وزير المالية: تطبيق ضريبة الدمغة بدلًا من «الأرباح الرأسمالية» فى البورصة    السكة الحديد ترشد استهلاك الكهرباء بجميع المحطات والقطارات| تفاصيل    ترامب: لست مستعدا بعد لإعلان ما سنفعله إذ تعرض الطيار المفقود للأذى    متحدث النواب السابق ينتقد صمت العالم أمام قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    وقفة احتجاجية أمام السفارة الفلسطينية بطرابلس ضد قانون إعدام الأسرى    إسرائيل تكثّف غاراتها من الضاحية إلى الجنوب في لبنان    رقم مميز ل أشرف حكيمي بعد مباراة باريس سان جيرمان وتولوز    إصابة سيدة ونجلها بطلق ناري في ظروف غامضة بقنا    طارق الشيخ يطرح أغنية اتنين في واحد من فيلم "إيجي بيست"    جوارديولا عن محمد صلاح: أبرز أساطير ليفربول والدوري الإنجليزي الممتاز    مدرب القناة يكشف سر الاستعانة بالجوهري في العودة لدوري الأضواء    مبابي وفينيسيوس يقودان قائمة ريال مدريد أمام ريال مايوركا    حماس تؤكد ضرورة تنفيذ بنود وقف إطلاق النار واستكمال المرحلة الأولى    تحديد مصدر تسرب بقعة السولار بترعة الإسماعيلية بالقليوبية وغلق الخط    كشف ملابسات واقعة التحرش في حلوان    بمشاركة دونجا | النجمة يسقط أمام النصر بخماسية في الدوري السعودي    عمرو اديب ولميس الحديدي يحتفلان بخطوبة نجلهما    الأوقاف: يوم اليتيم مسئولية إنسانية ودينية تؤكد قيم التكافل وبناء المجتمع    مقهى يتخفى داخل محطة بنزين بالقليوبية هربا من قرارات الغلق    السفير نبيل نجم: كنا نتوقع خطر إيران والخميني وصفنا ب "الصديق العدو"    أول صور لحادث انقلاب ميكروباص بالغربية أثناء توجهه لحفل زفاف    الداخلية تكشف ملابسات فيديو طالب عالق بشرفة مدرسة بالقليوبية    محافظ الوادي الجديد تتابع توفر السلع الأساسية والجاهزية لموسم حصاد القمح    بمشاركة دونجا، النصر يقسو على النجمة بخماسية في الدوري السعودي    وليد ثابت: "كرامة المبدع" ليست شعارًا عاطفيًا.. وأسعى لسد "فجوة المعاش" بدراسات علمية    طلاب "من أجل مصر" بعين شمس يشاركون في ورشة "مواجهة مخططات إسقاط الدولة"    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد رسامة وتنصيب القس مينا غطاس بمُنشية ناصر بديروط    الجمعة العظيمة في لبنان.. طقس روحي جامع    بالصور.. تكريم سهير المرشدي وسيف عبد الرحمن ومحسن محي الدين في ختام مهرجان الأقصر الأفريقي    عضو بالشيوخ: استجابة وزير الصناعة لمقترح تطوير التعدين خطوة مهمة لتعظيم القيمة المضافة    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية «أطفال بلا سرطان»    نقابة المهندسين بالإسماعيلية تبدأ أولى لقاءاتها المباشرة لتطوير منظومة مزاولة المهنة    يا منتهى كل رجاء    أناكوندا.. رمزية تناول الموروثات الاجتماعية في "شباب الجنوب"    وزير الصحة الفلسطيني يحذر: غزة على حافة تفشي الأوبئة بسبب انتشار القوارض    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    مُفسِّر العالَم    بعد هتافات مقصودة ضد الإسلام .. مصريون يدعون "فيفا" للتحقيق في عنصرية جماهير أسبانيا    وزيرة التنمية المحلية والبيئة: إزالة مباني مخالفة بحي ثان المحلة الكبرى واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين    في ظل أزمة طاقة عالمية.. القوات المسلحة توضح استراتيجية مصر لضمان الاستمرارية وحماية الاقتصاد الوطني    ضبط المتهم بالتعدي على «حمار» في البحيرة    شبهة جنائية في واقعة السلخانة.. العثور على جثة شاب بعد يومين من وفاته بالفيوم    بيراميدز يضرب إنبي بثنائية في الشوط الأول بنصف نهائي كأس مصر    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    «نيويورك تايمز» تكشف كواليس إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    سامح حسين: مهرجان شباب الجنوب رسخ مكانته كأبرز منصات المسرح في مصر والعالم    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    4 آبار غاز جديدة تضيف 120 مليون قدم مكعب يوميًا لإنتاج مصر من غرب البرلس وخالدة    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أيامى مع جوجول
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 09 - 02 - 2026


سيرجى ت. أكساكوف
ترجمة: رولا عادل رشوان
روما، 28 ديسمبر 1840
أشعر بتقصيرٍ كبير تجاهك، يا صديق روحى سيرجى تيموفيفيتش، لأننى لم أكتب إليك فور استلامى لرسالتك التى أدخلت على نفسى بهجة عظيمة كنتُ، فى تلك الآونة، طريح الفراش لم أشأ أن أزعجك بالحديث عن علّتي، خصوصًا وقد بلغك، من حيث لا أعلم، نبأ فادحٌ بفقدٍ عظيم؛ ولم أرغب فى الكذب عليك، فقررتُ تأخير الكتابة.
أما الآن، فأكتب إليك وأنا فى حالٍ أفضل، وقد أنقذتنى رحمة الله العجيبة من مرض كنتُ على يقينٍ أنه لن يُمهلنى طويلًا أشياء كثيرة وعجيبة جرت فى فكرى وفى حياتي!
ذكرتَ فى رسالتك أنك تؤمن بأننا سنلتقى من جديد، وكما يشاء القدر العظيم، لعلّ هذه الأمنية القوية من طرفينا تتحقق بل يبدو أن الظروف الآن تمضى فى هذا الاتجاه.
أما المنصب الذى كنا نأمل فيه، والذى كان سيضمن بقائى فى روما، فغالب الظن أننى لن أحصل عليه وقد كنت أتوقع ذلك، منذ الوهلة الأولى التى التقيت فيها بكريفتسوف، ذاك الرجل الذى خدع الجميع بمظهره هو إنسان لا يحب إلا ذاته، ويتظاهر بحب الآخرين فقط لإرضاء نرجسيته لا يرانى سوى خرقة، لا قيمة لها. إنه لا يؤمن بكرامته الحقيقية، بل بشهرته فحسب وهو، وهذا أمرٌ طبيعي، يرغب فى لعب دور لا يدرك أبعاده، حتى بكل البريق والعلاقات التى يظن فى نفسه امتلاكها. على كل حال... ليعفو الله عنه!
أنا راضٍ عن كل ما يحدث لى فى هذه الحياة. وعندما أتمعّن فى البركات العظيمة التى ساقنى الله إليها عبر تلك الأحداث التى اعتاد البشر وصفها بالمآسى و الإخفاقات، فإننى لا أجد كلمات كافية أعبر بها عن امتنانى لليد الخفية التى تقودني.
وهناك سبب آخر قد يمنح الأمل بعودتي، هو انشغالى الحالى بمراجعة شاملة للمجلد الأول من «الأرواح الميّتة» أبدّل كثيرًا من المواضع، وأرتب، وأعيد صياغة الكثير من المقاطع، وأدرك تمامًا أن طباعته دون وجودى غير ممكنة شيئًا فشيئًا تتبلور الصورة أمامى أكثر، ويبدو لى أن محاولتتى ستنتهى إلى عمل عظيم، إن أعانتنى قدراتى المتواضعة وأدرك الآن كم من أفكارٍ قوية، وظواهرَ عميقة، يمكن أن تُستمد من حبكةٍ قد تبدو للعين غير الخبيرة ظاهريًا بسيطة أقصد بالطبع تلك الفصول الأولى التى عرفتموها أنتم من قبل، فأفكارها البريئة والمتواضعة.
