وقف المعلم أمام تلاميذه ذات يوم وقد أمسك بيده اليسرى وعاءا زجاجيا ضخما، وأخذ يتناول كرات البولينج التي رصفها على الطاولة فور دخوله قاعة الدرس حتى سدت الكرة الأخيرة حلق الوعاء، عندها سأل طلابه الواجمين: "هل امتلأ وعاء؟" فقال الطلاب في صوت واحد: "نعم، امتلأ الوعاء." عندها وضع الرجل يده في كيس أسود يتكئ على ركبته وأخذ يخرج كرات بلورية صغيرة ويضعها داخل الوعاء، فتتدحرج حتى تصل إلى القاع الزجاجي. وبعد فترة من الصمت الذي كسرته أصوات الكرات الباحثة عن ملاذ آمن بين كرات البولينج الضخمة، قال المعلم: "هل امتلأ الوعاء الآن؟" فقال نصف الطلبة: نعم امتلأ،" بينما ظل النصف الآخر متشككا. بعدها أمسك المعلم بعنق كيس آخر وأخذ يصب الرمال الناعمة في فوهة الإناء، ثم نظر إلى مريديه قائلا: "والآن، ما رأيكم؟" نظر الطلاب إلى بعضهم البعض، وقالت طائفة منهم: "الآن امتلأ الإناء." عندها أحضر المعلم دورقا وملأه بالماء، ثم صب الماء في الإناء حتى فاض على الطاولة. عندها قال الرجل: "هل امتلأ الإناء؟" ساعتها تجرأ طالبان على البوح وقالا في صوت خافت: "بالتأكيد امتلأ الإناء." وفي تلك اللحظة أخرج المعلم كيسا من الملح وأخذ يرشه على وجه الماء رشا حتى فاض الإناء مرة ثانية. نظر المعلم لتلاميذه وقال: "ما رأيكم؟" عندها ساد صمت مهيب قبل أن يشق أحد الطلاب عباءته ليقول: "بالقطع امتلأ الإناء." فقال المعلم: "نعم امتلأ الإناء الآن." لكنهم راهنوا على ترتيب الأولويات في محطات عقولنا، وأدركوا أن الخارجين من معتقلات التاريخ لتوهم لا يرون أبعد من الأشجار على جانبي الطريق. وراهنا على الصهيل، وراهنوا على الحفر. وانزلقنا في كل كبوة آلاف المرات ونحن نقطع الطريق ذهابا وإيابا في حج غير مبرور إلى ملاسنات ميدانية قطعت ما تبقى من وشائج هشة بين أبناء الزنزانة الواحدة، وتآمرت على نعراتنا القبلية أفاعي الأرض من كل فصيلة، وقادنا سياف التاريخ زرافات ووحدانا إلى مصير سعينا إليه بقدر قوته على الدفع وخوفنا من العودة. وتبادلنا الأكاذيب كما كنا نتبادل تحية الصباح وشطائر الخبز المقدد، وتفاخرت كل طائفة بما عندها، واكتشفنا بعد طول مراء أن أكياس الرمل التي ظللنا نحتمى وراءها أشهرا عدة، ما هي إلا فقاعات هوائية لا تحمل جسدا ولا تقي من رصاص. واكتشفنا أن الذين حملناهم فوق رؤوسنا ودرنا بهم كثيران السواقي في ساحات الميادين ما هم إلا عصبة من الأفاقين الذين تاجروا بأحلامنا وركبوا صهوة ظهورنا ليطعنوا أقفيتنا المستطيلة برماحهم الوطنية جدا. وتهارجنا كالحمر داخل ميادين الحريات وتقاتلنا بكل الخناجر، فلم تسلم من حربنا غير المقدسة عقائد ولا فلسفات. وتعلمنا أن العلم والدين لم يكونا إلا مطية أهواء يركبها الساعون نحو منصاتهم، وتنكست راية العلم والدين في حرب أنانية لم تعرف العلم ولا الورع. هكذا راهنوا على مخلفات التعليم الفاشل وحوانيت الفضائيات المؤجرة في عقولنا، وبهذا انتصروا في كل الجولات الماضية، وهزموا وعينا ورغباتنا في الاستحواذ والسلطة، وكحلوا عيونهم برؤية صراصير العلبة الزجاجية الذين أخذوا يتدافعون ويقفزون فوق ظهور إخوانهم وفوق محيطها الزجاجي الناعم. هم يعلمون جيدا أن الساموراي لا يقبل الهزيمة ويضع سيفا احتياطيا في جعبته ليتكئ عليه حتى لا يسلم بالهزيمة أمام خصومه التقليديين. يعلم المراهنون على أسلحتنا التي لا تعرف طريقها أن جناحي الوطن لن يصلا إلى آخر امتداداتهما وهما مشتبكين، وأنهما لن يستطيعا النهوض أو الفعل وأرياشهما تتطاير ذات اليمين وذات الشمال. فنفخوا في رماد الكراهية بين الإسلاميين والليبراليين واشتروا الفضائيات والجرائد والأصوات الحرة ليكسروا عظام الوحدويين من أبناء الوطن الواحد حتى آتى السحر أكله وبلع الثائرون طعم الخديعة وتعاطوه حتى سكرت الأبصار وعمت القلوب التي في الصدور. ووصلنا لمربع الفتنة الأخير الذي يقود إلى بيت الطاعة الأول أو مربع الحلم الأخير. هم يختبرون إرادتنا ووعينا وسعة أوعية عقولنا بالتخويف والتهويل والجزرات المعلقة حول عيوننا اللاهية، ويعلمون جيدا أننا لن نتفق على وضع حجر فوق حجر في وعاء الوطن وأنه لن يتسع لسلم أحجارنا المتنافرة، ويثقون الآن ببرامجهم التدميرية وخططهم الجهنمية في تزييف الوعي وكسر الإرادة، أما نحن فنثق بوعد الله وما تبقى في رؤوسنا من حكمة قبل أن يفيض وعاء الوطن أو ينكسر فوق رؤوس الجميع، فنرتد على أعقابنا خاسرين. يقول هوراس: "الفرار من الإثم بداية الفضيلة، والتخلص من الحماقات بداية الحكمة." أديب مصري مقيم بالإمارات هذا البريد محمى من المتطفلين. تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته.