أرنو فيدمان ترجمة: ياسمين يحيى فى ديسمبر 2023 تُوفيت ابنته الكبرى، وفى يونيو 2025 رحلت زوجته، وفى 14 مارس توفى يورجن هابرماس نفسه، الذى كان بصدد بلوغ السابعة والتسعين فى شهر يونيو من العام الجاري، ولهذا ينتابنى شعور بأن شجرةً عتيقة جدًا اجتثت من فوق الأرض رغم أنها لم تكن يابسة. فى عام 2019 نشر يورجن هابرماس، وكان فى التسعين آنذاك، كتاب «هذا أيضًا تاريخ للفلسفة»؛ وهو بحث يربو على 1700 صفحة، أخرجه فى مجلدين عن تاريخ العلاقة بين العقيدة والمعرفة فى العالم الغربي، وقد حقق بذلك إنجازًا جبارًا؛ إذ لا نجد فى كامل تاريخ الفلسفة الموروث عملًا لفيلسوف فى مثل هذا العمر يضاهى عمله هذا، وقد أظهر مرة أخرى أن النمط الذى كثيرًا ما أُعلن عن موته -نمط العالِم مفسِّر العالَم، الذى يدرك من حجرة مكتبه الصورة الكبرى والكل الشامل ويعرضهما لنا- لا يزال متجسدًا بيننا فى شخص هابرماس. كان صاحب نَفَس طويل «من بيننا وفى قلب عالمنا» هذا ما أظهره لقرائه عندما صدر له كتابٌ آخر فى عام 2022 بعنوان «تحول بنيوى جديد للرأى العام»، وهو كُتيِّب صغير يقع فى مئة صفحة، سلط فيه الضوء على التغييرات التى فرضتها الرقمنة على تكوين الإرادة السياسية وقدرة الناس على اتخاذ القرارات، وقد ربط فيه -كما ذكر فى مقدمته- بين هذا الكتاب وكتابه الأول والأكثر نجاحًا حتى اليوم «التحول البنيوى فى الرأى العام»؛ إذ كانت هذه هى أطروحة الأستاذية، التى أنجزها فى ماربورج تحت إشراف فولفجانج أبندروت، وقد صدرت عام 1962؛ حيث وضح فيها يورجن هابرماس أن التقدم الاجتماعى والسياسى مرهون بوجود رأى عام بورجوازى فاعل يتفاهم فيه المواطنون حول أوضاعهم ومتطلباتها. وبعد بضع سنوات أصبح الكتاب بمثابة منجم فى أيدى الطلبة الثائرين، استُخرجت منه المواد، التى استخدمت لتفجير الاحتفالات الرسمية، وكذلك المحاضرات الدراسية، وقد جرى بذلك صناعة الرأى العام، ففى ال «جلاسنوست»؛ إحدى الشعارات الأساسية لميخائيل جورباتشوف، التى مهدت لنهاية الاتحاد السوفيتي، كان الأمر يهدف إلى تحويل «الإنسان السوفيتي» إلى المجال العام، ليناقش وضعه على نحوٍ علني، ونحن نرى اليوم، من خلال العديد من الدعوات الصادرة من جهات مختلفة لتقييد حق حرية التعبير، مدى أهمية الدفاع عن هذا الحق من أجل الحفاظ على الهياكل الديمقراطية. فى عام 1980 صرح هابرماس بأنه يحلم بتأليف كتاب تاريخى مجددًا، كما فعل قبل عشرين عامًا مع كتاب «التحول البنيوى فى الرأى العام» وبعد ما يقرب من أربعين عامًا، أهدى لنفسه وأهدانا كتاب «هذا أيضًا تاريخ للفلسفة»، فقد كان صاحب نَفَس طويل، لا أعلم إن كان يحق لى كتابة وصف كهذا، فربما يكون قد توفى فى النهاية إثر أزمة تنفسية، لا أعلم.. لكننى أراه أمامى يستمع ويجيب عبر عقود من الزمن، وعبر بحار العالم ولغات البشر، لم يقف هابرماس ساكنًا، ولم يولِ أهمية كبرى لفكرة تيودور أدورنو، التى تقضى بحفظ النظرية مثل رسالة داخل زجاجة ملقاة فى البحر، ولا تستعاد إلا حين يُتاح استعمالها، بل كانت النظرية تتطور فى رأيه فى خضم التجربة العملية وتتكيف مع الواقع. وكان هناك نوعان من السجال لهابرماس، خاض أحدهما مع جون رولز وريشارد روتي، والآخر مع ميشال فوكو وجاك دريدا، لقد انتقدهم وناقشهم، واستعار منهم مصطلحات ومفاهيم ليوظفها فى مساراته الفكرية، فكان أشبه بطفل يجلس على السجادة، ويحاول بناء برج بمكعبات بناء من ماركات مختلفة؛ يدفعه طموحه إلى استخدام كل المكعبات المتاحة، واستغلالها جميعًا فى سبيل إنجاز عمله. وقد أطلق هابرماس على ذلك عبارة «إمكانية الربط»، وكان الهدف منها تطوير نظرية تُكمل النظريات القائمة وتدفعها قدمًا، وهذا ما أدى إلى ظهور توليفات التقط فيها هابرماس تأملات صيغت بناءً على أطروحاته، ليعيد هو تطويرها من جديده، وهذا ما حدث مع مفهوم «الديمقراطية التداولية»، يذكرنى هذا بأن الإضافات التى ألحقها أنطوان جالان بترجمته الفرنسية لقصص «ألف ليلة وليلة» (والتى نُشرت بين عامى 