فى منطقتنا وتحديداً شارع سيدى مرزوق أحد الشوارع الضيقة والمتفرعة من منطقة الميدان الأحمدى بمدينتى طنطا، لا أحد يجهل براءة ابن الخالة هانم رحمها الله، شاب فى أواخر الثلاثين من عمره أو قل هو على مشارف بدايات الأربعين، داخل كل بيت وبناية داخل شارعنا حكاية، تبدأ بخط تدريجى منذ الميلاد، حيث اشتهر أطفال حارتنا بلقب يحمله كل طفل كاسم افتراضى ينادونه به كل جيرانه، فكان نصيب جارنا إبراهيم هو لقب براءة، الفتى الأصغر للحاجة والخالة هانم رحمها الله. والخالة هانم كانت أبرز معلم بشرى وإنسانى لمنطقة الميدان الأحمدى، نصرة للضعيف بقانون خاص غير القانون المدون فى الدستور أو القانون الذى يسير داخل أقسام الشرطة، الخالة هانم كانت النموذج الثقافى للسيدة الشغوف بقراءة الجريدة الصباحية، وهى السيدة التى تنصر الضعفاء أصحاب المظالم واقفة إلى جوارهم، تجمع المال لسيدة يحتاج زوجها لجراحة، أو تقتص من رجل افترى على بائع جوال، تقف بين الرجال بهيبة من نوع مختلف وتقسم بشرفها بأن ترد مظلمته وكانت مظلمته ترد. داخل الميدان الأحمدى كانت الابنة الصغرى لها سماح «أم زينب» هى من حملت ذلك الإرث الإنسانى والحياتى لأمها المرتحلة، أخذت الأولاد هوجة ودوامة الحياة الدنيا وانصرف كل شاب من أبناء الست هانم لعمله من أجل قوت الأولاد والأطفال، وباتت سماح هى المحامى والراعى والمتكفل بمشاكل كل من ينتمى إلى نسل الخالة هانم رحمها الله، وسماح عزيزى القارئ هى نموذج للمرأة التى ندر تواجدها، فهى سماح مريضة الضغط وسماح مريضة الوهن فى دقات القلب، وهى أيضا سماح التى تجاور الصالحين، ويتعلق قلبها بهم، كونها بحد تسميتها، ابنة الطريق إلى الله. وهى سماح التى لا تتوانى أن تقرض آخر مليم معها لفتاة تسألها معونة أو نفحة تتغلب بها على فقرها، سماح نموذج إنسانى له قانونه الخاص فى الحياة، تطعم ابنتها من الحلال فصارت من المتفوقات فى الثانوية العامة ومن ثم التحقت زنيب الابنة الكبرى لها بكلية التربية جامعة طنطا قسم اللغة الإنجليزية. تولت سماح أزمة براءة، براءة الذى كان شقياً وكان مفتونا بقوته، لكنه الآن صار واهنا ضعيفا ومريضا ولا حول له، الاتصال الهاتفى هذه المرة كان فى الثالثة فجراً، اتصال مفزع على صراخ سماح تستنجد لإسعاف أخيها الذى توقف على التنفس، وأى ما كانت الأسباب وبهمة رجل، حملت سماح أخيها متوجهة به إلى المستشفى الجامعى بمدينتى طنطا، وكانت مأساة البداية، حين لم تجد سماح مسعفاً لحالة الأخ الذى استبد به الغياب عن الوعى، وسط هرجلة من حركة التمريض والأطباء، ولا أعلم على من نلقى اللوم، هل على الأطباء أم على ضعف الإمكانات داخل قسم الطوارئ بالمستشفى الجامعى، لمدة ثلاث ليال وحتى كتابة هذه السطور، حاول الأطباء إسعاف الرجل، ومع كل محاولة كانت سماح تستصرخ الطاقم الطبى أن يقدموا شيئا لإنقاذ حياته وهو صاحب الأولاد الستة. ثم فوجئت سماح أن الطاقم الطبى يطلب منها تحويل الحالة إلى مستشفى خاص لتوفير رعاية طبية تلائم حالته. ما التشخيص الطبى لحالة براءة؟ براءة فاقد القدرة على التنفس. ومصاب بتلف فى الأوردة والشرايين، وأياً ما كانت أسباب مرضه، فإننا أمام حالة إنسانية تطلبت على الفور إنقاذ حياة إنسان وفقاً لقسم أبقراط الطبى، ووفقاً للقسم الإنسانى داخل الدستور الطبى، وبين مستشفى الحميات الذى تم تحويل الحالة إليه أو الى المستشفى الجامعى ثم إلى مستشفى المنشاوى، كانت «سماح» مثالاً للرجل الذى يحمل وليده طائفاً به على كل العيادات والأطباء لإجراء الفحوص لمحاولة استنشاق أخيها براءة للحياة عبر كوبرى يمده بالحياة لاستنشاق الهواء ليصل إلى رئته. كنت على سفر من الجريدة الى مدينتى طنطا وتلقيت اتصالاً جديداً من سماح، كان صوتها مكسوراً يوحى بقلة الحيلة أمام الفتى الذى بين الحياة والموت، صرخت سماح، «أنجدنى يا ابن حارتنا. . . براءة بيموت يا دكتور». . . لم يكن أمامى سوى أن أبادر لعمل همزة وصل بين سماح والدكتور هشام صبحى نقيب الأطباء بمحافظتى، الحق أن الرجل رد على هاتف السيدة التى لا يعلمها، تحدث معها بتقدير وقدم لها مساعدة بالذهاب إلى أحد الأطباء لإمكان فحص الحالة وتقديم العون. الفقراء فى بلادى عليهم أن يموتوا فى صمت، ويحيوا منكسى الرؤوس، لم يكن أمام بطلة المأساة الإنسانية إلا أن باعت القرط الذهبى آخر ما تملكه فى الدنيا من مصاغ، وتوجهت إلى أحد المستشفيات الخاصة لتدفع مبلغ التأمين. لا أحد يعلم مصير التجربة الإنسانية للرجل صاحب الأطفال الستة، سماح جرت بأخيها تحمله مع فتية الشارع، صرخت سماح بطلب النجدة وسط تبلد بحد وصفها تبلد من طاقم الأطباء والتمريض أمام اختناق الروح محاولة التقاط بعض من الهواء، سماح قالت إن طاقم الاستقبال فى المستشفى الجامعى فى البداية قدم العون لنجدة الحالة، ثم جاءت الوردية المسائية من بعد مغرب أمس الأول، متجاهلة وجود جسد إنسانى ينزف ويتوق لاستنشاف الهواء لتقوم أجهزة الجسم بوظائفها، حدثتنى سماح باكية بأن الشكوى لله وأنها تستشعر بالفجيعة لمشاهدتها حالة أخيها تقترب للموت أكثر منها للحياة. سماح ابنة الميدان الأحمدى والست التى بمائة رجل، كسرها مرض أخيها وأوجعتها قلة الحيلة كونها لا تملك من الدنيا إلا الستر وقرط ذهبى كانت تركته ليستر جسدها بعد أن يقضى الله أجله. براءة ابن الحارة بين يدى الله الآن، مودع بمستشفى خاص الله وحده الأعلم بما ستجرى به المقادير خلال الأيام القادمة.