دعا شباب عبر موقع الفيس بوك "face book" إلى حملة لرسم أكبر علم لمصر يوم 15 فبراير، وهو يوم المباراة النهائية في بطولة الأمم الإفريقية؛ على أن يكون ذلك في أحد الشوارع الجانبية لاستاد القاهرة الساعة 2 ظهرًا، في ذات الوقت اقترحت "آسر ياسر" من جروب "حملة شارك بمتر قماش لتصميم أكبر عَلم في العالم تحت شعار مصر هتفضل غالية عليّ" -عبر موقع الفيس بوك أيضًا، إلى أن يتبرّع كل منا بمتر قماش لصنع أكبر علم تدخل به مصر موسوعة جينس بغرض التفوّق على العلم الإسرائيلي الذي كان أول من دخل الموسوعة عام 2007 بعلم طوله 220 متراً، والحقيقة أننا لو تمعنّا سنجد أن هناك عشرات الجروبات التي انطلقت حبًا لمصر. والواقع أن ذلك لم يقتصر فقط على الشباب المتحمّس عبر مواقع ومنتديات الإنترنت؛ بل التقط الإعلام الفكرة فوجدنا دعوة الإعلامي عمرو أديب -في برنامجه القاهرة اليوم- بعمل يوم وطني، تقام به الاحتفالات ويكون العلم أيضًا هو النجم الأوحد به.. بل وأجرى البرنامج استفتاء بين المواطنين بغرض تحديد هل تكون حملة "يوم وطني لمصر" حملة شعبية أم شعبية حكومية؟؟ مع وعد بتطوير الأمر حتى الوصول لتحديد التاريخ الخاص باليوم الوطني؛ وذلك أسوة بكل دول العالم. وسنجد أن أكثر ما يجمع بين هذه الجروبات والمقترحات -بالطبع إلى جانب أنها كلها تدور حول "مصر"- أن تاريخ نشأتها تقريبًا أتى بعد أحداث مباراة مصر والجزائر في أم درمان. وهذا يدفعنا للتساؤل.. هل هذه الجروبات والأفكار والاقتراحات كلها تعبّر حقًا عن حب عميق لمصر؟ أم أنها ظاهرة كأي ظاهرة أخرى، تعلو وتظهر في فترة ما ثم تتلاشى وينساها الجميع؟؟ بل سيُثار تساؤل أكثر عمقًا وهو.. هل رسم عَلم أو صناعة آخر أو تدشيننا ليوم وطني نحتفل به، هو تعبير حقيقي عن حب الوطن؟ وهل هكذا يكون التعبير عن انتمائنا لأوطاننا؟ وقد قوبلت كافة هذه الأفكار بهذه التساؤلات، وعند القيام بجولة سريعة عبر المواقع والمنتديات والمدونات؛ بل وعبر الجرائد التي تسمح بالتعليق على الأخبار، سنجد أن التعليق على هذه الظاهرة ينقسم لثلاثة آراء.. الرأي الأول: يرى أن هذه المواقف تعبير حقيقي عن حب الوطن؛ بل يرى أن هناك صحوة بدأت في الظهور ويجب تلقيها وتنميتها؛ فمنذ أقل من شهرين فقط لم يكن للعلم المصري تواجد إلا في المدارس وفوق الهيئات الحكومية، ولم يكن أحد يستطيع التعرّف عليه؛ نظرًا لحالته السيئة ولألوانه التي بهتت وزالت، وكان كلما كلّمت أحد الشباب عن العَلم وقيمته، لن تسمع منه سوى السخرية والكثير من العبارات التي تخلو من أي ملمح للانتماء!! أما الآن.. فحالة الانتماء للوطن في أعلى صورها، بل لم يعد أي مظهر من مظاهر التعبير عن حب الوطن كقصة أو أغنية أو قصيدة يسير السخرية أو الإملال، كما كان يحدث في السنوات القليلة الماضية، هذه الآراء ترى أن هذه الجروبات والحملات تعتبر رمزا لاتحاد والتفاف المصريين حول فكرة واحدة، وهذا من أحد أهم مظاهر حب الوطن. أما الرأي الثاني: فهو الرأي الأكثر تشاؤماً، وستجد أن تعليقات أصحابه ساخطة على اختزال حب الوطن في رسم صورة عَلم، أو جعل الانتماء للوطن في يوم واحد فقط؛ بل يرون أن ذلك دعوة للشباب لتسطيح المواقف، ووسيلة جيدة لشغل الشباب عن مشاكل وأزمات مصر الحقيقة؛ بل ودعا البعض إلى أنه بدل من شراء القماش لعمل عَلم أولى لنا أن نهتم بالفقراء ونعطيهم هذا القماش!! وبذلك ننتقل من مرحلة الرمزية إلى مرحلة الفعل نفسه؛ بل وكانت هناك تعليقات أكثر حدة، فتساءلوا عن الهدف من يوم وطني في وطن يقع أغلب سكانه تحت خط الفقر؟!! أم إن اليوم الوطني موجّه للمقتدرين فقط كي يحملوا علما غالي الثمن، ويلوّنوا وجوههم بألوان العلم ويخرجوا ليجدوا مزيداً من التسلية، في حين أن أهل الوطن الحقيقيين يخرجون ليجدوا قوت يومهم فلا يجدوه؟!! الرأي الثالث: أما أصحاب الرأي الثالث فقد تبنّوا وجهة نظر أكثر وسطية، فهم يرون أن هذه الظاهرة أمر إيجابي، ويرون اهتمام الشباب بالشأن الوطني حتى لو كان عن طريق الجروبات أو حتى بالاحتفال بيوم وطني هو أمر إيجابي يجب تنميته؛ ولكن لا يجب الوقوف عنده فقط، بل يجب أن يتطوّر الاهتمام ليكون هذا الالتفاف حول أمور أكثر أهمية، وبدون الانتقال من الخطوة الأولى للثانية، يكون كل ذلك مجرد ظاهرة وقتية ستنتهي بمجرد انتهاء فورة الحماس الحادثة بعد مباراة مصر والجزائر. ولكن صحيح أن الأمر انفجار عاطفي فحسب، يتوقع له أن ينحسر شيئا فشيئا حتى ينتهي مع الوقت، مثل كل فوارتنا العاطفية.. ولكن لو أردنا أن ننظر لنصف الكوب الممتلئ رغم كل شيء؛ فسنجد أن هذه الفورة العاطفية تعتبر في حد ذاتها نوعاً من أنواع التعبير عن أهمية هذا الوطن في قلوب أبنائه وشعورهم بالانتماء له، وبحب حقيقي تجاهه، سواء تطوّرت هذه الفورة لتصبح تعبيراً إيجابياً وفعلياً عن حب الوطن بالأفعال أو لم تتطور.