تفتقد المكتبة العربية للمراجع المترجمة.. أو المصادر الموثقة حول المحكمة الجنائية الدولية.. علي الرغم مما يثار عن استخدام واستثمار مجلس الأمن لكيانها واختصاصاتها في مواجهة جرائم الحرب والابادة الانسانية خاصة بعد انشائه لها ودخول نظامها لحيز التنفيذ. وإذا كانت اختصاصات المحكمة الجنائية الدولية تعتبر مكملة للمحاكم الوطنية.. وتسعي لملاحقة الجرائم التي تدخل في اختصاصاتها بنفسها إذا ما استشعرت قصورا في ذلك من النظم أو المحاكم القضائية الداخلية في الدول التي تستهدفها بنشاطها.. إلا انها تحاط في نفس الوقت رغم حداثة عهدها بموجة من المناهضة والمخاوف إما لخطورة دورها أو اتهامها بالمساس بسيادة الدول والتدخل في شئونها الداخلية. وإذا كان كوفي عنان - الأمين العام السابق للأمم المتحدة - قد عبر في مؤتمر الأممالمتحدة في روما عام 1998 والذي حضره جانب كبير من ممثلي دول العالم عن النجاح في تشكيل تلك المحكمة بمقولته الشهيرة "انها منحة أمل للأجيال القادمة، وخطوة عملاقة باتجاه التقدم في مسيرة حقوق الانسان العالمية وحكم القانون". وذلك اعتقادًا منه وحضور المؤتمر والموقعون علي قراراته بأن الألفية الثالثة لابد أن تستأصل.. الجرائم ضد الانسانية وتؤكد التزام العالم بالقانون والعدالة، وذلك بمحاكمة اسوأ مجرمي العالم ومعاقبتهم باسم المجموعة الدولية، وأن مرتكبي تلك الجرائم لابد أن يفتقدوا الأمن حيث سيتم ملاحقتهم أينما كانوا.. إلا أن المشاكل وصعوبات التنفيذ مازالت تحول دون مقولته وآماله. وإذا كان هناك اختلاف واضح علي الصعيد الدولي بين محكمة العدل الدولية التي اهتمت هيئة الأممالمتحدة أيضا بانشائها، والتي تختص فقط بفض المنازعات سلميا بين الدول - بينما تعد المحكمة الجنائية الدولية ذات اختصاص مختلف.. بملاحقتها للأفراد المرتكبين لانتهاكات اجرامية للقانون الدولي الانساني تنظر في شكاوي الأفراد بل وتبني أحكامها علي أساس المسئولية الفردية، وبذلك يصير نطاق اختصاصها غير محدد.. لا جغرافيا.. أو زمنيا.. فإنه من الأهمية التفرقة بين المحكمتين في الاختصاص والأهداف. ومن هنا.. يكون من الأفضل - موضوعيا وتاريخيا.. أن يمتد التعريف بالمحكمة الجنائية الدولية واختصاصاتها وأدواتها.. لبيان وإيضاح الحقائق التالية: 1- عندما تأسست المحكمة الجنائية الدولية بموجب اتفاقية متعددة الأطراف في روما عام 1998 - شملت "معاهدة روما" النصوص اللازمة لتأصيل جوانب القانون الدولي الإنساني في إطار مؤسسي بحيث تنهي "مفهوم الحصانة والافلات من العقاب". 2- يمتد اختصاص تلك المحكمة - من خلال آلية تطبيق دولية قانونية - لتشمل الجرائم الخطرة التي عالجتها اتفاقيات جنيف الأربع والبروتوكولات الملحقة بها بحيث تتنامي قدرات تلك المحكمة لحماية الاتفاقات والمعاهدات الدولية لحماية حقوق الانسان، وبالتالي تعالج أي عجز للدول المعنية لتطبيق تلك المعاهدات والاتفاقيات أو أي قصور في محاكمها الوطنية عن مواجهة تلك الجرائم الخطرة. 