المركزي للإحصاء يعلن اليوم معدل التضخم في مصر لشهر ديسمبر 2025    انتهاء أعمال الصيانة وعودة ضخ المياه تدريجيًا لمناطق الجيزة وقرية البراجيل    سنسيطر عليها سواء أعجبهم أم لا، ترامب يكشف سبب إصراره على امتلاك جرينلاند (فيديو)    طقس الأسبوع: انخفاض درجات الحرارة وأمطار متفرقة من الأحد إلى الخميس    الشوط الأول:؛ دون تشويش بث مباشر.. مباراة الجزائر × نيجيريا | Algeria vs Nigeria في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تعرف علي القنوات الناقلة والمفتوحة لمباراة مصر وكوت ديفوار    مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو لإجراء تحقيق في أحداث الاحتجاجات بإيران    17 مكرمًا و15 عرضًا مسرحيً| اليوم.. انطلاق الدورة السادسة لمهرجان المسرح العربي بالقاهرة    بداية ساخنة ل2026.. دخول الذكاء الاصطناعي كل أركان صناعة الترفيه    مجمع البحوث: 90% من المتسولين لا يستحقون الصدقة    هل يجوز قتل القطط والكلاب الضالة؟ دار الإفتاء تحسم الجدل    تحذير أزهري: التنجيم والأبراج كهانة معاصرة تهدم الإيمان وتضلل العقول    رحلة شاقة تبدأ قبل العام الجديد ب10 شهور.. البحث عن مدرسة    الصين ترد على افتراءات وزير بإقليم "صومالي لاند": مهما فعلتم لن تستطيعوا تغيير الحقيقة    العريس فر بعروسته.. بعد قتله طفلة أثناء الاحتفال بفرحه    «سيادة جرينلاند».. تدفع أوروبا إلى التكاتف ضد ترامب    يورجن شولتس سفير ألمانيا بالقاهرة: برلين خامس أكبر شريك تجاري لمصر| حوار    تسلل الرعب لصفوف الجماعة.. حملة اعتقالات في تركيا لعناصر إخوانية مصرية    منتخب مصر يختتم استعداداته لمواجهة كوت ديفوار.. وتريزيجيه يشارك في التدريبات الجماعية    تحالف ثلاثي، رئيسة فنزويلا المؤقتة تكشف نهجها لمواجهة "العدوان الأمريكي"    الصحة توفر الأمصال العلاجية مجانًا عبر مستشفياتها ووحداتها الصحية    «المالية»: تحقيق فائض أولى 383 مليار جنيه خلال 6 أشهر    الخطيب: نبنى بيئة أعمال تنافسية تحفز القطاع الخاص.. وتجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة    صرف مساعدات لأسر الضحايا.. وزيرة التضامن تتابع تداعيات حادث صحراوي المنيا    11 جثة و9 مصابين.. ننشر أسماء ضحايا حادث التصادم بصحراوي المنيا    مصرع شخص أصيب بحجر طائش أثناء مشاجرة بين طرفين بقليوب    السكوت عن الدجالين جريمة| محمد موسى يفتح النار على «دكاترة السوشيال ميديا» المزيفين    شرخ فى الجمجمة.. تفاصيل واقعة سقوط قالب طوب على طفل 14 عاما في شبين القناطر    «الأعلى للإعلام» يحذف حلقة برنامج شهير لمخالفته لمعايير حماية الطفل    مصلحة الجمارك تطلق منظومة شكاوي الجمارك المصرية عبر الإنترنت    زياد ظاظا: «يزن» يشبه جيلى.. والتمثيل حلم لم يسرقه «الراب»    بعضًا من الخوف    وزير الزراعة: سعر الكتكوت ارتفع من 8 ل35 جنيهًا وكلا السعرين غير عادل    كأس عاصمة مصر – الثانية للأبيض.. مصطفى شهدي حكما لمباراة الزمالك ضد زد    صلاح يطارد دياز، ترتيب هدافي كأس أمم إفريقيا 2025    أمم إفريقيا - أزمات نيجيريا في البطولات الكبرى لأنهم "على دراية بالتاريخ"    المهلبية بالبسكويت.. حلى سهل بطعم مميز    الأوروبيون بين القلق والانقسام بسبب سياسات ترامب    موعد مباراة الجزائر ونيجيريا في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025 والقنوات الناقلة    "أنا مش