بعد 1086 عامًا من تأسيسه، كيف حافظ الأزهر على مكانته كأكبر منبر للوسطية في العالم؟    توقعات جديدة للذهب، جي بي مورجان يحدد الرقم المرتقب للسعر العالمي    رئيس الوزراء يستعرض ملفات المشهد الإقليمي والدولي ..ويؤكد: مطلوب منّا أن نقرأ المتغيرات    وزير الاتصالات يشهد توقيع اتفاقيات بين «المصرية للاتصالات» و«إي آند مصر» لتنشيط الاستثمار وتحسين خدمات المحمول    الأربعاء الأسود، البورصة تخسر 75 مليار جنيه بختام تعاملات اليوم    موسكو تكشف إجمالي خسائر كييف منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية    صافحها بشدة ورفض ترك يدها، مودي يحرج سارة نتنياهو في مطار تل أبيب (فيديو)    اتحاد الكرة ينعى الإذاعي الكبير فهمي عمر    الاتحاد المصري لكرة القدم ينعي الإذاعي فهمي عمر    "الجزار بيبيعها ب 250 جنيه"، بيطري الأقصر يضبط 97 كيلو من لحوم بقرة مريضة    النادي الأهلي ينعي الإذاعي الكبير فهمي عمر    من "الكتبخانة" إلى الصرح العالمي.. ملامح تطوير الهيكل الإداري والتقني لمكتبة الأزهر    فعاليات الأوبرا الرمضانية، السيمفوني على المسرح الكبير وفرقة "بصمة" على المسرح الصغير    انطلاق مبادرة «رمضان بصحة لكل العيلة» بالإسماعيلية (صور)    تركيا: لن نقبل أي مساس بوحدة الصومال    الرسوم الأمريكية الجديدة تعزز تنافسية المنتجات المصرية في الولايات المتحدة    انهيار والدة فتاة بورسعيد ضحية أسرة خطيبها: "كنت عاوزه أفرح بيكي"    رنا رئيس وسوزان نجم الدين أوائل الحضور جنازة والد مي عمر    الوطنية للإعلام تنعي الإعلامي القدير فهمي عمر شيخ الاذاعيين    رجل الأعمال يكشف أمام المحكمة تفاصيل واقعة التعدي على فرد الأمن بالتجمع الخامس    احتفالية كبرى بمناسبة مرور 1086 عام على تأسيس الجامع الأزهر    ماركا: تشافي المرشح الأبرز لخلافة الركراكي في منتخب المغرب    الرئيس السيسي يجتمع مع مجلس أمناء الأكاديمية الوطنية لتدريب وتأهيل الشباب    السيسي يوجه باختيار الدراسين بالأكاديمية الوطنية للتدريب وفقاً لمعايير موضوعية دون مجاملات    وزير المالية عن تعديلات الضريبة العقارية: "اللى بيته ب9 مليون هيدفع 1400 جنيه"    الصغرى تصل إلى 7 درجات.. الأرصاد تحذر من الأجواء شديدة البرودة مساء    تراجع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 أمام الجنيه بالبنوك    ريال مدريد يجدد عقد فينيسيوس حتى 2030 مقابل 22 مليون يورو سنوياً    تموين الأقصر تطبق مواعيد استثنائية لفروع المصرية لتجارة الجملة خلال رمضان    سفارة مصر باليونان تكشف أسماء الناجين من حادث غرق مركب الهجرة غير الشرعية    حقيقة ادعاء سائق بدفع «فلوس» لعناصر تأمين الطريق لتحميل أجانب بالأقصر    الليلة.. "مسيرة الحصري" في أمسية رمضانية بقصر الإبداع الفني    نائب رئيس حزب المؤتمر: «صحاب الأرض» نموذج للدراما الوطنية الداعمة لقضية فلسطين    «لفقولي قضية في المرور».. الداخلية تكشف حقيقة ادعاءات مواطن بالفيوم    الصيام المتوازن للمرأة العاملة، نموذج غذائي يمنع الإرهاق في العمل    فتاوى رمضان.. وقت إخراج زكاة الفطر وحكم إخراجها بالقيمة    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    سبورت: تحركات من برشلونة للإبقاء على راشفورد    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    كيفو: حاولنا فعل كل شيء لكسر تكتل بودو جليمت الدفاعي.. هم يستحقون التأهل    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    جامعة القاهرة تنظم مسابقة "اللغة العربية.. هوية وإبداع"    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    «كامويش» خارج حسابات الأهلي في الموسم الجديد    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    «ترامب»: أنهينا عصر الفوضى خلال عام واحد فقط    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    أسرة عبد الرحيم علي في ضيافة نشأت الديهي.. عبد الرحيم علي: نجاحاتي جعلتني هدفًا للمتربصين وحملات التشويه.. وداليا عبد الرحيم: والدي يمتلك حجرات في قلبه لكل واحدة منا    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



التحول من النفوذ الفرنسي إلى الأمريكي وراء الصراع على نتائج الانتخابات الرئاسية في ساحل العاج
نشر في البديل يوم 22 - 12 - 2010

ساحل العاج أو”كوت ديفوار” هي الدولة الإفريقية ذات الموقع الاستراتيجي في خليج غينيا على سواحل الأطلسي، تحيط بها دول أفريقية كانت مستعمرات فرنسية. وتعتبر ساحل العاج إحدى معاقل الفرانكفونية، حيث فرضت عليها فرنسا لغتها وثقافتها، لذلك كانت لها أهمية ثقافية بالنسبة للاستعمار الفرنسي، فضلاً عن الناحية الاقتصادية والاستراتيجية. فهذا البلد الذي تتراوح التقديرات لعدد سكانه بين 5,14مليون نسمة، 16 مليون نسمة يعيشون على 500,322 كم مربع, ويمثل سكانه حوالي 60 إثنية، منها ما يعود إلى أصول أوروبية، وبوركينية، ومالية، وليبيرية، وسورية، ولبنانية، بالإضافة إلى الفرق الإثنية – اللغوية الأربع الرئيسة “الاكان , والكو, والماندي, والفولتايك” فهناك نحو60 لغة محلية.. إلا أن اللغة الرسمية للبلاد هي الفرنسية.
ورغم عدم اتفاق الإحصائيات، وتفاوت نسبة المسلمين فيها إلى عدد السكان، فإن أقرب هذه الإحصائيات “عام 2003 م” ترصد أن المسلمين يشكلون 65 % من السكان و المسيحيين 15%.. والبقية يتبعون عقائد وثنية محلية.
و هو بلد غني بالكاكاو حيث يشكل إنتاجها منه حوالي 40% من الناتج العالمي وتستغله الشركات الفرنسية، عدا وجود ثروات معدنية أخرى فيها مثل النحاس والألماس والكوبالت واليورانيوم وأكثر من يستغلها هم الفرنسيون. حتى إن المؤسسات المالية هناك أغلبها يسيطر عليها الفرنسيون. فنظامها مرتبط بفرنسا بجانب حكامها، وكذلك اقتصادها وأمنها، فما زالت فيها قوة عسكرية فرنسية تضم 900 عنصر تسند النظام الحاكم في البلد وتحمي الفرنسيين المستثمرين الذين يقدر عددهم ما بين 15 إلى 20 ألفا.
و من الثابت تاريخيا أن فرنسا دخلت ساحل العاج عام 1843 وأعلنتها محمية فرنسية، إلا أن المسلمين قاوموها وهزموها وأعلنوا فيها إمارة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية. ولكن الفرنسيين تمكنوا من احتلالها وفرض سيطرتهم عليها بمساعدة قبائل في دول مجاورة لها وأعلنوها مستعمرة فرنسية في عام 1893. وأعطوها الاستقلال الشكلي عام 1960 على غرار أكثر الدول الأفريقية التي أعطيت الاستقلال الشكلي من قبل فرنسا ديغول بسبب الظروف الدولية في تلك الفترة. وترأسها عميل فرنسا فليكس هوفيت بويجني (بوانييه) من تلك السنة حتى وفاته سنة 1993، وكان خلال سلطته معتمداً على فرنسا وقواتها بشكل مباشر، وقسم البلاد حسب ما أملته عليه فرنسا إلى:
مسلمين يمتهنون العمل في مزارع الكاكاو وجعلهم في حالة فقر وحرمان وتهميش يتعرضون للاضطهاد والظلم في الشمال، مع أن نسبتهم تصل إلى 65% من سكان بلدهم ساحل العاج، وإن كانت مصادر غربية تخفض نسبتهم إلى حوالي 40% أو أقل لسياسة معروفة،
وإلى وثنيين ميسوري الحال مع من تنصّر منهم في الجنوب ومنهم رؤساء البلد وقادة الجيش، وبقصد منع انتشار الإسلام بين الوثنيين والعمل على تنصيرهم.