أكل المرض من وقتى الكثير، لكن، الحمد لله، بدأت أشعر بين حين وآخر بتحسّن كنت فى أشدّ الحاجة إليه وأعزو بعضًا من تحسنى إلى عادة شرب الماء البارد، التى نصحنى بها الطبيب – ليمنحه الرب البركات – إذ يرى أن البرودة ستعالج حالتي والهواء الآن فى روما صافيًا، جميلًا لكن الصيف، الصيف... آه! لا بد لى أن أقضيه فى سفر فقد تضررتُ كثيرًا من إقامتى الطويلة فى فيينا الخانقة لكن، ما العمل؟ لم أملك حينها الوسائل التى قد تعيننى على الترحال، ناهيك عن أننى بالغت فى التخطيط ليتنى أستطيع السفر طويلًا كل صيف! فالسفر فيه منفعة عظيمة لجسدى وروحي.
أما بخصوص زيارتى الأخيرة إليك، فإنني، وإن لم أفهم معناها فى البداية، أدرك الآن كم كانت ذات أهمية عظيمة لي أشعر فى داخلى أن حب روسيا بات قويًا ما كنتُ أجده فى السابق من تصرفات الناس أو عيوب فى البلاد مزعجًا ولا يُطاق، صار الآن يبدو لى تافهًا وغير ذى شأن، بل أجدنى الآن أتساءل بهدوء: كيف كنت أحتمل نفسى بشخصيتى المنزعجة تلك طوال الوقت؟ بل إننى أفكر دائمًا فى ما كسبته من زيارتى الأخيرة إلى موسكو! يا له من مكسب! وما كان أغنانى عن البحث والرحيل لأدرك كم هو ثمين!
حقًا، لا أعلم بأى صيغة أتجه بشكرى لربّي. لكن حين أفكر بك، وبذلك الشاب المليء بالنعمة والفتوة، الذى تعلّق بى وأحبّنى وقدّرنى تمام التقدير، أشعر بلطف حقيقى وسرور يغمرني...
لكن كفى حديثًا عن هذا الآن! فإن المشاعر الحميمة تفقد قدسيتها إن طُبعت بالكلمات.
كنتُ أودّ أن أؤجل هذه الرسالة حتى أرسل معها صفحات «المفتش العام» المعدلة، وأطلب منك طبعها فى طبعة ثانية؛ لكن الوقت لم يسعفني. وأنا رجل بطبعى أتهرب من المُلحّ العاجل، وأسعى دائمًا للانتهاء من كل ما هو غير عاجل.
أشعر بالهلع حين أفكر فى الديون التى أثقلت كاهلي. أعلم أنك ربما تمرّ حاليا بضائقة مالية، لكننى آمل أن أرسل لك، خلال أسبوع، التصحيحات والملحقات الخاصة ب«المفتش العام»، لعلّها تعينك ماديًا. ويُستحسن أن تحصّل من طبعها ما لكَ من حقوق أولًا، ثم الألف روبل التى اقترضتها من بانوف، والتى وعدت بدفعها فى فبراير.
بانوف رجل نبيل من كل وجه، وقد جنى من إيطاليا منافع لم يكن لينالها فى ألمانيا، وهو مقتنعٌ بذلك تمامًا مع ذلك، إذا أردنا الإنصاف، فلا أدرى لماذا لا يتمكن الشباب فى روسيا من تحقيق أقصى ما لديهم من أحلام ببذل أقصى ما يملكون من طاقات. لا شك أن الخوض فى ذلك سيقودنا إلى نقاشات طويلة. لذا، أكتفى بهذا الآن..
صديقك المخلص جوجول
كُتبت هذه الرسالة بنبرة مغايرة تمامًا لما سبقها من رسائل، وهى نبرة ظلت سائدة فى روح جوجول حتى النهاية ويبدو جليًا أن أمورًا عظيمة قد أصابته وواجهها فغيّرت من روحه، إذ إنّ شيئًا فى كيانه الأخلاقى قد تبدّل ليس المقصود أنّه أضحى إنسانًا آخر غير ما كان عليه، بل الحقيقة أنّ الجوهر الداخلى كان كامناً فيه منذ أيامه الأولى؛ وإنه ظلّ، إن صحّ القول، محجوبًا خلف مظهر خارجى بشري. ومن هنا بدأ سعى جوجول الحثيث نحو تهذيب الإنسان داخله، والاتجاه نحو السيطرة الأخلاقية والتوجّه الديني.
لم أجرؤ على سؤاله تفصيلًا عمّا وقع له. كان ذلك بدافع من الرقة والاحترام، إذ لم أشأ أن أقتحم خصوصيته الفطرية، كما خفت، فى الوقت ذاته، أن يتطرق إلى الحكى عن ظواهر روحية أو نفسية لم أكن أؤمن بها – ولا أزال – لاعتقادى بأنها نتاج لحالة من الإرهاق النفسى والبدني. ومع ذلك، علمتُ أن جوجول خلال مرضه قد رأى رؤى، قصّها فيما بعد على التاجر ن. ب. بوتكين، الذى كان فى روما آنذاك، واعتنى به بحنوٍّ وأخوة صادقة.
أما المنصب الذى كنّا نرجو منحه لجوجول، فقد بدا أنه لم يُمنح له قط. فقد عُيّن كريفتسوف وصيًا ومحاميًا رسميًا على جميع الفنانين الروس المقيمين فى روما، وكان جوجول يأمل أن يكون معاونًا له، وهو منصبٌ كان سيعود عليه براتب يتجاوز الألفى روبل نقدًا، الأمر الذى كان ليكفل استقراره هناك. ويبقى غير واضح ما الذى قصده جوجول على وجه التحديد بقوله: «البركات العظيمة التى ساقنى الله إليها عبر تلك الأحداث التى اعتاد البشر وصفها بالمآسى و الإخفاقات» – فهذا الجانب ظلّ لغزًا بالنسبة لي.
غير أنّ كلمات جوجول ذاتها تدعم رأيى بأنه بدأ كتابة «الأرواح الميّتة» كقصة فكاهية مسلية، ولم يدرك إلا لاحقًا، بحسب تعبيره، » كم من أفكارٍ قوية، وظواهرَ عميقة، يمكن أن تُستمد من حبكةٍ قد تبدو للعين غير الخبيرة ظاهريًا بسيطة» بعبارة أخرى، تشكل هذا العمل العظيم تدريجيًا، واكتسب مع الوقت طابعًا تأمليًا حادًا فى ظواهر الحياة الاجتماعية المؤلمة؛ وحينها، تولّدت فيه الحاجة إلى الإفلات من هذا الحشد المخيف من الشخوص الغريبة... أما قدرته على إنجاز هذه المهمة، ومدى إمكانية تحقيقها، فذلك شأن آخر سأفصّل فيه فى نهاية هذه الملاحظات.
إن قول جوجول بأنه يشعر الآن بحب قويّ لروسيا هو، فى جوهره، اعتراف غير مباشر بأنه لم يكن يشعر بذلك من قبل، أو أنه لم يراوده إلا قليلاً ولا شك أن إقامته فى موسكو، وغمره بجوّها الروسى الأصيل، وصداقته معنا، وتحديدًا تأثير كونستانتين، الذى ظلّ يُفصح له بحماسة عن قناعاته العميقة والمقدسة حيال الشعب الروسي، كانت جميعها عوامل صنعت هذا التحوّل.
لقد لاحظتُ بنفسى الأثر الكبير الذى تركته هذه الأحاديث فى نفس جوجول، رغم أنّه اعتاد دائمًا أن يُخفى ما يدور فى داخله. وحدها هذه الرسالة كانت الأولى والوحيدة التى عبّر فيها بصدق عن مشاعره. فيما اعتاد قبل هذه الرسالة وبعدها السخرية من طبيعة الإنسان الروسي.
وهناك شاهدٌ آخر على هذه اليقظة الروسية، والتى بزغت تحديدًا فى موسكو عام 1840: فى المجلد الأول من «الأرواح الميّتة» ثمة مواضع واضحة تمامًا نُسجت بهذه الروح، والتى لا تتناغم مع النبرة الساخرة أو الخطاب السابق للكاتب.