عارف أشتغل".. محمد موسى يهدد بإنهاء الحلقة بعد خناقة على الهواء    المطرب شهاب الأمير يشعل استوديو "خط أحمر" بأغنية "حد ينسى قلبه"    المطرب شهاب الأمير يفتح النار على أغاني المهرجانات: ليست فنًا حقيقيًا    كونسيساو يشيد بأداء الاتحاد في رباعية الخلود ويرفض الحديث عن الصفقات    مسؤول سابق بالبنتاجون: ترامب يعتبر نفسه رئيسًا فوق القانون    سيدتان تقتلان سيدة مسنة لسرقة مشغولاتها الذهبية بالفيوم    أوضاع مأساوية في جنوب كردفان... 300 ألف شخص يعانون نقص الغذاء بسبب الحصار    شعبة مخابز الدقهلية تؤكد التزامها بمواعيد العمل الرسمية    أول امرأة تتقلد المنصب، المستشارة يمني بدير مساعدًا لرئيس هيئة قضايا الدولة    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    التركيبة الكاملة لمجلس النواب| إنفوجراف    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    حافظوا على وحدتكم    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"حذاء الرئيس" قصة لمحمد شوكت الملط
نشر في صدى البلد يوم 10 - 02 - 2012

فى صباح يوم شتاء شديد البرودة، الساعة السابعة والنصف يدخل فريق مستشارى الرئيس إلى القصر الرئاسى المنيف، يتوجهون سريعا صوب قاعة الاجتماعات الفخمة، كل عضو من أعضاء المجلس الاستشارى يجلس فى مكانه المحدد، يضع أمامه ملفه الخاص، به أوراق ومستندات مهمة، تحمل معلومات دقيقة، سيعرضها على الرئيس، كالمعتاد يجلس الأعضاء معًا قبل بدء الاجتماع بمدة طويلة، لابد من الاستعداد النفسى، إنهم يتهيأون لاستقبال الرئيس، يرتبون أوراقهم، ينسقون فيما بينهم، يؤكدون عما سيتحدثون فيه، يحذرون من الخروج على النص، وإلا...
خارج القاعة الجميع على أُهبة الاستعداد، الإضاءة، المقاعد، التكييف، ليكون هذا الاجتماع حسبما يرغب الرئيس، وإلا سمعوا أو رأوا ما يخشونه، وأقله الطرد من قصر الرئيس بلا عودة، وفى حالة غضب الرئيس يكون الطرد إلى مكان مجهول، ربما لا تُرى فيه الشمس ولا تطأه قدم إنسان.
فى الموعد المحدد فى الساعة التاسعة صباحا، يدخل الرئيس مكتبه منتشيا فخورا كعادته، تعلو وجهه ابتسامة، الجميع فى انتظاره، كل فى مكانه المحدد، كل قام بما هو مكلف به على وجه الدقة.
الهدف الوحيد من هذا الاجتماع هو مناقشة التعديل الوزارى المرتقب، مستشارو الرئيس سيقدمون له أسماء الوزراء المقترحين ولكل وزير أربعة بدلاء، وأمام كل اسم مختصر لسيرته الذاتية، يختار الرئيس من يريد ويرفض من يريد، دون أن ينبس أحدهم ببنت شفة.
شرع كبير المستشارين فى عرض الأسماء الأساسية والاحتياطية لخمس وزارات، لم يرد الرئيس واحدا من المرشحين الأساسيين، لمعرفته الجيدة بتلك الشخصيات، فقد تعامل معهم من قبل فى وزارات مختلفة.
ارتسمت على وجوههم ابتسامات عريضة، لم يصدقوا أنهم انتهوا من اختيار خمسة وزراء فى توقيت قياسى.
استأنفوا عرض الأسماء المقترحة، عرضوا اسم الوزير المرشح الأساسى لوزارة التربية والتعليم، الذى ظنوا أن الرئيس سوف يوافق عليه دون أى مناقشة، إنه كنزعظيم تفخر أى دولة بأن يكون هذا الرجل من مواطنيها.
السيرة الذاتية لهذا الشخص مختلفة، يمتلك مواهب فذة، ذكروا اسمه، مؤهلاته، خبراته، الرجل من أشهر العلماء عالميا فى مجال التربية والتعليم، ترك أمريكا لأسباب خاصة - بعد أن قضى فيها ربع قرن - على الرغم من النجاحات الهائلة التى حققها هناك، لم يوافقوا على رحيله إلا بعد إصراره.