لقد اهتمت أمريكا بإخراج ساحل العاج من النفوذ الفرنسي ووضعها تحت نفوذها. ولذلك بدأت تشهد أحداثا واضطرابات بسبب هذا الصراع. فشهدت انقلابا عسكريا في نهاية عام 1999 ووعد رئيس الانقلاب روبرت جيه بانتخابات جرت بالفعل في 22/10/2000، استطاعت فرنسا خلالها أن تبقى ممسكة بالحكم بتوصيل لوران غباغبو الموالي لها في الانتخابات رغم الوسائل الأمريكية المضادة.
ومع ذلك لم تهدأ الأساليب الأمريكية ووسائل الضغط المختلفة لدرجة خشيت فرنسا من سقوط غباغبو في الانتخابات التالية، ولذلك فعندما انتهت ولايته في 2005 أجّل إجراء الانتخابات لستّ مرات حتى جرت هذا العام بسبب الضغوط الأمريكية المتزايدة عليه وعلى نظامه وما تفرضه عليه من عزلة دولية وعقوبات، فكانت الجولة الأولى في نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والجولة الثانية في نهاية الشهر المنصرم 28/11/2010.
و علي الفور أعلن المجلس الدستوري الذي يؤيد الرئيس الحالي لوران غباغبو فوز الرئيس بنسبة 51,45 % ، بينما أعلنت لجنة الانتخابات فوز منافسه الحسن وتارا بنسبة 54,1%، فاعترفت أمريكا والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالنتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات وبفوز الحسن وتارا. ورفض الرئيس غباغبو ذلك معتبرا نفسه الفائز حسب ما أعلنه المجلس الدستوري وأصرّ على البقاء في السلطة وأيده الجيش.
إن اعتراف أمريكا والأمم المتحدة ومجلس الأمن بإعلان لجنة الانتخابات أي بسقوط غباغبو، وقيام أمريكا، ولا زالت، بأعمال التهديد والإغراء لجعل غباغبو يتنحى عن السلطة، يعني أن موقع غباغبو هو في الخط المضاد للسياسة الأمريكية وأنه لا زال محافظاً على ولائه لفرنسا.
أما الحسن وتارا فهو كان يشغل منصب نائب رئيس صندوق النقد الدولي وقد جاء به (بوانييه) رئيساً للوزراء استرضاءً لأمريكا لتخفيف ضغطها الذي كان ملحوظاً، وكانت فرنسا تدرك ميول الحسن وتارا خلال وجوده في صندوق النقد الدولي، لكنها لم تكن تخشاه مع وجود عميلها القوي المحنك (بوانييه)، وفي الوقت نفسه تهدئ من ضغوط أمريكا... لكن عند وفاة بوانييه عام 1993 خافت فرنسا على نفوذها وصعود نجم الحسن وتارا الذي بدأ يطبق سياسات صندوق النقد الدولي هناك، فأتت برئيس البرلمان هنري كونان بيديه ليرأس البلاد فترة انتقالية وليصدر قانونا يحول دون دخول الحسن وتارا الانتخابات الرئاسية ومن ثم لينصب نفسه رئيسا فعليا للبلاد عام 1995.
