار واحد من موازنة الاممالمتحدة لتمويل المحكمة، وقد عبّر السفير الامريكي لشؤون جرائم الحرب ريتشارد بروسبر عن معارضته الشديدة تلك أمام لجنة من الكونجرس وذلك حين قال “إن الولاياتالمتحدة لا يمكنها أن تدعم محكمة لا تملك الضمانات الضرورية لمنع تسييس العدالة".
وتبرر واشنطن رفضها بأن من الأفضل في كل الحالات الاعتماد على الهيئات القضائية الوطنية لمحاكمة جرائم الحرب ومساعدتها إن اقتضت الضرورة للقيام بمهماتها، وإن لم يتسن ذلك فمحاكمة مثل محاكمات يوغوسلافيا وراوندا تصبح ممكنة وولايتها محددة وزمنها مرتبطاً بحدث محدد وبقرار محدد.
وتحت هذا المبرر أقدمت واشنطن على الانسحاب من المحاكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يعكس فشلها بخصوص عرقلة إتمام المعاهدة ودخولها حيز التنفيذ، ناهيكم عن التوقيع عليها اضطراراً ومن ثم المساهمة في إضعاف نظامها الاساسي من خلال الكثير من الضغوط التي مارستها، لكنه من جهة أخرى يعكس إرادة المجتمع الدولي وتطور الفكر الحقوقي ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الانسان على المضي لإتمام انجاز المحكمة ودخوله حيز التنفيذ، كما يعكس دور الممانعة الأوروبية لسياسات واشنطن فيما يتعلق بموضوع العدالة الدولية.
ورغم الاعتقاد الذي ساد لدى بعض الأوساط الدبلوماسية باحتمال تغيير واشنطن لموقفها أو حلحلته إثر حملتها ضد “الارهاب الدولي" بعد أحداث سبتمبر/أيلول الإجرامية، خصوصاً وأنها تعكّزت على مسألة محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الارهاب الدولي، إلاّ أن مثل هذا الاعتقاد لم يكن صائباً وبدد الانتظار بشأنه عدم تصديق الولاياتالمتحدة على المعاهدة وتصريح بروسبر الذي قال: “إن تلك الأحداث (المقصود بها الأعمال الإرهابية التي راح ضحيتها 3 آلاف شخص في الولاياتالمتحدة) لم تغير وجهة نظرنا". ولعل إعلان الولاياتالمتحدة انسحابها بالطريقة التي تمت بأنه رد فعل سلبي صارخ لا يليق بدولة عظمى مثل الولاياتالمتحدة.
ومن اللافت للنظر أن “إسرائيل" هي الأخرى عارضت انشاء المحكمة، ولكنها اضطرت إلى التوقيع على نظامها عشية اغلاق باب التوقيع ولم تصادق عليها وانسحبت منها لاحقاً ليس بسبب اعمال ارتكبت في الماضي بل نظراً للجرائم المستمرة لاسيما تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية والارتكابات بحق السكان المدنيين في جنين ونابلس ورام الله والخليل ومحاصرة غزة وتدمير البنية التحتية بالضد من اتفاقيات جنيف لعام 1949 لاسيما الاتفاقية الرابعة وملحقها البروتوكول الاول لعام 1977 الخاص بحماية ضحايا المنازعات الدولية المسلحة.
وإذا كان موقف “إسرائيل" مفهوماً فلماذا لم تصدّق على نظام محكمة روما سوى دولتين عربيتين هما الاردن وجيبوتي؟ في حين وقعت ولم تصدّق كل من الجزائر ومصر والمغرب والبحرين والكويت وعُمان واليمن، ولا تزال العديد من الدول العربية خارج نطاق التوقيع، بل إن بلداً مثل العراق وقّع على نظام محكمة روما في خطوة مفاجئة لكنه عاد وانسحب منه بعد اسبوعين من دون أن يقدم مبررات أو تفسيرات رغم انها معروفة.
إن أسباب معارضة الولاياتالمتحدة لفكرة انشاء محكمة جنائية دولية دائمة تعود إلى استدراكها مسبقاً لمسألة تعريض جنودها للمساءلة خصوصاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الانسانية أو جرائم الابادة الجماعية التي يمكن أن تتهم بها سواءً من خلال سير العمليات الحربية العدوانية وما تبعها من احتلال من جهة، أو ما حصل في سجون غوانتانامو وأبو غريب والسجون السرية الطائرة في اوروبا، وذلك طبقاً لنظام محكمة روما، لكن مواقف البلدان العربية وحججها تعود إلى أسباب أخرى منها تخوّفاتها بشأن ولاية المحكمة ومسألة السيادة التي قد تنسحب نتائجها على بعض الانتهاكات السافرة لحقوق الانسان، الأمر الذي قد يعطي مسوّغات للتدخل الدولي بما فيها استخدام القوة، في حين أن مسار العدالة الدولية واللحاق بركب الحضارة والتقدم يقتضيان احترام حقوق الانسان وعدم هدرها، الأمر الذي يقلل من فرص التدخل الخارجي أو يسقط الذرائع والحجج التي يستند إليها أحياناً. عن صحيفة الخليج الاماراتية 18/6/2008