ذكروا تاريخ ميلاده ، محل إقامته الحالى، محل الميلاد، غاب عن مستشارى الرئيس أن ذلك الشخص ينتمى إلى ذات المنطقة التى ينتمى لها الرئيس، وكذلك فإن سنة ميلاده هى سنة ميلاد الرئيس.
فجأة تغير وجه الرئيس، شرد ذهنه لبرهة، تغير وجهه، بدت عليه علامات الغضب الشديد، صرخ صرخة مدوية، كأن سكينا اخترق صدره.
"ما الأمر - سيادة الرئيس - ؟" (على استحياء سأل كبير المستشارين)، لم يرد عليه الرئيس.
سيطر السكون على المكان، لم يجرؤ أحدهم على أن ينطق بكلمة.
مرت بضع دقائق، بصوت جهورى نطق الرئيس: "احضرو لى هذا الشخص حيا أو ميتا الساعة الثانية والنصف بعد متنصف هذه الليلة".
تركهم الرئيس دون أن يخبرهم بفض الاجتماع.
"2"
على صوت الرئيس المدوى هُرع إلى قاعة الاجتماعات كبار رجال القصر، استدعوا قادة الأجهزة الأمنية المختلفة، أربع جهات أمنية شاركت فى وضع التقارير الأمنية عن جميع المرشحين للوزارة، أساسيين كانوا أم احتياطيين، ومن هذه التقارير قُدم للرئيس مختصر السيرة الذاتية لكل مرشح.
كل من له صلة بهذه التقارير أصابه الفزع والخوف مما قد يحدث له نتيجة هذه السقطة الكبرى، تبادلوا الاتهامات، كل يلوم الآخر، كل ينفى تقصيره، بعد مدة زمنية ليست طويلة، ذهبت آثار الصدمة، اتفقوا على مناقشة الأمر بموضوعية، توصلوا بعد مناقشات طويلة إلى أن أحدهم لم يقصر، أجمعوا على أنهم سيتحملون المسئولية معا، وليكن ما يكون.
الأمر فيه سر ، لا يعرفه أحد من البشر إلا الرئيس، ومع ذلك فسوف يتأكد كل منهم من المعلومات التى وردت فى تقريره.
سريعا وبعد أقل من ساعتين، اجتمعوا مرة أخرى، أكدوا جميعا أن الشخص المطلوب إحضاره حيا أو ميتا، ليست له انتماءات دينية أو أيديولوجية أو سياسية، إلا أنه رجل حقق فى حياته نجاحات منقطعة النظير.
قال بعضهم لبعض: ربما تكون هذه النجاحات هى مشكلته الكبرى، وعلينا أن ننفذ الأوامر طاعة للرئيس، أمروا قوات الأمن بإحضاره فورا.
"3"
بعد تناوله وجبة العشاء جلس الدكتور "أسعد" وسط أفراد أسرته، فى الطابق الثانى من الفيللا التى يمتلكها بأحد الأحياء الراقية وسط العاصمة، أثناء متابعتهم نشرة الأخبار، علموا أن الإعلان عن التشكيل الوزارى الجديد سيُعلن عنه خلال ثمانى وأربعين ساعة.
بصورة عفوية سأل الابن الأصغر: "ماذا ستفعل يا أبى لو عرضوا عليك منصبا وزاريا؟"، لم يفكر الدكتور "أسعد" طويلا فى الرد.. أجاب "بالطبع سأرفض"،
-"ولماذا يا أبى؟" ( سأله ابنه مرة أخرى)
- أجاب الأب: "يا بنى.. السياسة فى بلادنا شعارها "سمك - لبن - تمرهندى"، لو أصبحت وزيرا فسوف أكون بمثابة سكرتير للرئيس أنفذ أوامره، حتى ولو غير منطقية، فى بلادنا المهم إرضاء الرئيس لا إرضاء الضمير".
بنبرة حزينة أكمل الأب حديثه قائلا : "يا بنى.. العالم من حولنا يتقدم ونحن فى تقهقر، أتعرف لماذا؟، لأننا نعرف طريق التقدم ولا نسير فيه، ونعرف أننا نسير فى طريق الفشل ونصر على عدم التراجع.. فى بلادنا الرئيس يهدم كل ما قام به سلفه وكذلك الوزير، ليست لنا سياسات واضحة".. لم يكمل الرجل حواره مع ابنه، فوجئ مع باقى أفراد الأسرة بمكبرات الصوت تنادى: "على الدكتور أسعد الحضور أمام باب منزله فورا ودون تأخير، وإلا سنقتحم المكان"، خمس سيارات مصفحة محملة بالجنود المدججين بالسلاح، بصحبة العديد من قيادات أمنية تحيط بالفيللا من جميع الجهات، دون أن يُغير الرجل ملابسه خرج، وهو لا يكاد يصدق ما يجرى.
