هذا هو العصر الذهبى لصامويل هنتينجتون. إنها أيامه البازغة؛ حيث نظرياته الطاغية وأفكاره الواضحة وحقائقه الموجعة. لم يعد الحديث عن الألوان المتضاربة والأفكار المتناقضة والثقافات المتناحرة والشخوص المتنافرة ضرباً من العيب أو نوعاً من انعدام اللياقة أو افتقاد الكياسة. القلة القليلة التى كانت على استعداد لتقبل الآخر وفهمه واحترامه، والأهم احترام اختلافه دون الشعور بالحاجة إلى إجباره على أن يكون صورة طبق الأصل منه أو الشعور بالتهديد لمجرد كونه مختلفاً إما هرمت أو أُخرست أو أصيبت بالزهايمر أو أصيبت باكتئاب حاد أو فقدت عقلها أو رحلت عن دنيانا. وبقيت الغالبية الساحقة الرافضة لكل من يختلف عنها فى الشكل أو اللون أو الانتماء أو العقيدة (أو قلتها) أو الدين (أو رفضه). رفض هائل وإنكار بائن يجتاح الجميع شرقاً وغرباً يميناً ويساراً. الكل يلقى بالكرة فى ملعب الآخر. أنتم الإرهابيون. بل أنتم من روع. أنتم الرافضون للآخر، بل أنتم من بدأ. أنتم المتطرفون. بل أنتم السبب. أنتم المنافقون. بل أنتم من ابتدعتم النفاق. نحن من يسير على طريق الحق. بل أنتم الضالون. لكن الضلال الحقيقى هو أن نستمر فى الادعاء بأننا لا نعيش أزهى عصور صدام الحضارات وأبزغ أزمنة صراع الثقافات. غضبنا ونقحت علينا إنسانيتنا وآلمنا تحضرنا حين فوجئنا بعالم العلوم السياسية الأمريكى الراحل صامويل هنتينجتون يباغتنا بأن الصراع فى عالمنا الحديث سيكون ثقافياً حيث صراعات الجماعات العرقية أو الدينية أو كلاهما، حيث تتمحور النزاعات على أسس الدين واللغة والتاريخ والعادات. وسواء كان ما يجرى فى فرنسا فى ضوء جريمة «شارلى إيبدو» الإرهابية من عمل الاستخبارات الغربية (بحسب نظرية المؤامرة الشرقية)، أو من أداء الجماعات الإسلامية (بحسب نظرية المؤامرة الغربية)، أو بالتعاون بين الاثنين (بحسب نظرية المؤامرة الكونية)، تبقى الحقيقة المرة واضحة وضوح «داعش»، جلية انجلاء خلطبيطة الدين والسياسة، نقية نقاء ثوب مشروع الخلافة، منضبطة انضباط مفهوم حقوق الإنسان فى الغرب، شفافة شفافية مبدأهم فى حق الشعوب فى أراضيها ومصائرها، صادقة مصداقية عدم تدخلهم فى الشرق الأوسط سواء بشكله القديم أو فى نسخته الجديدة الجارى تحميلها. المشاهدات الأولية للشرق الأوسط فى حلته الجديدة تشير إلى أن ما قاله هنتينجتون يحدث بشكل أو بآخر. «فى عالم ما بعد الحرب الباردة، تحدد الدول مصالحها على أسس حضارية. فهى تتعاون وتتحالف مع دول ذات ثقافات مشتركة، وغالباً تكون فى صراع مع دول تنتمى لثقافات مختلفة. ويأتى التهديد عادة من دول مختلفة عنا ثقافياً». ما يجرى فى الشرق الأوسط وفى الغرب اليوم يشير إلى أن الحضارات -أو الثقافات- تتناحر ولا تتواءم، تتصارع ولا تتفاهم، تتبارى ولا تتكامل. صحيح أننا نركض إلى الغرب لنرتمى فى أحضانه طالبين حق اللجوء السياسى أو الدينى، ونهاجر إليه هجرة شرعية حيناً وغير شرعية أحياناً، ونحصل على بعثة ومنحة وسفرة فنقرر ألا نبرح هذه البلدان التى ننعتها بالكفر والفسق واختلاف العادات وتناحر التقاليد، لكننا نرى أنفسنا ونحن نعيش بينهم رغماً عن أنوفهم أفضل منهم، لا سيما أنهم غارقون فى ماديات وعلمانيات منزهة عن الروحانيات. وهم من جهتهم ينظرون إلينا باعتبارنا الأكثر تخلفاً، والأعتى جهلاً، والأعلى انفصالاً عن واقع الحياة وذلك بسبب غرقنا فى أمجاد الماضى وانسحاقنا فى تفسيرات متطرفة متشددة منفصلة عن العالم لنصوصنا الدينية. يقول هنتينجتون: «الملاحظ حالياً أن صدام الأفكار السياسية بين الحضارات الذى أفرخه الغرب يحل محله صدام الثقافات والأديان. كل حضارة ترى نفسها مركزاً للعالم وكأنها الدراما الرئيسية فى التاريخ الإنسانى». الله يرحمك يا هنتينجتون.