1704 و1717)، قد أُضيفت هى الأخرى لاحقاً إلى النسخ العربية اللاحقة من هذه المجموعة. على عكس أنطوان جالان ومن تبعوه من المحررين، كان لدى هابرماس دائمًا رغبة فى الإبقاء على «المكعبات» التى استعارها واضحةً ومعلومة المصدر؛ تمامًا كما يحدث غالبًا فى عمليات الترميم الحديثة، حيث يُفترض بالناظر أن يرى كل قطعة وكيفية دمجها، وهذا الأمر هو ما يجعل هذا النوع من النصوص غير قابل للاستساغة إلى حد كبير بالنسبة لنا نحن القراء العاديين؛ إذ تسمع فيها صوت خشخشة، لكنها ليست سوى خشخشة ورق. المفكر كنمط حياة، كرؤية يستمتع العارفون بالفلسفة بتلك الشذرات التى يستجلبها هابرماس من نصوص أخرى ويدمجها فى نصوصه، أما من يعشق تدفق الحجج، ومن يود سماع رنينها، فسيجد أن هابرماس يتركه وحيدًا؛ إذ يقول له: «إن نموذج المفكر كنمط حياة، كرؤية، أو كتعبير عن الذات، لم يعد ممكنًا»، رغم أن هابرماس قد جسد فى حياته هذا النموذج من المفكرين، لكنه كان مفكرًا قد يتوه أحيانًا فى التفاصيل بسبب شدة شغفه ب «إمكانية الربط» بين النظريات، ومن يتتبعه فى ذلك قد يكتشف مواطن جمال لم تتجلى لنا بعد. أما النوع الآخر من السجال، الذى اختبر فيه نفسه وحججه، فيتمثل فى الصراعات السياسية فى ألمانيا، وقد وصف «بروباجندا العنف»، التى مارستها الحركة الطلابية عام 1968، بأنها «فاشية يسارية»، وعلى إثر ذلك وصفه البعض بأنه «ليبرالى حقير»، فيما دفع ذلك البعض إلى إعادة التفكير. كان «نزاع المؤرخين» عام 1986 بمثابة سجال آخر، أجبر فيه هابرماس الناس فى جمهورية ألمانيا الاتحادية على مواجهة ماضيهم النازى وإيجاد طريقة للتعامل معه، وأنا أكتب هنا كلمة «مواجهة»، لكنها فى الحقيقة كانت عملية «تكاتف» لإعادة بناء الوعي، استخدم الخصوم وسائل الإعلام المطبوعة الرائدة فى البلاد لتبادل الضربات الفكرية فى معركة استمرت عامًا كاملًا، كان هابرماس يوجه الضربات، فيما يرد إرنست نولته والآخرون الصاع صاعين، فى حين نتابع نحن القراء المشهد بكامله، نهتف لبعضنا البعض بما كتبه يورجن كوكا مثلًا فى صحيفة «Frankfurter Rundschau» أو ما ذكره ميخا برومليك فى صحيفة « taz»، لقد هزنا هجوم هابرماس فى صحيفة «Die Zeit»الصادرة فى 11 يوليو 1986؛ فهل كانت هناك حقًا «مؤامرة» من كبار المؤرخين تهدف إلى التقليل من شأن النازية؟ لقد علمنا هابرماس أن نبقى أعيننا مفتوحة، حتى مناشدته من أجل دستور أوروبى عام 2011 كانت محاولة لإقناع «الجمهور المتداول» بأطروحاته. سنكتب جميعًا الآن فى مقالاتنا عن التأثير الهائل الذى تركه يورجن هابرماس، وعن الترجمات التى لا حصر لها لأضخم أعماله، لكن الحقيقة هى أنه كان وحيدًا.. أو يكاد، فالشعبوية اليمينية تتمدد الآن، ضاربة بكل منطق وعقلانية عرض الحائط، غير عابئة بحماس تلك القلة الآخذة فى الانحسار التى لا تزال تؤمن بالنقاش العام، لا سيما بين الخصوم. كان يورجن هابرماس فيلسوف جمهورية ألمانيا الاتحادية؛ أحد أولئك الذين سلكوا طريق الغرب بعزيمة وأرشدونا إليه، فهذا الرجل النحيل، الذى أحب إلقاء المحاضرات على الطلاب، وأحب مجادلتهم أكثر، هو ظاهرة فريدة فى ستينيات القرن الماضي؛ إذ قدم نظرية نقدية رشيقة بلا ترهل، وقد سُئل فى مقابلة أجريت معه عام 1980، عما إذا كان يشعر أحيانًا بالرغبة فى إلقاء كل شيء وراء ظهره، فأجاب: «إن تخيل فعل شيء كهذا هو جزء طبيعى من أى «أزمة منتصف عمر» نموذجية، وما يصفه ماكس فريش فى مسرحية «الكونت أودرلاند» ينتمى إلى مخيلة كل مثقف برجوازى فى سن الأربعين أو الخمسين، لكن هناك فرق بالطبع بين الأوهام وتحقيقها، فلو لم يعد لدى هذا العمل المتواصل، أى بمعنى أوسع «توضيح الأمور التى تهمني»، لأصبحت شخصًا تعيسًا.» والآن، بعد وفاة هابرماس، أفكر فى برتولت بريشت، فيُقال إنه صرح فى 1955 قائلًا: «لا أحتاج إلى شاهد قبر، لكن إن كنتم بحاجة إلى شاهد قبرٍ من أجلي، فأتمنى أن يُكتب عليه: لقد قدم مقتراحات، وقد قبلناها.. إن نقشًا كهذا سيكون شرفًا لنا جميعًا».