اقتادوه بلا احترام أو تقدير لمكانته العلمية أو الأدبية، دون النظر لحالته الصحية أو لكبر سنه، الرجل يكاد يصاب بالجنون، لا يدرى ما السبب فيما حدث، ومهما حدث فهل هذه هى الطريقة اللائقة لاستدعائه لأى جهة، لم يخبره أحد عن السبب وراء هذا الهجوم التترى، بل لم يحدثه أحد من الأصل.
"4"
فى إحدى الغرف الضيقة المظلمة ألقوا به، بعد أن غطوا عينيه بعصابة سوداء، تركوه لأكثر من ساعة، أصابته قشعريرة، الجو شديد البرودة كأنه يجلس عاريا فى شارع من شوارع موسكو.
مازال الرجل مندهشا مما يحدث له، عاش أكثر من ربع قرن فى أمريكا لم يرَ ما يراه الآن، تذكر ما كان يقرؤه عن وحشية التعذيب التى يلاقيها المعارضون للنظام فى بلاده، لكنه لم يشارك هؤلاء المعارضين، لم يلتقِ أحدهم، لم يراسل واحدا منهم، ماذا جرى؟.
فجأة فُتح باب الغرفة، سمع صوت خطوات تقترب منه شيئا فشيئا، فإذا بشخص يقف أمامه، يوجه له الحديث قائلا: "يا دكتور نحن نأسف لما حدث لك، وهذا الأمر خارج عن إرادتنا، إننا نعلم عنك كل صغيرة وكل كبيرة، ونحن متأكدون من أنك لا تعادى النظام، ولست من المعارضين، بل ولا تعتنق أي توجهات سياسية مخالفة لنا".
رد عليه الدكتور "أسعد" بصوت خافت: "إذن أين هى المشكلة؟".
قال: "لم تكن لك مشكلة مع أحد، ولكن واضح أن لك مشكلةً مع سيادة الرئيس نفسه، نحن لا نعرفها، ولم يخبرنا بها، وهذا هو سبب المجىء بك، فلتخبرنا عنها".
تحدث الدكتور "أسعد" بصوت مرتعش: "أنا ليست لى مشكلة مع أحد من البشر، لا مع الرئيس ولا مع غيره، ولم تربطنى فى يوم من الأيام علاقة بشخص الرئيس، لا من قريب ولا من بعيد، اللهم إلا أنه كان زميلا لى فى التعليم الأساسى، طفلان فى فصل واحد لمدة ثلاث سنوات قضيتها فى قريتى، ثم انتقل أبى بأسرتنا كلها إلى العاصمة، ولم تعد لى علاقة بقريتى إلا فى المناسبات فقط، ولم أعد أتذكر شيئا سوى أسماء التلامذة زملائى فى الفصل، ومنها اسم الرئيس خماسيا".
تنهد قليلا ثم استأنف حديثه: "وعلمت كما علم الناس باسمه يوم تولى حكم البلاد، ومرت الأيام والسنون ولم ألتقِ به فى يوم من الأيام، ولم أسعَ للقائه، لم أتفاخر بزمالتى للرئيس أمام أى شخص حتى أبنائى" .
الشخص المجهول الذى يسمعه الدكتور "أسعد" ولا يراه هو الوحيد الذى تحدث معه بأسلوب فيه شىء من الاحترام، هذا الشخص فى نهاية حواره معه حاول أن يُهدئ من روعه ويطيب خاطره، أخبره بأنه سيقابل الرئيس بعد أقل من ساعة بملابسه التى حضر بها، وقد صارت رائحتها كريهة، حذره من الخروج على النص.
"إذا دخلت على الرئيس فلا تتكلم إلا إذا طلب منك الكلام أو سألك سؤالا، التزم بتوجيهات رجل الأمن المرافق لك، ولا تضعنا وتضع نفسك فى مواقف محرجة"، ختم الرجل حديثه معه، تركه وحيدا فى الغرفة وخرج.
