ترجمة وإعداد: بسمة ناجى غيّب الموت يورجن هابرماس، الفيلسوف الذى اشتهر بنظريته حول بناء التوافق السياسي، وشكَّلت كتاباته وأطروحاته على مدار سبعة عقود خطاب ألمانيا ما بعد الحرب أكثر من أى مثقف جماهيرى آخر، بدءًا من انتقاداته اللاذعة للفكر الفاشى فى الخمسينيات وصولًا إلى تحذيراته الأخيرة من عودة النزعة العسكرية والقومية فى ألمانيا يُعد هابرماس من أبرز مُفكرى العالم؛ وتُرجمت كتبه إلى لغات متعددة وتُدرّس فى الجامعات فى جميع أنحاء العالم. وقد أعادت وفاة هابرماس عن عمر ناهز 96 عامًا فى شتارنبرج بألمانيا طرح ما أثاره مؤخرًا من جدلٍ واسع بسبب موقفه من حرب الإبادة فى غزة، ومشاركته ضمن مجموعة من الطبقة السياسية والفكرية الألمانية فى كتابة «بيان التضامن» الذى لم يتضمن أى إشارة إلى الكيان الإسرائيلى كقوة احتلال واعتبر أن «الحياة اليهودية وحق إسرائيل فى الوجود عناصر محورية تستحق حماية خاصة» يعكس البيان إجماعًا قويًا وعابرًا للأحزاب ومؤيدًا لإسرائيل فى السياسة الألمانية. فشل هابرماس فى تطبيق أفكاره الشهيرة عن المجال العام والحوار العقلانى حين تعلق الأمر بحق الفلسطينيين فى أراضيهم وفى الحياة ونزع عن الوعى حساسيته. واجه ما وُصِفَ ب «تبنى هابرماس لبوصلة أخلاقية ملتوية مرتبطة بمنطق الاستثناء الألمانى الذى لا يسمح - بحكم تعريفه- بمعيار عالمى واحد، بل بمعايير متفاوتة» نقدًا وتفنيدًا من داخل منطق الفكر الهابرماسى ذاته ووفق مفاهيمه الأساسية التى تُقدِّم إمكانات هائلة لتعزيز مجال عام عابر للحدود، وفلسفته التواصلية حول خلق «واقع توافقي» من خلال النقاش الحر والتى تدعم الحوار بين الثقافات. وفى رسالة نشرتها صحيفة الجارديان عارض العديد من الشخصيات الدولية البارزة المتأثرة بمدرسة فرانكفورت أبرز أعضائها الأحياء، يورجن هابرماس، وجادل هؤلاء بأن «اهتمام البيان بالكرامة الإنسانية لم يمتد ليشمل المدنيين الفلسطينيين فى غزة الذين يواجهون الموت والدمار، وأن التضامن يعنى أن مبدأ الكرامة الإنسانية يجب أن ينطبق على جميع الناس، وهذا يتطلب منا الاعتراف بمعاناة جميع المتضررين من النزاعات المسلحة ومعالجتها.» ولد يورجن هابرماس فى 18 يونيو 1929 لعائلة برجوازية فى دوسلدورف، ونشأ فى أسرة بروتستانتية متشددة. وكان والده، وهو خبير اقتصادي، قد انضم إلى الحزب النازى فى عام 1933، لكن هابرماس وصفه بأنه لم يكن أكثر من متعاطف سلبي، وانضم هو نفسه إلى شبيبة هتلر، كما فعلت الغالبية العظمى من الفتيان الألمان آنذاك وفى سن الخامسة عشرة، مع اقتراب الحرب من نهايتها، تمكن من تجنب التجنيد فى الجيش الألمانى عبر الاختباء من الشرطة العسكرية. برز هابرماس كصحفى وأكاديمى فى الخمسينيات، متأثرًا بمدرسة فرانكفورت والمفكرين الماركسيين مثل تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر وهيربرت ماركوزه. وفى أطروحته للأستاذية، رسم هابرماس تطور المجال العام الحيز الذى يجتمع فيه المواطنون لمناقشة قضايا الاهتمام العام ويتشكل فيه «الرأى العام»، وجذوره التى تعود إلى المقاهى