في إنجاز علمي جديد يرسخ مكانة مصر كمهد للتاريخ الطبيعي ويكشف عن أسرار جيولوجية وتطورية تعود لملايين السنين، أعلن فريق بحثي مصري من مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية عن اكتشاف نوع جديد من أسلاف القردة العليا، عاش قبل نحو 18 مليون سنة في منطقة الصحراء الغربية بمصر. وكشفت الدكتورة شروق الأشقر، الباحثة بالمركز والمؤلف الرئيسي للدراسة، في مداخلة هاتفية ببرنامج الحياة اليوم، عن تفاصيل هذا الكشف التاريخي، موضحة أن الحفرية المكتشفة تعود لنوع جديد تماماً من أسلاف القردة العليا (التي تشمل الشمبانزي، الغوريلا، إنسان الغاب، وأسلافها)، وقد عُثر على هذه الحفرية في صخور منطقة "وادي المغرة" بمنخفض القطارة في الصحراء الغربية.
"مصر بيثيكس".. تكريم لاسم مصر وأوضحت د. الأشقر أنه نظراً لكونه نوعاً جديداً يكتشف لأول مرة، فقد مُنح الفريق البحثي حق تسميته، ليُطلق عليه اسم "مصر بيثيكس" (Masrpithecus)، وهو مقطع يتكون من كلمة "مصر" تكريماً للدولة المصرية، وكلمة "بيثيكس" (Pithecus) اللاتينية التي تعني "قرد"، ليصبح المعنى "القرد المصري".
تغيير جذري في نظريات التطور وأكدت الباحثة أن الأهمية الكبرى لهذا الاكتشاف تكمن في تغييره الجذري للسيناريوهات العلمية السابقة حول منشأ القردة العليا؛ ففي حين كانت النظريات السائدة تفترض أن أصل هذه الكائنات يعود حصراً إلى شرق إفريقيا (تحديداً كينيا وأوغندا)، قدم هذا البحث نظرية جديدة تثبت أن المنشأ الحقيقي للقردة العليا الحالية يعود إلى منطقة شمال إفريقيا والمنطقة العربية (الشرق الأوسط). وفسرت الأشقر هذا الانتقال الجغرافي بأنه "سيناريو واقعي"، حيث كانت قاراتا آسيا وإفريقيا متصلتين في تلك الحقبة الزمنية نتيجة انخفاض مستوى سطح البحر، مما خلق مسارات أرضية طبيعية سمحت للكائنات البرية بالهجرة والانتقال بين القارتين، وأشارت إلى أن "مصر بيثيكس" يُعد هو الكائن الأقرب لأسلاف القردة العليا الحية مقارنة بأي قردة عليا تم اكتشافها سابقاً.
نشر في مجلة "Science" العالمية وتتويجاً لقوة هذا البحث وأهميته الاستثنائية، تم نشر نتائج الدراسة في مجلة "Science" الأمريكية العريقة، والتي تُعد أكبر وأهم مجلة علمية على مستوى العالم وذات معامل التأثير الأقوى في مجال النشر العلمي. وحول مستقبل البحث في هذا المجال، صرحت د. الأشقر أن هذا الاكتشاف يفتح نافذة جغرافية وتطورية جديدة، مشيرة إلى أن الفريق يطمح لتوسيع دائرة الاستكشاف في المنطقة، وقالت: "نحن كفريق نبحث عن تعميق دراساتنا واستكشاف حفريات إضافية في هذه المنطقة البكر، هذه هي المرة الأولى التي يُكتشف فيها حفرية للقردة العليا في شمال إفريقيا بأكملها". وأضافت أن الفريق عثر حتى الآن على أجزاء من الفك، ويأملون في العثور مستقبلاً على أجزاء من الجمجمة والأطراف لاستكمال الصورة التشريحية لهذا الكائن.
مصر.. خزانة كنوز التراث الطبيعي واختتمت الدكتورة شروق الأشقر حديثها بالتأكيد على الثراء الكبير الذي تتمتع به الصحارى المصرية في مجال الحفريات، واصفة إياها بأنها "تحمل كنوزاً من التراث الطبيعي الذي يكشف أسرار الحياة قبل ظهور الإنسان". وضربت أمثلة بعدة مناطق مصرية رائدة في هذا المجال، مثل "منطقة الفيوم" التي تُعد الأغنى عالمياً في إنتاج حفريات الثدييات لحقبة زمنية معينة، و"وادي الحيتان"، بالإضافة إلى الواحات البحرية والداخلة والخارجة التي تحوي حفريات لديناصورات، فضلاً عن الصحراء الشرقية التي شهدت بعثات استكشافية لدراسة أسماك ما قبل التاريخ.