ودعمت أمريكا وتارا حيث اعتبرته هو الفائز وهو الرئيس الشرعي للبلاد، وأوجدت رأيا عاما دوليا حول هذا الموضوع، فأيدته الأمم المتحدة على لسان أمينها العام بان كي مون، واستطاعت أمريكا أن تستصدر قرارا في مجلس الأمن الدولي بهذا الشأن عندما أعلن في 9/12/2010 اعترافه بالحسن وتارا رئيسا لساحل العاج وأصدر تحذيرا للوران غباغبو ذكر فيه: “أن أعضاء مجلس الأمن الدولي يدينون وبأقسى العبارات الممكنة أية محاولة لهدم الإرادة الشعبية أو تقويض نزاهة العملية الانتخابة أو الانتخابات الحرة النزيهة”. وجعلت أمريكا كذلك الاتحاد الأفريقي أيضا يستصدر قرارا بتأييد فوز الحسن وتارا. وتستعمل أمريكا الضغوط والتهديدات بجانب الإغراءات لتجعل غباغبو يتنحى ويسلم السلطة للحسن وتارا. حيث رأيناها تحرك الاتحاد الأفريقي في هذا الاتجاه والذي أعلن في 9/12/2010 “تعليق عضوية ساحل العاج فيه إلى أن يسلم لوران غباغبو السلطة إلى الحسن وتارا”، وكذلك التجمع الاقتصادي لغرب أفريقيا (ايسكوا) الذي طلب من غباغبو التنحي وتسليم السلطة للحسن وتارا الذي اعتبره التجمع فائزا. وهكذا أثارت أمريكا الرأي العام العالمي وكل المؤسسات الدولية والإقليمية ضد غباغبو ونظامه وتثير الاضطرابات في البلد، وتحذر من تمزق أشد في البلد وتهدد بمزيد من العقوبات والعزلة الدولية، وبجانب ذلك تقدم الإغراءات له، حيث نقلت وكالة رويترز في 10/12/2010 عن مسؤول أمريكي بأن “أوباما عرض على غباغبو في حالة تنحيه أن يكون أوباما أول زعيم عالمي يشيد بقرار تنحيه عن منصبه، وأنه سيدعوه إلى البيت الأبيض لمناقشة تعزيز الديمقراطية في المنطقة وإعطائه دوراً يمكن أن يلعبه. وفي حالة رفضه فإنها أي أمريكا ستؤيد جهودا لفرض عزلة على غباغبو وتحميله المسؤولية إذا رفض التنحي”.
كانت ضغوط أمريكا وإجراءاتها السياسية، والتعامل بسياسة العصا والجزرة، أوجد رأياً عاماً دولياً اضطُرَّت معه فرنسا والاتحاد الأوروبي إلى تأييد نتيجة الانتخابات بفوز وتارا مقابل صفقة، تقودها فرنسا الآن ويدعمها الاتحاد الأوروبي، وبخاصة بريطانيا، تقول بتقاسم السلطة على غرار كينيا، فيبقى غباغبو رئيساً للجمهورية، والحسن وتارا رئيساً للوزراء. وتحاول فرنسا استعمال ورقة جيشها الموجود في ساحل العاج والجيش العاجي نفسه الذي لفرنسا النفوذ القوي فيه، تحاول فرنسا استعمال هذه القوة العسكرية كورقة ضاغطة للقبول بالصفقة. وقد تحرَّك الإنجليز لصالح فرنسا عن طريق نفوذهم في أفريقيا في هذا الاتجاه، فحركوا جنوب أفريقيا التي دعت في بيان أصدرته وزارة خارجيتها قالت فيه: “إن بريتوريا تدعو القادة المتنافسين إلى ضبط النفس والعمل من أجل المصالحة الوطنية، وأن تكون الوحدة هي الأولوية المطلقة خلال هذه الفترة”. (هيئة الإذاعة البريطانية 9/12/2010)، فجنوب أفريقيا لم تعلن تأييدها للحسن وتارا، بل تدعي أنها تهتم بوحدة البلاد وإلى إيجاد المصالحة التي تعني المحافظة على بقاء غباغبو في الحكم.. وواضح أن انجلترا تعمل ضد النفوذ الأمريكي، ليس من أجل عيون فرنسا بل لأن سقوط النفوذ الفرنسي في ساحل العاج سيؤثر في نفوذهم في البلاد التي يبسطون نفوذهم فيها ضمن القارة الأفريقية، وهم منذ فترة الاستعمار القديم كانوا في كثير من الأحيان يتفاهمون مع الفرنسيين للمحافظة على نفوذهما والتعاون مع بعضهما البعض في سبيل ذلك، وعندما ظهرت أمريكا إلى السطح وشنت ضدهما حملة لتصفيتهما من مستعمراتهما زادا تعاونهما للوقوف في وجهها. ومن ناحية ثانية فإنه يسهل على الإنجليز أن يبسطوا نفوذهم في البلاد التي يسيطر عليها الفرنسيون كما حصل في كثير من البلاد ومنها بلاد شمال أفريقيا، ولكن ليس من السهل عليهم أن ينافسوا أمريكا صاحبة القدرات الهائلة والإمكانيات الكبيرة، بالنسبة إلى الإنجليز، وبخاصة وهم يدركون أن أمريكا تعمل على تصفيتهم نهائيا من مستعمراتهم ومن أماكن نفوذهم.