والصالونات الأدبية البرجوازية فى أوروبا القرن الثامن عشر ثم تحوله فى القرن العشرين إلى ساحة عامة تحكمها وسائل الإعلام الجماهيرية. لاقت رسالته صدى لدى ألمان الغرب فى حقبة ما بعد الحرب، الذين كانوا يتعلمون مناقشة السياسة بحرية بعد التحرر من الديكتاتورية النازية، وفى ظل حكومة محافظة لم تكن تتسامح كثيرًا مع المعارضة، فبرز كأحد المدافعين عن الديمقراطية الليبرالية ضد نقادها من اليمين واليسار على حد سواء. كما قدم هابرماس فى عمله الضخم المكون من مجلدين: «نظرية الفعل التواصلي»، (1981)، نموذجه الخاص لما أسماه «فعل التواصل» والخطاب الأخلاقى للحياة اليومية فى مواجهة الممارسة السائدة للتنظيم الاجتماعى والسياسى الديمقراطى الغربي، والذى اعتمد على تحقُق معايير صالحة بالضرورة، يفهمها ويعترف بها على الأقل شخصان يتفاعلان مع بعضهما البعض. وبحلول التسعينيات، صار هابرماس يُعتبر أحد كبار المثقفين فى العالم الغربي، حيث واصل تطوير نظريته التواصلية فى أعمال مثل «بين الوقائع والمعايير» (1992)، و«تضمين الآخر» (1996). كما نشر أعمالًا تتناول الدين والفكر العقلاني، مثل «مستقبل الطبيعة البشرية»(2001) ، «وبين الطبيعانية والدين» (2005)، حيث استعرض تعايش مؤسسات مثل الدين والعلمنة. نُشر أحدث أعمال هابرماس بعنوان «أشياء يجب أن تكون أفضل» فى ديسمبر من العام الماضي، وفى الفترة بين عامى 2023 و2025، نشرت الترجمة الانجليزية لكتابه «تاريخ الفلسفة»، والذى يقدم فيه عرضًا لتاريخ الفلسفة الغربية فى ثلاثية من قرابة ألفَى صفحة، ويستعرض ما يراه أصولًا مسيحية لليبرالية. سعى هابرماس فى كتابه هذا إلى تتبع العلاقة بين الإيمان والمعرفة منذ العصور القديمة، مرورًا بالعصور الوسطى، وصولًا إلى العصر الحديث. فى هذا الكتاب، قدم هابرماس سردية حول كيف أدت التوترات بين الدين والفلسفة إلى عملية تعلم مستمرة منذ ثلاثة آلاف عام، حيث يركز الكتاب بشكل أساسى على النزعة الأخلاقية العالمية للمسيحية المنبثقة من اليهودية. وبرغم ما ناله من تقديرٍ عالمي، بمسيرة مهنية تمتد لسبعة عقود ولمست كل زاوية من زوايا العلوم الإنسانية تقريبًا، إلا أن أى تقييم لإرث هابرماس سيكون معقدًا بلا شك. فبالنسبة للبعض، هابرماس هو أعظم فيلسوف فى عصرنا، بل ووريثًا لكانط وهيجل وراولز، ومدافعًا عن مشروع التنوير بفكرٍ مذهلٍ فى شموله بقدر ما هو مهيب فى عمقه وصرامته، أو على أقل تقدير، «أستاذ الأكاديميين»، والأمير الباحث الذى يحصد الجوائز والأوسمة بنفس القوة التى يستوعب بها العلوم الإنسانية ويؤلف كتبًا ضخمة ترسم ملامح الحقول المعرفية. بينما لا يراه آخرون سوى «فيلسوف بلاط» للحزب الاشتراكى الديمقراطى الألمانى المنتمى لوسط اليسار، أو ربما للاتحاد الأوروبى فى أقصى تقدير، يدافع عن برنامج رصين بنثرٍ يحمل الكثير من الرطانة والملل، بل ويجعل التفكير الفلسفى يبدو كالرؤية السياسية الحماسية أو التنوير الروحي. كما يراه أشد منتتقديه ديناصورًا، يحمل الشعلة بعد أن تجاوزه العالم، ويقدم حُججًا تبدو غارقة فى الحنين إلى الماضي.