وحين قال: «وما كسبته خلال زيارتى الحالية لموسكو» فقد كان يقصد بذلك صداقته بى وبعائلتي؛ أما حين تحدّث عن «الشاب المليء بالنعمة والفتوة»، فكان يقصد كونستانتين.
مرّ قرابة شهرين دون أن أتلقّى من جوجول أى رسالة وعندما وصلتنى الرسالة المؤرخة فى 5 مارس 1841، كانت الصدمة قد سبقت الحبر إلى قلبي؛ فقد شاءت إرادة الله أن نفقد، فى اليوم ذاته، ابننا الحبيب، الذى كان يفيض صحةً وأملًا مشرقًا. ولهذا، أوكلتُ إلى بوجودين مهمة تنفيذ تعليمات جوجول كافة.
5 مارس 1841 - روما
يحزننى انقطاع أخبارك يا سيرجى تيموفيفيتش هذه المدة الطويلة وربما كنتُ أنا السبب فى ذلك؛ فربما انتظرتَ منى أن أرسل إليك التعديلات والإضافات التى وعدتك بها للطبعة الثانية من «المفتش العام». غير أننى لم أجدها فى أى مكان. وها أنا، صدفة، أعثر عليها حيث لم يخطر لى أن أبحث. لو تعلم كم بات يؤلمنى أن أنصرف، ولو للحظة، عن العمل الذى يُشغل روحي، لأُنجز شيئًا عاجلًا! على كل حال، ها هى الملحقات أخيرًا، أرسلها إليك.
أرفق لك طيّه أيضًا رسالة كتبتها سابقًا إلى بوشكين بناءً على طلبه، حين كان فى الريف، وكانت المسرحية تُعرض فى غيابه. رغب بوشكين فى كتابة مراجعة شاملة لها لمجلته، وطلب منى أن أصف له كيف قُدمت على الخشبة.
لم أرسلها، إذ عاد هو بعدها إلى البلاد على وجه السرعة وقد اقتطعتُ منها ما يخصنى ويخصه، وأبقيتُ ما قد ينفع فى العروض المستقبلية ل«المفتّش العام». وأحسب أن هذه المقتطفات لن تكون عبئًا زائدًا على ممثل فطن قد يسند إليه يومًا دور خليستاكوف.
يُستحسن إدراج هذه الرسالة، مع عنوانها، فى ختام النص المسرحي، يليها مباشرة المشهدان المرفقان، اللذان حُذفا من النص. وينبغى كذلك الاستغناء عن وصف الأدوار المختصر فى مقدمة الطبعة الأولى؛ لا حاجة له البتّة. خذ من النسختين التغيير الذى أجريته فى الفصل الرابع، وهو تغيير ضرورى جداً وقد أرفقته فى هذه الرسالة أوكل إليك تنفيذ كل هذه التعديلات، لكن بالطريقة التى تراها مناسبة.
والآن، لا بد لى أن أحدثك بشأن أمرٍ جلل؛ سيتولى بوجودين إطلاعك عليه. تشاورا معًا لتدبير الأمور بأفضل ما يكون أستغيث بك هذه المرة صراحة ودون مواربة، ليقينى الكامل بحقى فى ذلك، وإحساسى الأصيل بهذا الحق.
أجل يا صديقي! أنا سعيد سعادة لا توصف. فرغم اعتلال صحتى وازدياد علّتى قليلًا، فإننى أعيش لحظات لا توصف من البهاء، إذ يُولد فى أعماقى إبداعٌ عظيم ويتشكّل أمام عيني، حتى إن عينيّ تغرورقان مرارًا بالدموع من فرط الامتنان أرى بوضوح إرادة الإله المقدّس سرّه فى ما يجري؛ فمثل هذا الوحى لا يُبتدع من إنسان ليت الله يمنحنى ثلاث سنوات أخرى من هذه اللحظات! إننى لا أطلب من الحياة سوى ما يكفى لإنجاز عملي. لا أريد حتى ساعة زائدة.