"5"
اقترب الوقت من الساعة الثانية والنصف صباحا، كان الدكتور "أسعد" قد أُصيب بالإجهاد والتعب من كثرة وقسوة ما تعرض له من مواقف مهينة، ساءت حالته النفسية، لم يُصب من قبل بمثل هذه الإهانات التى تعرض لها هذه الليلة، لم تنسه هذه المواقف اللاإنسانية القاسية التفكير فى أسرته، إنه قلق على زوجته وأولاده، ماذا حدث لهم؟، هل يُفعل معهم ما يُفعل معى الآن؟، هل يتعرضون لمثل هذه المواقف المهينة كما أتعرض لها؟ أسئلة ظلت تراوده فى ذلك الوقت العصيب.
وجاء الموعد، موعد لقاء الرئيس، ولكنه لقاء مختلف، الرئيس هو الذى طلبه، وحده سيلتقى الرئيس دون أن تُنصب الكاميرات لتصوير اللقاء، حتى الملابس ليتها غير لائقة وفقط، لكنها ملابس رثة قذرة، ليست من قيمة الرجل العالم.
بعد أن رفعوا العصابة عن عينيه، أدخلوه إلى غرفة واسعة، إضاءة خافتة فى مدخلها، وفى آخرها يظهر من بعيد رجل يجلس على مقعد، يمد رجليه على منضدة صغيرة منتعلا حذاءً فخما، الأضواء الشديدة مسلطة صوب الحذاء بصورة مركزة.
على الرغم من الارتباك الذى تملكه، فإنه تذكر ماركة هذا الحذاء، إنها الماركة الأمريكية الشهيرة، تذكر ثمنه، الذى يقارب العشرين ألف دولار أمريكى.
أدار عينيه بعيدا عن الحذاء، ليرى منتعله، تبين بكل وضوح أنه فخامة الرئيس، التقت عيناه بعينيه لجزء من الثانية، نظر إليه الرئيس نظرة استعلاء، لم يعره اهتماما، همت نفسه بالكلام، يرغب فى أن يشكو للرئيس ما حدث له من إهانات، لكنه تذكر وصايا الرجل الذى تحدث معه ولم يره.
بعد أن تأكد أن الزائر قد رآه رأى العين، أشار الرئيس بيده لرجل الأمن المرافق للدكتور "أسعد"، إشارة تفيد بأن أخرجوه فورا ودون تأخير، لم تدم تلك المقابلة سوى دقيقتين أو أقل.
"6"
فى تمام الساعة الثالثة إلا ربع فجرا.. ألقوا بالدكتور "أسعد" بعيدا عن القصر الرئاسى، بما يزيد على مسافة ثلاثة كيلومترات.
وجد نفسه وحيدا، فى مكان بارد موحش، يكاد لا يرى شيئا، المكان يكسوه الظلام الدامس والصمت المرعب.
قال لنفسه: "من الممكن أن أموت هنا ولا أحد يرانى أو يعرف بوجودى، وليس معى هويتى الشخصية"، أحس بالدوار، ثارت نفسه للقيئ، كاد يفقد توازنه، حاول أن يلملم أشلاء نفسه، التفت يمينا والتفت يسارا، عسى أن يجد سيارة تقله إلى بيته، ليس معه مال، لا يوجد معه رفيق، ملابسه التى لم يسمحوا له بتغييرها باتت وكأنها ملابس شحاذ أو ملابس مجنون يسير هائما على وجهه فى الشوارع.
وقف فى عُرض الشارع أكثر من ساعة ، يعانى من قسوة البرد القارس، من شدة الخوف، ثم جاءت سيارة اصطحبه قائدها معه، بالطبع لم يعلم حكايته، وإلا ما أركبه سيارته.
كانت الأسرة فى انتظاره، قلق ورعب وخوف، أجروا اتصالات كثيرة بالعديد من الأقارب والأصدقاء، من ذوى المراكز المرموقة والمناصب الكبرى فى البلاد، غير أن جميعهم لم يردوا، إلا واحد منهم أجاب على استحياء، تحدث بصوت خفيض مرتجف وقال إن الموضوع أكبر منه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا، وإلا أُطيح به من منصبه، وأُلقى به فى المكان المعتاد للمغضوب عليهم من النظام.
