■ كتب: حسن حافظ بقعة مباركة شارك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفر أساسها ورفع شعارها وإطلاق نداء الله أكبر منها، لتكون أول مسجد جامع فى إفريقيا كلها ليتحول المكان الذى كان فراغًا مجهولًا إلى منارة علمية ودينية عالمية، هكذا كان جامع عمرو بن العاص الذى يجبرك برحابه الروحانية التى يفرضها عليك فور دخول بوابته على تذكر الماضى الذى كان فيه النقطة التى انطلق منها نور الإسلام لينتشر في القارة الإفريقية والأوروبية، وكيف استحق عن جدارة لقب «تاج الجوامع». عندما تقف أمام بوابة جامع عمرو بن العاص فأنت تقف على بقعة تحكى قصة الإسلام الممتدة في مصر، فهنا بعد أن أتم الجيش العربي فتح مصر، وُضع أساس الجامع الرئيسى لمدينة الفسطاط أول عاصمة إسلامية فى 21 ه/ 642م، وشارك فى تحديد قبلة وبناء الجامع نحو 80 صحابيًا، أبرزهم الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود وعبادة ابن الصامت وأبو الدرداء، فعُرف الجامع أولا باسم جامع الفتح، ثم أصبح اسمه الأشهر هو جامع عمرو ابن العاص، ومع انتشار بناء الجوامع فى العاصمة الإسلامية عرف أيضا باسم الجامع العتيق، ورُويت الروايات عن بعض المواضع فى الجامع يقبل فيها الدعاء. ◄ اقرأ أيضًا | مصطفى عبد السلام: سيدنا يونس علمنا أن النجاة تبدأ بالاعتراف بظلم النفس تأسرك عمارة الجامع العتيق ببساطتها، لا توجد هنا زخرفة زائدة أو بهرجة، بل عمارة تحمل عطر نحو 80 صحابيا شاركوا فى وضع أساس الجامع الذى صُدح بصوت الحق من على سطحه، لكن البناء الحالى رغم أنه حافظ على البساطة المعمارية إلا أنه ليس من بناء الصحابة، فالجامع العتيق شهد الكثير من الأحداث الجسام وكان معاصرا لتغير الدول والحكام، فناله بعض الأذى، فمرة تطوى النار بنيانه ومرة يذهب الإهمال بأركانه، ولكن فى كل مرة كان الجامع يقترب من الزوال يعود كعنقاء لا تعرف الفناء إلى ذروة المجد من جديد. كان بناء الجامع الأول بسيطًا فلم يكن له محراب مجوف ولا مئذنة ولا فرش، بحسب حسن عبدالوهاب فى كتابه «تاريخ المساجد الأثرية»، لكن سرعان ما عرف الجامع تطورا كبيرا فى العصور التالية، وزادت مساحته وبنيت له مئذنة وتوالت عمليات البناء فى الجامع فى العصور الأموية والعباسية والطولونية والإخشيدية والفاطمية والمملوكية، لكن الجامع تعرض إلى الإهمال فى العصر العثمانى وكاد أن يندثر لولا أن أعاد إعماره الأمير مراد بك العام 1797م، وبنى له مئذنتين باقيتين إلى يوم الناس هذا، فالجامع ببنائه الحالى يعود إلى نهاية العصر العثمانى. من جانبه يقول الباحث التاريخى عبد الرحمن الطويل مؤلف كتاب «الفسطاط وأبوابها» إن جامع عمرو بن العاص يمثل حالة خاصة جدا كونه أقدم مسجد جامع تقام فيه صلوات الجمعة والعيدين فى مصر وإفريقيا كلها، ولا عبرة لمن يرى بأسبقية مسجد سادات قريش ببلبيس فى محافظة الشرقية، فالمسجد الجامع لا يُبنى إلا بعد استقرار الفتح العربى للإقليم، وهذا لم يحدث إلا بعد فتح الإسكندرية وطرد الروم من مصر، فجامع عمرو الذى بُنى فى قلب مدينة الفسطاط العاصمة الإسلامية الأولى، هو أول جامع يُبنى فى البلاد بعد استقرار الفتح، كما أنه أول جامع تقام فيه صلوات الجمعة والعيدين. وأشار الطويل إلى أن مكانة جامع عمرو بن العاص تعود إلى كونه من بناء صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما أن الجامع لعب الدور الأبرز فى نشر العلوم الإسلامية والعربية، فالجامع كان بمثابة الجامعة التى ألقى فيها أبرز العلماء دروس الفقه وتفسير القرآن والحديث النبوى واللغة، فالإمام الشافعى ألقى دروسه الفقهية فى هذا الجامع، ومدرسة المالكية فى مصر انطلقت من الجامع لتنتشر فى بلاد المغرب والأندلس، وظل الجامع منارة علمية لأكثر من 500 عام، حتى ورث مكانته جامع الأزهر.