الطريق، الرحلة، هما وحدهما يعيدان إليّ الحياة كما تعلم. لكنني، للأسف، أنفقت كل ما أملك منذ أشهر. فلا بد من الاستدانة وبوجودين سيُخبرك بالتفاصيل وبحول الله، سأفى بكل شيء فى مطلع عام 1842، إذ لديّ الآن ما يكفى من الأعمال المنقحة الجاهزة للطبع، والتى يُفترض أن تطبع بحلول نهاية العام، وما سأحصل عليه منها كافٍ تمامًا لتسديد الدين.
أنا جاهز الآن للعودة إليكم، وموسكو هى وطني، وفى مطلع الخريف سأضمّك إلى صدرى الروسي. جرت كل الأمور بعناية حكيمة من العناية الإلهية: وصولى إلى موسكو، ورحلتى الراهنة إلى روما — كل ذلك تم على خير ما يُرام. لا تُخبر أحدًا بقدومي، ولا بخطتى بشأن أعمالي، لا من قريب ولا من بعيد.
ولكنني، لا أخفيك، أشعر بشيء من الخجل أن أعود وحدي الرحلة ترهقني، وها أنا بالكاد أستطيع تدبر شؤونها، ولم تعد لديّ القدرة على مشاغل الطريق وتفاصيله. أحتاج إلى السكينة، إلى أفعالٍ تُبهج روحى وتُدخل السرور عليها؛ على بذل كل حهد لصون روحى وتكريمها فى هذه المرحلة.
وها هو اقتراحي: ليأتِ إليّ ميخائيل سيميونوفيتش وكونستانتين سيرجيفيتش، فهما بأمسّ الحاجة إلى ذلك؛ الأول لصحة بدنه، والثانى لأنه آن الأوان ليبدأ رحلة تعليمه وجذبه طريق الفن والأدب ما من اثنين أحب إلى روحى منهما؛ وإنْ لم أجدهما، فلن تطيب لى العودة. سأرجع، عندئذ، كما يعود التلميذ الصغير من مدرسة عسيرة المهام إلى بيته، فرحًا، مستبشرًا، متلهفًا للهواء النقى تحت سقف أهله.
أحتاج أن صون روحى الآن؛ لا لنفسي، لا! بل لأن صونها سيقدم خدمة عظيمة للأدب والتاريخ. سيحضر الصديقان لاصطحابي، لاصطحاب المزهرية الطينية التى صحيح أنها باتت مشققة، عتيقة، بالكاد تتماسك، لكنها الآن تحوى كنزًا ثمينًا، ويجب أن تُحمى وتحفظ بكل عناية أنتظر ردك، فكلما وصل الصديقين أسرع كلما كان هذا فى المصلحة.
آه، لو تعلم كم أشتاق لاحتضانك! وداعًا – يا لها من كلمة جميلة!
قبّل عنى الجميع: أولجا سيميونوفنا، ڤيرا سيرجيفنا، أولجا سيرجيفنا – جميعهن، بلا استثناء!
رجاءً، وجّهوا رسائلكم إليّ باسم المصرفى فالنتيني؛ فهذا أضمن من البريد العادي. عنوانه: ساحة أبوستولي، قصر فالنتيني.
أدخلت هذه الرسالة بهجة صافية إلى قلوب أصدقاء جوجول، وكذلك إلى قلبى وقلب أسرتي، بقدر ما استطاعت قلوبنا الحزينة أن تنفتح للفرح لقد جاءت تأكيدًا لا لبس فيه لنداء جوجول الروحى العميق نحو روسيا، كما تُظهره عبارته المؤثرة: «إلى صدرى الروسي». ومن خلالها نستشف أنه كان يعتزم الانتقال إلى موسكو بصفة دائمة، دون نية فى السفر مجددًا إلى أى بلاد أجنبية، وهذا ما صرّح لى به بنفسه، صراحة، عند عودته من روما.
وما أعظم الإيمان الذى تنضح به كلماته بشأن عمله، الذى لم يكن يعتبره سوى مهمة إلهية، رسالة قدّرت له السماء أن ينجزها فى حياته! لم يكن بوسع الصديقين المذكورين على كل حال فى السفر إليه لاصطحابه فى رحلة العودة إلى موسكو، لأنه لم يسع كونستانتين أن يغادرنا فى ظل المأساة التى عصفت بنا آنذاك.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.