لم تعُد مكاناً جميلاً لالتقاء الأحبة.. ولا مكاناً ترفيهياً يلهو فيه الأطفال ويجرون يميناً ويساراً، فالحدائق العامة فى دير الزور فى سوريا تحولت إلى مقابر جماعية يدفن فيها الصغار حيث كانوا يلعبون، «الله سيعاقب بشار وجماعته لأنهم حولوا حدائقنا العامة إلى مقابر»، قالها محمد أسد حاملاً المصحف ومتوجهاً إلى قبر نجله الأكبر داخل حديقة «المشتل» التى تستقبل كل يوم ضحايا جدداً. أمام إحدى المقابر فى الحديقة جلست «أم محمد» تبكى ابنها البالغ 11 عاماً، قائلة: «آتى كل يوم من طلوع الشمس حتى الرابعة لأكون مع صغيرى. إنها طريقتى لأكون إلى جانبه. أرافقه، أتلو عليه آيات قرانية وأتحدث إليه». قُتل الفتى بشظايا قذيفة مدفعية فيما كان يلهو أمام منزل أسرته مع صديق له قتل بدوره، وتضيف الأم المكلومة: «كان ابتسامتى ودافعى للابتسام كل يوم وسط هذه الحرب لكنه مات»، قبل أن تلعن نظام «الأسد». «عبدالرزاق» الذى يتولى دفن الضحايا، قال بحسرة: «لا يستطيع أولادى الخروج. منذ تسعة أشهر وهم سجناء المنزل لأننى دفنت عدداً كبيراً من الأطفال بيدى وأرفض أن أدفن أولادى. لم يخطر فى بالى أن الحديقة التى كان يلعب فيها أولادى ستتحول إلى مقبرة». تضم حديقة المشتل وحدها 160 شهيداً لم يتم التعرف على بعضهم، ولا يحتوى القبر أحياناً إلا على بقايا جثة مزقتها القنابل. فى الجانب الآخر من الحديقة، تركع امرأة أمام قبر حديث العهد وتهتف: «لماذا يا سعد؟ لماذا رحلت؟». ترثى شقيقها الشاب سعد الحاج شهاب (17 عاماً) الذى قضى فى 16 فبراير الماضى وهو يقاتل القوات النظامية. ويقول أحد أشقائه أحمد تاج الحاج شهاب «شقيقنا مات وهو يقاتل ديكتاتوراً. نحن فخورون به». تدخل مجموعة من المقاتلين المعارضين الحديقة وتروح تبحث بين القبور. ثم تقف أمام قبر ويجهش أحد أفرادها بالبكاء «إنه أبى. لقد قتل فى قصف للنظام. كنت على الجبهة حين دفن ولم أتمكن من وداعه»، ثم يهتف «سامحنى يا أبى».