3- من صلاحيات المحكمة أيضا.. أن تحيل الجرائم للمرة الأولي إلي محكمة دولية دون اشتراط موافقة الطرف المدعي عليه. 4- علي الرغم من أن مؤتمر المفوضين الدبلوماسيين لاقرار النظام الأساسي للمحكمة والذي عقد بمنظمة الأممالمتحدة للأغذية والزراعة في روما "15 يونيو 1998" وشارك فيه 160 ممثل دولة، 17 منظمة حكومية، 338 منظمة غير حكومية.. وبذل القائمون علي إدارته جهودا مضنية لانجاحه والخروج باتفاقية كاملة ودولية لتنفيذه إلا أن بعض الأحداث والمواقف الهامة والمناورات السياسية قد أثرت كثيرًا علي مجريات أموره.. من أبرزها: أ- حرص المجموعة العربية من خلال مشاركتها في المؤتمر علي تضمين النظام الأساسي أحكامًا تتعلق بالصراع العربي - الاسرائيلي وفي مقدمتها تجريم الاستيطان، وذلك في الفقرة الثامنة من المادة الثامنة المتعلقة بجرائم الحرب.. إلا أن اسرائيل اعترضت واعتبرت أن المحكمة ستستغل كأداة سياسية اضافية في نزاع الشرق الأوسط. ب- كادت الدول العربية تقع في فخ غير محسوب وكاد يسجل إسقاطه انتصارًا لاسرائيل والدول النووية عندما طالبت بتثبيت الفقرة 20 من المادة 8 التي تجرم استخدام الأسلحة المحظورة المسببة لضرر زائد، وذلك بعد مرور سبع سنوات علي بدء نفاذ النظام الأساسي، وذلك في اشارة إلي الاسلحة النووية بعد أن كان استخدام الأسلحة الكيميائية والبيولوجية فقط!! حتي آخر لحظة من لحظات المؤتمر يعد جريمة حرب!! ج - السعي لاستبعاد جريمة العدوان من النص النهائي للنظام الأساسي من الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن إلا أن المجموعة العربية بمساعدة مجموعة دول عدم الانحياز نجحت في إيجاد حل وسط قضي في النهاية باستبعاد هذه الجريمة لمدة سبع سنوات فقط من بدء تنفيذ النظام الأساسي لتعود بعد انقضائها وتدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية!! وإن كانت تلك الحلول التوفيقية والتي لم تشر إلي الأسلحة النووية وضرورة تحريمها صراحة.. كما علقت تنفيذ جريمة العدوان لفترة أدت إلي قصور واضح في بعض بنود النظام الأساسي لمعاهدة "روما" الخاصة بانشاء تلك المحكمة. د- إلا انه تجدر الاشارة إلي أن الدول العربية وجدت تأمينا لسيادتها وحماية لإرادتها فاشترطت لممارسة المحكمة لصلاحياتها داخل أراضيها ضرورة ربطها بقوانينها الداخلية الوطنية خاصة فيما يتعلق بالقاء القبض علي المتهمين، والنزاعات الداخلية التي يكون للمحكمة يد فيها.. مع حق الدولة في الدفاع عن سيادتها والحفاظ علي وحدتها. ه -وعلي الرغم من المعارضة الشديدة للولايات المتحدةالأمريكية حول اختصاصات المحكمة وصلاحيات المدعي العام مما كاد يفشل معه مشروع انشاء المحكمة إلا أنه بعد خمسة اسابيع من المناقشات المكثفة بين ممثلي الدول نجح المؤتمر فقد صوتت 120 دولة لصالح النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في حين صوتت 7 دول ضده، وامتنعت 21 دولة عن التصويت، وكان في بين الدول الرافضة للنظام الأساسي "الصين - الولاياتالمتحدةالأمريكية - اسرائيل" أما الممتنعة عن التصويت فكانت بعض دول الكومنولث الكاريبية وعدد من الدول العربية والاسلامية. هذا وقد فتح باب التوقيع علي النظام الأساسي للمحكمة في عام 1998 بمقر الأممالمتحدةبروما ثم الخارجية الايطالية في السنة ذاتها ثم أعطيت الدول مهلة حتي اواخر عام 2000 للتوقيع علي المعاهدة في مقر الأممالمتحدة في نيويورك ثم دعيت الدول الرافضة أيضا للانضمام للمعاهدة ثم التوقيع عليها ومن هنا وقعت الولاياتالمتحدةالأمريكية واسرائيل عليها.. بعد ذلك!! وقد اعترضت إدارة الرئيس بوش علي توقيع إدارة الرئيس كلينتون علي المعاهدة عام 2000 - وذلك بعد اسبوعين من توقيع الادارة الأخيرة وتولي الرئيس بوش رئاسة الولاياتالمتحدةالأمريكية - والذي قدم بيانا للأمم المتحدة يعلن فيه صراحة رفض إدارته