◄ العمر الجيولوجى للحفرية يساعدنا فى فهم مراحل تطور القردة العليا ◄ «شجرة النسب» أكدت أن «مصريبثيكس» لا يشبه أى نوع معروف بين رمال وادي المغرة في الصحراء الغربية كانت حرارة الشمس اللاهبة والعقارب جزءًا من يوميات فريق البحث.. كل خطوة كانت تتطلب صبرًا وإصرارًا، كأنهم يبحثون عن ضرس خلعه إنسان ورماه في الصحراء منذ 18 مليون سنة، فكل أثر صغير يحمل مفتاحًا لفهم الماضي البعيد.. وتحت قيادة الدكتورة شروق الأشقر الباحثة بمركز الحفريات الفقارية تمكن الفريق من اكتشاف نوع جديد من أسلاف القردة العليا فى أول دليل مؤكد على وجودها فى شمال إفريقيا، وأطلقوا عليه اسم «مصريبثيكس مغراينسيس». وفى إنجاز علمى نادر نشر الفريق الدولى بقيادة جامعة المنصورة الدراسة فى مجلة Science، لتصبح الأشقر أول باحثة مصرية تقود بحثًا من داخل مؤسسة مصرية فى هذه المجلة المرموقة.. وفى هذا الحوار الذى أجرته معها «آخر ساعة»، تفتح الأشقر ملفات الاكتشاف، من الشك الأول إلى اليقين العلمى، مرورًا بتحديات الصحراء، وصولًا إلى إعادة طرح سؤال قديم بإجابات جديدة: أين بدأت حكاية القردة العليا؟ ■ الدكتورة شروق الأشقر ◄ متى تأكدتِ أن الحفرية التى تم العثور عليها تعود إلى نوع جديد لم يسبق اكتشافه؟ وما أهم الأدلة التى دعمت تصنيف «مصريبثيكس» كنوع مستقل؟ منذ اللحظة الأولى التى رأيت فيها الحفرية كان هناك إحساس علمى قوى بأنها ليست مجرد عينة عادية.. ببساطة لم يُسجل من قبل اكتشاف حفريات مؤكدة للقردة العليا فى شمال إفريقيا، بالتالى فإن أى عينة من هذه المنطقة تُعد، مبدئيًا، مرشحة لأن تكون نوعًا جديدًا، مضيفة أن العلم لا يقوم على الانطباعات، لذا فقد بدأنا بالمقارنة الدقيقة مع جميع الحفريات المعروفة، خاصة تلك المكتشفة فى شرق إفريقيا، فى كينيا وأوغندا، والتى كانت تمثل المرجع الأساسى لدراسة تطور القردة العليا، وكانت المفاجأة أن الحفرية تختلف بشكل واضح عن كل ما هو مسجل. وبعد ذلك، أجرينا تحليلات فيلوجينية متقدمة - أى دراسات لإعادة بناء شجرة النسب التطورية - وأظهرت النتائج أن «مصريبثيكس» لا يشبه أى نوع معروف، بل يحتل موقعًا مميزًا على الشجرة التطورية، ما أكد أنه نوع مستقل تمامًا. ◄ لماذا يمثل هذا الاكتشاف نقطة تحول فى دراسة تطور القردة العليا؟ لأكثر من نصف قرن ظل العلماء يحاولون الإجابة عن سؤالين أساسيين: أين نشأت القردة العليا؟ ومتى بدأ تطورها؟ والمشكلة أن معظم الأدلة الأحفورية جاءت من منطقة واحدة تقريبًا، وهى شرق إفريقيا، وهذا التمركز الجغرافى جعل الصورة ناقصة، لأنك تبنى نظرية كاملة اعتمادًا على جزء محدود من الخريطة. والحقيقة أن اكتشاف «مصريبثيكس» فى شمال إفريقيا يغير هذه المعادلة، فنحن هنا لا نضيف مجرد نقطة جديدة على الخريطة، بل نفتح بابًا لسيناريو مختلف، يضع شمال إفريقيا والشرق الأوسط فى قلب النقاش العلمى حول نشأة القردة العليا. ■ رسم توضيحي ل مصريبثيكس (من إعداد ماوريسيو أنطون) ◄ الدراسة اعتمدت على منهج تحليلي غير تقليدي.. كيف تم ذلك؟ ما يميز هذه الدراسة المنهج المتكامل، فقد اعتمدنا على تحليل يُعد من الأكثر شمولًا حتى الآن فى هذا المجال، حيث قمنا بدمج بيانات جينية ضخمة - حوالى 60 ألف قاعدة وراثية من 67 جينًا نوويًا و10 جينات ميتوكوندرية من القردة الحديثة - مع 268 صفة تشريحية من القردة الحديثة والمنقرضة، بالإضافة إلى الأعمار الجيولوجية للحفريات، ورغم أن الحفرية نفسها لا تحتوى على حمض نووى محفوظ، فإن استخدام هذا الكم من البيانات الجينية سمح لنا ببناء شجرة تطورية دقيقة للغاية، ثم تحديد موقع الحفرية عليها بثقة إحصائية عالية، وهذه المقاربة التى تجمع بين الجينات والتشريح والزمن الجيولوجى، تمثل نقلة نوعية فى دراسة تطور القردة العليا. ■ قطعة من الفك السفلي ل مصريبثيكس تحتوي على الضرس الثالث الأيمن لحظة اكتشافها ◄ وماذا كشفت هذه التحليلات عن أصول القردة العليا؟ النتائج التى توصلنا إليها والتى نُشرت فى مجلة « «Science تشير إلى أن أصول القردة العليا الحديثة مثل الشمبانزى والغوريلا وإنسان الغاب، قد تكون مرتبطة بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وهذا الطرح لا ينفى دور شرق إفريقيا، لكنه يعيد توزيع الأدوار على الخريطة التطورية، إذ لم تعد القصة حكرًا على منطقة واحدة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا وثراءً. ◄ ماذا عن الحفرية نفسها؟ ماذا تخبرنا عن «مصريبثيكس»؟ رغم أن الحفرية تتكون من أجزاء من الفك والأسنان فقط، فإنها تحمل معلومات غنية، إذ تُظهر هذه الأجزاء أن الكائن كان يمتلك جهاز مضغ قويا، ونظامًا غذائيًا مرنًا يعتمد أساسًا على الفواكه، مع القدرة على التعامل مع أطعمة أكثر صلابة. هذه المرونة الغذائية تُعد من السمات المهمة التى ساعدت القردة العليا لاحقًا على التكيف مع بيئات مختلفة، وهى أحد مفاتيح نجاحها التطوري. ■ قطعة من الفك السفلي ل مصريبثيكس تحتوي على الضرسين الثاني والثالث الأيمنين لحظة الاكتشاف ◄ إلى أي مدى يلعب العمر الجيولوجى للحفرية دورًا فى هذا الاكتشاف؟ العمر عنصر حاسم، فالحفرية تعود إلى نحو 18 مليون سنة، أى إلى العصر الميوسينى المبكر، وهو من أهم الفترات فى تاريخ القردة العليا، حيث شهدت تنوعًا وانتشارًا كبيرين، فى ذلك الوقت كان التنوع البيولوجى للقردة العليا أكبر بكثير مما هو عليه اليوم، لذا فإن دراسة هذه الفترة تساعدنا على فهم المراحل المبكرة من تطورها، قبل أن تنحصر فى عدد محدود من الأنواع كما نرى الآن. ◄ دعينا نعود بالزمن قليلًا إلى الوراء.. كيف بدأت رحلة البحث عن هذه الحفرية؟ رحلة البحث لم تكن سهلة على الإطلاق، فقد بدأنا العمل بمنطقة «وادى المغرة» منذ عام 2021، وكنا نعتقد أن هناك شيئًا مهمًا ينتظرنا، لكن التحدى كان فى العثور عليه، أحيانًا أصف الأمر بتشبيه بسيط.. كأن شخصًا خلع ضرسه منذ 18 مليون سنة وألقاه فى الصحراء، ثم نأتى نحن اليوم لنبحث عنه وسط الرمال.. هذا هو حجم الصعوبة التى نواجهها. وعمومًا استمر البحث لسنوات، مع رحلات ميدانية متكررة، حتى جاء الاكتشاف فى عام 2024 بعد إصرار طويل. ◄ ماذا عن التحديات الميدانية؟ كيف كانت الحياة فى موقع التنقيب؟ التحديات لم تكن علمية فقط، بل كانت إنسانية وبيئية أيضًا.. على سبيل المثال درجات الحرارة فى الصحراء كانت قاسية جدًا، وأذكر أننا فى إحدى المرات قررنا طهو بيض، ففوجئنا بأنه نضج من شدة حرارة الشمس قبل أن نضعه على النار لسلقه! كما واجهنا وجود العقارب فى الموقع، وهو أمر طبيعى فى بيئة صحراوية، وكنا نتعامل معها بحذر شديد، وفى بعض الأحيان كنا نجمعها ونضعها فى برطمانات أثناء العمل، ثم نعيد إطلاقها مرة أخرى فى الصحراء بعد انتهاء مهمتنا، لأن هذا هو موطنها الطبيعي، ولأننا حريصون على الحفاظ على التنوع البيولوجى فى المكان. ◄ كيف استقبل المجتمع العلمي هذا الاكتشاف؟ النشر فى مجلة «Science» بحد ذاته مؤشر قوى على أهمية العمل، نظرًا لصرامة التحكيم وانخفاض نسبة القبول، لكن الأهم هو ردود الفعل بعد النشر، والتى كانت إيجابية للغاية، فالكثير من الباحثين أشادوا بالمنهج التحليلى الذى اعتمدناه، وبقدرتنا على سد فجوة جغرافية ومورفولوجية فى دراسة القردة العليا، كما أن تسليط الضوء على شمال أفريقيا كمنطقة مهمة فى هذا السياق كان محل اهتمام واسع. ◄ اسم «مصريبثيكس مغراينسيس» يحمل دلالات خاصة.. كيف تم اختياره؟ حرصنا على أن يعكس الاسم الهوية المصرية للاكتشاف، حيث إن اسم الجنس «مصريبثيكس» يتكون من «مصر» والكلمة اليونانية pithecus التى تعنى «قرد»، بينما يشير اسم النوع «مغراينسيس» إلى وادى المغرة، «موقع الاكتشاف». وبهذا يحمل الاسم بصمة المكان والهوية ويُخلد موقع الاكتشاف فى السجل العلمى العالمى. ◄ ماذا يعنى لك هذا الإنجاز على المستوى الشخصي؟ يعنى لى الكثير.. أن تحمل الدراسة اسم مصر، وأن تُنشر فى مجلة كبرى مثل «Science» هو شعور لا يمكن وصفه بسهولة. وهذا الإنجاز ليس فرديًا، بل هو نتيجة عمل فريق كامل، ودعم مؤسسة آمنت بأهمية البحث العلمي، لكن على المستوى الشخصى، أشعر بفخر عميق أن أكون جزءًا من هذا العمل، وأن أُسهم فى تقديم صورة مختلفة عن قدرة الباحث المصرى، وأن أقدم شيئًا ولو بسيطًا لوطنى. ◄ كيف بدأت رحلتك في علم الحفريات؟ بدأت منذ نحو 11 عامًا عندما قررت التخصص فى هذا المجال خلال دراستى للماجستير والدكتوراه وما جذبنى هو فكرة أننا ندرس الحياة قبل ملايين السنين، ونحاول فهم كيف عاشت الكائنات وكيف تكيفت مع التغيرات البيئية وكيف أثرت التغيرات المناخية على بقائها أو انقراضها، وأنا دائمًا أقول: «الأرض تتكلم، ونحن نترجم حكاياتها». ◄ كيف توفقين بين حياتك الشخصية ومتطلبات العمل الميداني؟ التوازن ليس سهلًا، لكنه ممكن، فعندما كانت بناتى صغيرات كنت أحيانًا أصطحبهن معى فى بعض الرحلات العلمية، حتى يفهمن طبيعة عملى ويقدّرن ما أقوم به. واليوم هناك نوع من التفاهم، ففى أوقات الامتحانات أو المرض، تكون الأولوية للأسرة، وفى المقابل هناك التزام واضح بوقت العمل.. هو توازن دقيق وربما صعب فى التطبيق، لكنه ضرورى للاستمرار. ◄ ما الخطوة التالية بعد «مصريبثيكس»؟ ما زلنا فى بداية الطريق، والهدف الآن العثور على المزيد من الحفريات، واستكشاف مناطق جديدة لم تُدرس من قبل، فالصحراء لا تزال تخفى الكثير من الأسرار، وهذا الاكتشاف يؤكد أن لدينا فى مصر إمكانات كبيرة لإنتاج معرفة علمية أصلية قادرة على المنافسة عالميًا.