. بمنتهى الثقة والجبروت اللائقين بوزير، أعلن السيد صلاح عبد المقصود وزير الإعلام خلال زيارة له لاستديوهات التليفزيون المصرى يوم الثلاثاء الماضى أنه لن يسمح بتاتا إطلاقا وعلى الإطلاق بعرض أى برنامج تليفزيونى ينتقد «الفوهرر» قائد البلاد السيد رئيس الجمهورية الدكتور مهندس محمد مرسى. قبل هذا التصريح النارى بيومين كان الوزير قد أحال فريق عمل برنامج «نهارك سعيد» الذى يعرض على قناة «نايل لايف» للتحقيق لأنهم استضافوا أحد المعارضين الضالين، الذى جرؤ على انتقاد القائد الأعظم للبلاد. وقد تفكر فى الموضوع قليلا وتسألنى: ولكن ما ذنب فريق عمل البرنامج لأنهم فى الغالب غير مسئولين عن تصريحات الضيف، وربما يكونون قد فوجئوا بها مثل الوزير، ولكن يبدو أنك لا تعرف كيف تعمل الغسالة الأتوماتيك! المقصود من التحقيق مع فريق عمل البرنامج والتهديدات «الجوبلزية»- نسبة إلى وزير الإعلام العظيم فى عهد «الفوهرر» هتلر- هو توصيل رسالة إلى السيد الرئيس مفادها الاعتذار عما حدث، ووعد بأن ذلك لن يتكرر ثانية، وقبل ذلك أو بعده نشر الخوف بين العاملين فى التليفزيون حتى يخشى كل منهم على عمله ولقمة عيشه ويمشى جنب الحائط ولا يتولاه الغرور الثورى ويعتقد أنه إعلامى بحق وحقيقى، أو أن التليفزيون المصرى قد تغير وأصبح له كرامة بعد الثورة..أو أيًا من هذه الأوهام التى تنتاب بعض المصريين هذه الأيام. هذه هى نظرية الغسالة الأتوماتيك فى الاعلام، وهى تشبه نظرية النسبية فى الفيزياء، أما إذا لم تكن قد فهمتها أو تدعى أنك لم تفهم فمن المؤكد أنك تعرف المثل المصرى الدارج الذى جربته فى طفولتك وحياتك كثيرا: «اضرب المربوط يخاف السايب!»..وحتى لا تتغابى مرة أخرى فالمربوط هو موظفو التليفزيون الذين تتحكم فى أكل عيشهم، أما السايب فهو القنوات الخاصة والمعارضة الضالة التى يجب أن تعرف موقعها الحقيقى فى الجمهورية الثورية الجديدة، وهو موقع خارج الدولة وخارج القنوات الرسمية وربما داخل السجون قريبا. أرجو أن تكون قد فهمت الرسالة! أما إذا كنت عضوا فى نقابة الصحفيين مثلى فربما تتذكر أن الرسائل الوحيدة التى كان يرسلها السيد صلاح عبد المقصود إلينا عندما كان عضوا بمجلس النقابة فهى بطاقات التهنئة فى الأعياد والمناسبات. وأذكر أننى تساءلت مرة عن هذا الرجل الذى يمطرنا برسائل التهنئة وأين يمكن أن أقرأ له مقالا أو تحقيقا أو حوارا صحفيا، خاصة أنه عضو دائم فى مجلس النقابة، لدرجة أننى اعتقدت أنه يعمل فى مجال التصحيح اللغوى أو الإخراج الفنى.. وببعض الجهد عرفت أنه كان يكتب فى عدد من الصحف الدينية مثل «الدعوة» و«الاعتصام» و«المختار الإسلامى» و«النور»، وأنه رجل «بركة» يكسب قلوب وأصوات أعضاء النقابة بالخدمات التى يقدمها إليهم، والتى يقف وراءها جماعة الإخوان المسلمين باعتباره أحد أعضائها. وبغض النظر عن أن هذه الصحف لا علاقة لها بمهنة الصحافة وأنها أقرب للنشرات الدعوية، وبغض النظر عن انتماء الرجل لجماعة دينية سياسية هى مدخله الوحيد إلى نقابة الصحفيين حتى أصبح ناطقا باسم مهنة لم يمارسها، فإننى لم ألق باللوم عليه، بقدر ما ألقيته على من حولوا النقابات المهنية فى مصر إلى جمعيات استهلاكية توفر الدجاج والبيض وخطوط التليفونات وتذاكر الأطباء وعربات نقل الموتى، وعلى قلة وعى أبناء المهنة الذين زرع فى وجدانهم وضمائرهم أن توفير الخدمات الأساسية هى مهمة النقابة الوحيدة وليس الدفاع عن حرية وكرامة الصحفيين والصحافة. وبما أن الشىء بالشىء يذكر فقد تذكرت اليوم الأول الذى دخلت فيه مبنى نقابة الصحفيين فى بداية التسعينيات، وكنت أجلس مع أحد الزملاء الكبار فى الحديقة القديمة التى كانت تتوسط النقابة عندما فوجئت بهرج ومرج وأناس تجرى، وعرفت من الزميل الكبير أن هناك جمعية استهلاكية فى النقابة وقد وصلها اليوم دفعة من الدجاج المجمد وعلب السمن الهولندى، ولذلك يتسابق الصحفيون للحاق بفرخة وعلبة سمن، أما آخر مرة زرت فيها النقابة فقد كان بها طابور طويل من الزملاء الذين اصطفوا لقبض «بدل التدريب والتكنولوجيا» الذى تمنحه لنا الحكومة. هذه هى النقابة كما أراد لها النظام السابق أن تكون، وهذا هو الإعلام كما يريد له النظام الحالى أن يبقى، بل أسوأ ..فالفراخ لم تعد تباع فى النقابة!