للانضمام للمحكمة وبالتالي عدم التزامها بالموجبات القانونية المترتبة علي توقيع إدارة الرئيس كلينتون عليها!! بحجة حماية مواطنيها العاملين في حفظ السلام وتفضيلها المساعي الدبلوماسية الثنائية حول العالم لعقد اتفاقيات تحمي مواطنيها من "المحاكمة" أمام المحكمة الجنائية الدولية.. مستغلة في ذلك المادة 98 فقرة 22 من النظام الأساسي لاتفاقية روما والذي يمنع المحكمة من المضي قدما في طلب تسليم متهم إذا كان الأمر يؤدي إلي خرق الدولة لاتفاقية سابقة كانت قد عقدتها مع دولة أخري أو عدة دول تمنع تسليم الأمريكيين "مثلا" ليمثلوا أمام المحكمة الجنائية الدولية. ومن هنا.. تقدم مجلس الأمن بالقرار رقم 1422 القاضي باعفاء قوات حفظ السلام من الملاحقة القضائية، وأصدرت الولاياتالمتحدة قانونا يمنع الوكالات الحكومية الأمريكية من التعاون مع تلك المحكمة!! أو تقديم أي مساعدة أو دعم لها. هذا ويبدو أن الخلافات تتصاعد بين الولاياتالمتحدةالأمريكية من جانب والأممالمتحدةوألمانياوفرنسا من جانب آخر حول المادة 124 من النظام الأساسي للاتفاقية والتي تعطي أي دولة صلاحية عدم تطبيقهاكحكم انتقالي لمدة سبع سنوات بينما اقترحت فرنسا تعليقها إلي ثلاث سنوات لجرائم الحرب فقط بينما أطالت ألمانيا مدته إلي عشر سنوات، وهو قد ينعكس بصورة متتابعة علي الموقف الدولي والمواقف والأحداث التي يموج0 بها حول تلك الاتفاقية. وأخيرًا إلي جانب ما تتضمنه معاهدة روما ونظامها الأساسي بعد الانتهاء من إعدادها واصدارها - من مبادئ محددة هي:- أولاً: الالتزام بمبدأ الاختصاص العالمي فتجري محاكمة المتهمين إذا كانت دولة الجنسية أو الدولة التي وقع الجرم فيها طرفا في المعاهدة. ثانيًا: الاعتراف بأن الملاحقة الدولية وحدها قاصرة عن تحقيق العدالة ولابد من وجود دور للمحاكم الداخلية وهو ما يحقق مبدأ التكامل لحماية سيادة الدول وتعزيز استقلالها السياسي. ثالثًا: تعدادها لأفعال وصفت بجرائم حرب مع انها حدثت في إطار نزاعات مسلحة غير دولية. رابعًا: تحديد الجرائم ضد الانسانية للمرة الأولي في معاهدة متعددة الأطراف. خامسًا: اعطاء مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية صلاحيات مستقلة تخوله تحريك الدعوي لتأمين مرجع فعال يطالب بحقوق الضحايا المضطهدين بعد أن كانت المطالبة بالحقوق تقتصر علي الدول فقط. سادسا: وحدة النص وضرورة تطبيقه علي الأطراف كلها - وتكامل المعاهدة من حيث تنفيذ الأطراف لها والالتزام بها. سابعًا: استبعاد عقوبة الاعدام واعتماد السجن المؤبد عقوبة قصوي. "عارضت بعض الدول العربية والاسلامية هذا النص". ثامنًا: إصرار تقدم ملحوظ في تبني الضمانات التي تحمي النساء والأطفال والضحايا. إلا أن بعض الباحثين والقانونيين والسياسيين يرون.. ولهم كل الحق.. انه لابد أولا من انسجام احكام نظام روما الأساسي لتنفيذ أحكام معاهدة "روما" وقواعد المحكمة الجنائية الدولية مع القواعد الدستورية للدولة الطرف في الاتفاقية مع تغيير الدساتير لتلك الدول لضخ ما نشأ عنها من التزام دولي حول تطبيق اختصاصات تلك المحكمة هذا من جانب مع التقاء دولي علي النوايا والتعاريف والمفاهيم لتحقيق الهدف المرجو من انشاء هذه المحكمة دون الانفراد بمواقف ومصالح فردية ينفرط معها.. ما تستهدفه المحكمة الجنائية الدولية من مواجهة الجرائم الانسانية وملاحقة مرتكبيها في إطار من العدالة الدولية والمساواة