عندما قال وزير المعارف، الدكتور طه حسين: «التعليم كالماء والهواء» لم يقل تلك الجملة الشهيرة من فراغ، لكنه كان يعنيها بحق فتقدم الأمم لا يقاس إلا بمستوى التعليم فيها. ورغم أننا نؤمن بحق أبنائنا فى مجانية التعليم، فإن الصورة السيئة التى وصلت لها مجانية التعليم، خاصة فى الجامعات المصرية تجعلنا نعيد النظر فى منظومة التعليم الجامعى ككل وبوجه الخصوص التعليم الحكومى، لأن قدرة الدولة على الإنفاق المادى على هذا الكم الضخم من الجامعات والمعاهد قد تقلص للدرجة التى تحولت فيها هذه الجامعات لمجرد شهادة (نبلها ونشرب ميتها). فى كل دول العالم يحصل الطالب على تعليم متميز حتى نهاية high school التى نعرفها هنا باسم الثانوية العامة يؤهل الطالب لدخول سوق العمل، وهنا يكون له الاختيار ما بين الالتحاق بالجامعة أو الاكتفاء بما وصل له من تعليم ويصبح العمل والحصول على الخبرات هدفه ومصدر دخله. هذا بالطبع، لأن الجامعات فى كل دول العالم بمصاريف باهظة الثمن وللقادرين فقط على الإنفاق على التعليم أو للمتفوقين الذين يحصلون على منحة مجانية من أجل تفوقهم، ولذلك من يلتحق بالجامعات فى الخارج يستحق حقاً أن يدخل الجامعة لأنه سيحتاج إلى مبالغ طائلة لاستكمال دراسته الجامعية وغالباً ما يكون مصدره الأساسى للإنفاق هو عمله، إذن لا مجال للفاشلين فى الجامعة، ولن يكون التحاقه «تحصيل حاصل»، كما يحدث فى مصر، فأساليب الغش والمحسوبية فاقت الحدود فى جامعاتنا المصرية الحكومية.. كل هذا يحيلنا إلى الهدف الأساسى لدىّ وهو أن الفرصة ما زالت مواتية لنا لخلق طوق نجاة مما تخرجه لنا كل عام جامعاتنا الحكومية من طلاب مشتتين ليسوا على المستوى المطلوب بلا مستقبل واضح. الجامعات الخاصة المتطورة هى طوق النجاة، ورغم أن تجربة مصر ما زالت لا تتعدى العشرين عاماً فى مجال الجامعات الخاصة، والتى بدأت منذ عام 1996، فإنها تنبئ بمستقبل واعد. عشرون جامعة خاصة هى حصيلة ما تم إنشاؤه طوال هذه السنوات وللأسف كلها تقريباً تكدس وانحسر فى نطاق القاهرة الكبرى، وكأن الذين يستحقون التعليم والخدمة المميزة موجودون فى العاصمة وضواحيها. السؤال: أين نصيب الصعيد الذى يمثل أكثر من نصف مساحة مصر ولا يوجد به سوى جامعة النهضة فى بنى سويف، والتى لم تستطع استيعاب سوى قدر بسيط، وهناك وعود بإنشاء جامعة أهلية فى أسيوط ما زالت لم تبدأ بعد. وأكثر ما أسعدنى خلال زيارتى لمحافظة المنيا أننى شاهدت صرحاً جديداً واعداً أتمنى أن يكتب له النجاح والتفوق (جامعة دراية)، تلك الجامعة صعيدية المنشأ التى تبذل من الجهد ما يدفعنا إلى التصفيق لها فى ظل ظروف ومعوقات بيروقراطية قد تقلل من حماسة القائمين عليها، لكنهم، كما يقول الدكتور عماد حمدى، أستاذ الطب النفسى، رئيس جامعة «دراية» متفائلون بمستقبل الجامعات الخاصة فى مصر، فسوف يأتى الوقت الذى ستحتل الجامعات الخاصة الصدارة ولن يدخلها إلا المتفوقون هذا الحلم ليس ببعيد. أعتقد أن الدولة لها دور فى تيسير بعض المعوقات البيروقراطية التى عفى عليها الزمن وأن تستوعب هذا التقدم المذهل فى كل شىء عن طريق خبراء جدد درسوا فى الخارج يعرفون أنظمة التعليم الجامعى المختلفة، فالخبرة عندما تمتزج بالتجربة والاحتكاك تنتج نظاماً خلاقاً.. دعوة لكل من له رأى أو قرار فى إنشاء هذه الجامعات أن يكون صدره أكثر رحابة وللأمام.