في خطوة توسع هوة الخلاف بين النظام الجزائري وجماعة الإخوان "حمس"، رفضت الأخيرة المشاركة في الحكومة بدعوى عدم جدية الإصلاحات السياسية في البلاد، الأمر الذي يعيد إلى الاذهان سنوات التوتر بين الدولة والحركات الإسلامية (العشرية السوداء) ويفتح المشهد السياسي على الكثير من السيناريوهات الغامضة في علاقة الجانبين. يقول متابعون إن هذه الخطوة قد تنهي سنوات من التوافق بوضع علاقة الطرفين في منعرج غير مسبوق، وقد شهد القرنان الماضيان شراكة سياسية بين الإخوان والدولة، وباتت هذه الخطوة تقلق البعض على المستقبل الجزائري السياسي، لا سيما وأن الأمر لا يتعلق بمجرد رفض الانضمام إلى الحكومة بل يتعداه إلى خصام سياسي قد لا ينتهي في السنوات المقبلة. مجلس الشورى الوطني لحركة مجتمع السلم "حمس" قرر رفض عرض بالمشاركة في الحكومة، وصوت نحو 190 عضوا في المجلس بالرفض من أصل 208، ولم يؤيد المشاركة في الحكومة سوى 9 أعضاء، وامتنع 10 آخرون عن التصويت الذي جرى الجمعة الماضية. يأتي قرار الرفض بعد تلقي الحركة عرضا رسميا لدخول التشكيلة الحكومية المقبلة، كما جاء بعد احتجاج الحركة على ما وصفته بتزوير في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بالعديد من الولايات حرمتها من عدد كبير من المقاعد، حيث حصلت الحركة في الاستحقاق البرلماني على 34 مقعدا فقط. وحلت "حمس" ثالثة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بعدما خاضت الانتخابات بقوائم موحدة مع جبهة التغيير الإسلامية، وهي الجبهة التي انشقت عن حركة الإخوان مع عدد كبير من الكوادر الإسلامية في 2008، وذلك بسبب خلافات مع قيادة الحركة حينها، حيث أسسوا حزبا سياسيا، لكن بدأت مؤخرًا مشاورات للعودة والاندماج مجددًا في صفوف الحركة. وصرح رئيس جبهة التغيير بأن التحالف مع حمس لا يتعلق بالانتخابات فقط وإنما سيستمر حتى إعلان الوحدة النهائية، الأمر الذي يؤشر إلى انصهار مرتقب بين الحركتين ومزيد من التنسيق بينهما في المواقف السياسية، وهو أمر رأى مراقبون أنه يعزز الفجوة بين السلطة والإخوان، لا سيما أن جبهة التغيير كانت مشاكلها تتلخص في قيادي الحركة السابق أبو جرة سلطاني، وهو من القيادات الإخوانية المؤيدة للمشاركة في السلطة. النظام الجزائري من جانبه أراد أن يستميل "حمس" للمشاركة في الحكومة الجزائرية، لا سيما وهي منضمة للحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ 1995، حتى 2012، وهو العام الذي فكت فيه الحركة الارتباط بالسلطة وتحولت إلى صفوف المعارضة، وتمثلت هذه الرغبة لدى الحكومة في تحركات عدة بدأها رئيس الوزراء عبد المالك سلال، باتصال برئيس الحركة عبدالرزاق مقري، ليكون أول الشخصيات السياسية التي يتصل بها من أجل إطلاعه على رغبة الرئيس بوتفليقة في انضمام حركة حمس للحكومة القادمة. كما أطلق الرجل الأول في حزب الأغلبية "جبهة التحرير الوطني" جمال ولد عباس رسائل غزل لأكبر الأحزاب الإخوانية لإقناعها بمسعى توسيع القاعدة السياسية للحكومة بضم جميع الأطياف الممثلة في البرلمان الجديد، وقال ولد عباس "لدي رفاق وزملاء في حمس على كفاءة عالية في مجال التسيير، ويمكن أن يشكلوا إضافة للطاقم الحكومي، ويمكن للحركة المساهمة في إنجاح عمل الحكومة، وتنفيذ برنامج الرئيس بوتفليقة"، مضيفًا "سلال نقل رغبة بوتفليقة لقيادة حمس لأنهم ليسوا إسلاميين متطرفين، وبإمكان كوادر الحركة أن يكونوا إلى جانب الأطياف الأخرى في الحكومة الجديدة". وتضم الحكومة الحالية وزراء من حزب جبهة التحرير الوطني الذي تصدر الانتخابات البرلمانية الأخيرة وحصل على 161 مقعدا من أصل 462، كما تضم التجمع الوطني الديمقراطي الذي حصل على 100 مقعد، إلى جانب مستقلين محسوبين على رئيس البلاد. وفي الوقت الذي أعلنت فيه حمس رفضها المشاركة في الحكومة برز إلى السطح جناح الحمائم داخل الإخوان الذي يؤكد على وجوب مشاركته في السلطة، حيث يجد رئيس حمس، مقري، أمامه معارضة داخلية يحركها منذ أسابيع خصمه الوزير السابق أبو جرة سلطاني، الذي قاد الحركة الإسلامية إلى المشاركة في تحالف رئاسي لدعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إلى مايو 2012، وتمثلت هذه الضغوط على كوادر مجلس الشورى (برلمان الحزب) في تكثيف سلطاني الظهور على شاشات التلفزيون وأعمدة الصحف المحلية للإقناع برؤيته، وحسب تصريحاته فإن "المكان الطبيعي لحزب حمس هو السلطة وليس المعارضة". وحذرت كتلة الحمائم في الإخوان من تداعيات رفض الدخول في الحكومة ومما أسموه ب"العواقب الوخيمة التي ستظهر نتائجها في الاستحقاقات القادمة، وأن التوجه سيضع حركة مجتمع السلم في موقف محرج، خاصة أنها سبق أن عبرت عن رغبتها في المشاركة في الحكومة قبل التشريعيات"، داعيًا هؤلاء إلى ضرورة العودة إلى الخط السياسي الذي رسمه مؤسس الحركة محفوظ نحناح، المعروف ب"الشراكة السياسية مع السلطة والتغيير من الداخل"، واعتبروا الخطوة بمثابة القفز نحو المجهول.