وهكذا فإن المشكلة الانتخابية في ساحل العاج هي مشكلة صراع دولي طرفاه البارزان فرنسا وأمريكا. وأما المتوقع، فإن الصفقة لتقاسم الحكم تصلح إذا كان كل طرف لا يستطيع تنفيذ ما يريد كاملاً، أما إن كان أحد الطرفين يستطيع أخذ كل ما يريد أو يتراءى له أنه يستطيع، فإن حظوظ الصفقة تصبح ضعيفة، ومن تتبع ما يجري في ساحل العاج، والرأي العام الدولي الذي استطاعت أمريكا تحريكه ضد غباغبو، يجعل أمريكا تجد الفرصة سانحة لعدم الموافقة على الصفقة آملةً تنحية غباغبو واستلام الحسن وتارا السلطة، هذا على الأقل هو المتوقع في المدى المنظور، لكن لا ينفى احتمال الصفقة...، إن أمريكا ترى فيما يجري فرصة لاحت لها لأن تأخذ دولة أفريقيةفي نفوذها بالانتخابات دون انقلاب عسكري، فهذا الوضع يمنح أمريكا ذرائع أصدق ليجعلها تتبنى النظام الفائز وتدافع عنهم لأنهم يُحسَبون بأنهم شرعيون جاءوا بإرادة الشعب عن طريق الانتخابات، فلا يستطيع أحد أن يلومها ويتهمها بأنها تدعم نظما ديكتاتورية فيما لو جاء نظام موالي عن طريق انقلابات عسكرية.
وهكذا فإن المتوقع هو أن لا تتخلى أمريكا عن ضغوطها وتهديداتها لغباغبو وكذلك عروضها عليه لأن يتنحى. فالإدارة الأمريكية برئيسها وبوزيرة خارجيتها وغيرهما من موظفيها ألقوا بكل ثقلهم في هذه القضية حتى وإن استعمل السلاح والاقتتال الداخلي. فهي تتمسك بورقة نجاح وتارا وتسنده بكل قوتها حتى تقعده على كرسي الحكم لتتمكن من بسط نفوذها هناك. فقد صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون قائلة: “نحن متفقون بشكل كامل على أن الحسن وتارا هو الرئيس المنتخب بشكل شرعي لساحل العاج وأنه يحترم نتائج الانتخابات”. (الإذاعة البريطانية 3/12/2010). ويظهر أن أمريكا هذه المرة ستنجح في ذلك، وعليه فمن المحتمل أن ترفض أمريكا صيغة تقاسم السلطة المقترحة بأن يكون الرئيس هو غباغبو، ويكون الحسن وتارا رئيسا للوزراء، وبخاصة وأن نظام غباغبو مشهور عنه اضطهاد شعبه، وإن كانوا من المسلمين، وأمريكا تتخذ هذا الاضطهاد ذريعة لحملتها الرامية لبسط نفوذها في ساحل العاج وإزالة النفوذ الفرنسي منها ومن المنطقة كلها. وقد حذرت أمريكا رعاياها من الذهاب إلى هناك، وقالت في بيان خارجيتها إنها: “ترجح حدوث تظاهرات ولا تستبعد أن تصبح عنيفة” (أ.ف.ب 5/12/2010) أي كأنها تدعو لذلك، أو أعدَّت لذلك إذا لم يتنحَّ غباعبو، ما يدل على إصرار أمريكا على أن يحل نفوذها كاملاً محل النفوذ الفرنسي في مقابل إصرار فرنسا على تقاسم السلطة.