"7"
أمام باب الفيللا، الزوجة والأولاد ينتظرون، لم يناموا ليلتهم، وكأنهم كانوا يشاركون الأب مأساته التى عاشها وحده الليلة الفائتة، ظلمة ما بعد الفجر تودع الكون، تلفظ أنفاسها الأخيرة ، بدأ ضوء النهار يتجلى، يبدد تلك الظلمة حتى يستطيع بقدر الله أن يمحوها، فيرى الناس بعضهم بعضا.
لم يمر وقت طويل، رأوا شبح رجل خمسينى يتجه صوبهم، تدريجيا استطاعوا أن يتعرفوا عليه، إنه الدكتور"أسعد"، هرعوا جميعا إليه، بمجرد أن وصلوا إليه أُغمى عليه، سريعا طلبوا له سيارة الإسعاف، انطلقت به إلى المستشفى، إلى غرفة العناية المركزة أدخلوه.
مرت ست ساعات طوال، والرجل ما بين الحياة والموت - كما قال الأطباء عن الحالة -، تدريجيا تحسنت حالته، اطمأنوا عليه، نقلوه إلى إحدى غرف المستشفى، دخل عليه أفراد أسرته، لم يكلمهم، ولم يرد عليهم إلا بالإشارة بيديه، رغم قدرته على الكلام.
الموقف ليس موقف كلام، ولكنه موقف تفكر وتدبر، ماذا حدث لى؟ ولماذا حدث؟ ولماذا معى أنا بالذات؟، ولماذا حدث ذلك الآن ولم يحدث من قبل؟، وما معنى قولهم: "إن مشكلتك مع الرئيس نفسه؟"، وماذا فعلت أنا مع الرئيس؟ ظلت هذه الأسئلة تدور فى رأس الدكتور "أسعد" بضع ساعات دون أن يجد لها إجابات.
مازال يفكر ويعيد التفكير، يتذكر ويعيد التذكر من جديد، يتذكر أول يوم رأى فيه شخص الرئيس وهو طفل صغير، تلميذ فى المدرسة، فى التعليم الأساسى، ينقب عن المواقف التى ربما نتجت عنها مشكلة مع هذا الطفل الصغير، ربما اعتدى عليه بالضرب، أو أصابه بسوء وهو غير متعمد.
مازال يعصر تفكيره ويجهد عقله، أملا فى الوصول إلى موقف أغضب الطفل الصغير الذى مرََّ أكثر من أربعين عاما، ولم يذهب عنه غضبه، أربعون عاما أو أكثر مدة زمنية طويلة جدا، كيف يستطيع الإنسان، أى إنسان، ولو كان عبقريا أن يُرجع الذاكرة إلى الوراء كل هذه المدة، ليأتى بموقف بين طفلين صغيرين.
فجأة نطق الرجل بصوت جهورى، كاد يزلزل مبنى المستشفى: "يوريكا " كما صدع بها "آرشميدس"- أى وجدتها - عندما توصل إلى قانون الطفو، ماذا وجدت يا دكتور "أسعد"؟ (سأله كل من حوله فى الغرفة).
تحدث بهدوء وبصوت خفيض دون انفعال وقال: "تذكرت ذلك الموقف الذى حدث بينى وبين الرئيس وهو طفل صغير، عدت إلى المدرسة بعد أن قضينا الإجازة بمناسبة أحد الأعياد، وأثناء وقوفى معه فى فناء المدرسة، قلت له: "انظر إلى حذائى الجديد لقد اشتراه لى أبى بمبلغ كبير، هذا الحذاء لا يلبس مثله أحد من التلامذة فى المدرسة"، هذا ما قاله لى أبى، عندها تمتم بعض الكلمات التى لم أسمعها، تركنى مبتعدا عنى وهو ينظر إلى حذائه القديم المهترئ، تركنى وأنا لا أفهم لماذا تركنى؟".
صمت الدكتور "أسعد" برهة ثم استأنف حديثه قائلا: "الآن أتذكر أن الموقف لم ينتهِ عند هذا الحد، وإنما استمر حتى دخلنا الفصل، فإذا به يشكونى إلى المُدرسة أننى قد تفاخرت عليه بحذائى الجديد، وأننى قد عايرته بحذائه القديم المتهالك، الأمر الذى لم يحدث، نفيت للمدرسة مزاعمه أمام التلاميذ، صدقتنى المدرسة وكذبته، وسط ضحكات زملائنا، ومن يومها ابتعد عنى ولم يكلمنى مرة أخرى".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.