أحداث الساعات الأخيرة
طالب رئيس ساحل العاج المنتهية ولايته لوران غباغبو برحيل قوات الأمم المتحدة والقوات الفرنسية، ورفض التنحي عن منصبه، رغم الضغوط الدولية المتزايدة عليه من أجل تسليم السلطة إلى الحسن وتارا، الذي أعلنته لجنة الانتخابات فائزا في انتخابات الرئاسة, وقالت متحدثة رسمية إن حكومة الرئيس لوران غباغبو طلبت من بعثتيْ حفظ السلام التابعتين للأمم المتحدة ولفرنسا مغادرة البلاد، وأصبحت تعارض أي تجديد للتفويض الخاص بهما.
وكان جيش ساحل العاج -الذي لا يزال وفيا للوران غباغبو- قال أمس الجمعة إنه لا يعتبر قوات الأمم المتحدة محايدة، واتهمها بتسليح أنصار الحسن وتارا وجلبهم إلى العاصمة الاقتصادية أبيدجان.
وكانت قوات الأمم المتحدة -التي تشارك في توفير الحماية للفندق الذي اتخذه الحسن وتارا مقرا للحكومة- قد تعرضت لإطلاق نار من طرف مسلحين بزي عسكري.
وقال المتحدث باسم غباغبو ألان توسان لوكالة رويترز إن “الرئيس غباغبو لن يذهب إلى أي مكان، لقد انتخب خمس سنوات ولن يترك السلطة إلا عام 2015′′.
واستنكر توسان دعوة الاتحاد الأوروبي الجيش للتمرد ودعم وتارا، وقال “جيش ساحل العاج جمهوري، وهو مخلص للمؤسسات في الجمهورية.. دعوة الاتحاد الأوروبي غير مسؤولة بالمرة ومخزية”. وحذر من أن هذه الدعوة تعني أن “الاتحاد الأوروبي يدعو إلى حرب أهلية في ساحل العاج”.
كما انتقد المتحدث كلا من فرنساا- والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وقال إن هذه الأطراف “تريد تنفيذ مؤامرة انقلاب دستوري، ونحن نقول لا، لا يمكننا السماح لحكومات أجنبية بالتدخل في شؤوننا”.
وخص بالذكر من بين القادة الذين دخلوا على خط الأزمة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي وجه دعوة لغباغبو بالتنحي، حيث قال المتحدث “أعتقد أن الرئيس غباغبو وساركوزي ليس لديهما ما يقوله أحدهما للآخر، لأن هذا شأن داخلي”.
وفي نفس الإطار، قال المسؤول في الخارجية الأمريكية عن شؤون غرب أفريقيا وليام فيتزجيرالد إن دولا أفريقية وعدت غباغبو بتدبير “خروج سلس” إلى منفى إذا ما وافق على التنحي.
وفيما يعد تهديدا خجولاً، قال المسؤول الأمريكي إن بلاده ستفرض عقوبات تتعلق بالسفر على غباغبو والمقربين منه وعائلاتهم في غضون أيام، إذا ظلت الأزمة السياسية في ساحل العاج بدون حل.
وهكذا يبقى مصير هذا البلد الذي يعتبر بلدا إسلامياً، وأغلبية أهله من المسلمين، يبقى محلاً للصراع الدولي ولصراع المستعمرين الناهبين لخيراته؛ ففرنسا تحرص على بقاء دور مؤثر لها في ساحل العاج، وأمريكا تحرص على أن يخلو ساحل العاج لها وحدها، في حين أن ساحل العاج بلد إسلامي، أغلبية أهله من المسلمين، حُكِم بالإسلام من قبل، والواجب أن يُمسك أهله بمصير بلادهم دون تدخل نفوذ للمستعمرين .
مواضيع ذات صلة
1. هيكل : مبارك لو ترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة سينهيها وعمره 90 عاما وهذا فوق طاقة البشر
2. أحزاب السويس تقيم عزاء للديمقراطية احتجاجا على تزوير نتائج الانتخابات
3. نتائج الانتخابات
4. إعلان نتائج الانتخابات في الغربية والوطني يكتسح وشوبير يتهم الأمن بتزوير الانتخابات
5. فنزويلا ترفض دخول السفير الأمريكي الجديد بسبب تصريحات مسيئة له أمام مجلس الشيوخ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.