عمرو صالح: التوترات الجيوسياسية ترفع أسعار الطاقة والغذاء وتضغط على الاقتصاد العالمي    سعر الدولار مساء اليوم 3 إبريل 2026    قطع المياه عن 8 قرى بالسنبلاوين الأحد المقبل لمدة 9 ساعات    واشنطن بوست: المقاتلة التي تحطمت في جنوب إيران يرجح أنها من طراز إف-15 إي    رسائل السيسي ل زيلينسكي: ضرورة خفض التوتر الراهن بالمنطقة.. ندين ونرفض الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية.. ندعم مساعي التوصل إلى تسوية سياسية للأزمة الروسية الأوكرانية    حصار باب العامود: الاحتلال يغلق مدخل شارع نابلس ويمنع المصلين من الوصول للأقصى    تأهب دفاعي كويتي: اعتراض صواريخ ومسيرات "معادية" في أجواء البلاد    فوز الزمالك على سموحة 26-25 في دوري المحترفين لكرة اليد    هنا جودة تكتب التاريخ.. أول مصرية وأفريقية تبلغ ربع نهائي كأس العالم لتنس الطاولة    السيطرة على حريق مفاجئ بمنطقة ألعاب أطفال بجوار مستشفى الأحرار في الزقازيق (صور)    نائب محافظ الدقهلية يتفقد مخبز "المحافظة" لمتابعة انتظام صرف الخبز والالتزام بالأوزان    أوقاف الأقصر تنظّم قافلة واعظات بعنوان "اليتامى العظماء في الإسلام"    افتتاح مسجد الرحمن بقرية زاوية الناوية بمركز ببا في بني سويف    انقطاع مياه الشرب لمدة 5 ساعات عن عدد من المناطق بالفيوم مساء اليوم    طلب إحاطة لمراجعة اتساق الاستراتيجية الصناعية مع أزمة الطاقة    «نيويورك تايمز» تكشف كواليس إقالة رئيس أركان الجيش الأمريكي    السيسي يؤكد ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لوقف الحرب بالمنطقة    بالصور| جولات ميدانية ل"البحوث الزراعية" لمتابعة تأثير التغيرات المناخية على المحاصيل    إعلام الوزراء: لا صحة لرفض شحنات فراولة مصرية مصدرة للخارج لاحتوائها على مواد مسرطنة    تشكيل إنبي أمام بيراميدز في كأس مصر    مدرب ليفربول يعلن غياب أليسون بيكر حتى نهاية الموسم    بحضور رئيس الاتحاد الدولي.. وزير الشباب يفتتح بطولة كأس العالم للجمباز الفني    مؤتمر أرتيتا: انسحاب 11 لاعبا من منتخباتهم؟ نحن صادقون بشأن حالة كل لاعب    مدرب برشلونة يُدين الهتافات العنصرية في مباراة مصر وإسبانيا    إسرائيل تعلن استئناف تشغيل حقل ليفياثان للغاز الطبيعي بعد توقفه لأكثر من شهر    هل أثرت العاصفة الرملية بليبيا على مصر؟ الأرصاد تجيب    إصابة 10 أشخاص فى حادث مروري بالإسماعيلية    ضبط المتهم بمحاولة دهس طفل عمدا في قنا    ضبط شخصين أوهما المواطنين بقدرتهما على استرداد الحقوق المتنازع عليها بالقاهرة    محافظ الدقهلية: تحرير 141 مخالفة تموينية خلال يوم واحد    القبض على المتهم بسرقة خلاط مياه من مسجد في الشرقية    عروض المهرجان المسرحي الدولي لشباب الجنوب تنير قرى قنا    عرض فيلم "إشعار بالموت" في دور السينما 8 أبريل    احتفالات يوم اليتيم في البحيرة، كرنفالات ووجبات وعروض للأطفال (فيديو)    دار الإفتاء: الشريعة الإسلامية تضع الأيتام في مكانة ومنزلة خاصة    انطلاق النسخة 14 من مؤتمر "الجامعات قاطرات التنمية الوطنية" 19 أبريل    إنجاز غير مسبوق.. تعليم الأقصر يحصد مراكز متقدمة في مسابقة الإذاعة المدرسية بجميع المراحل التعليمية    التلفزيون الإيراني يعلن مكافأة لمن يقبضون على طياري المقاتلة الأمريكية    توفير 3 وظائف لذوي الهمم ضمن خطة «العمل» لتطبيق نسبة ال 5    مكتبة الإسكندرية تناقش "المعرفة البريطانية في تاريخ عُمان والمشرق العربي"    وزارة الأوقاف تُحيي ذكرى رحيل القارئ الشيخ محمد أحمد شبيب..قارئ العبور والنصر    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    وزير الصحة الفلسطيني: غزة على حافة تفشي الأوبئة مع تصاعد خطر القوارض    رفع 80 طن مخلفات خلال حملات النظافة بقرى مركز البداري بأسيوط    المركز القومي للسينما يقيم فعاليات نادي سينما الإسماعيلية    ضبط 277 قطعة أثرية بحوزة شخص في المنيا    خطر انهيار لبنان.. العدوان الإسرائيلي يدفع الدولة إلى حافة الهاوية    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    فضل عظيم وسنة نبوية..... فضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    أفضل أدعية الرزق والسكينة فى يوم الجمعة...فرصة عظيمة لا تُعوّض    حملات مكثفة لضبط مواعيد الغلق وتحرير 984 مخالفة خلال 24 ساعة    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    أشرف قاسم: جماهير الزمالك كلمة السر.. والفريق مطالب بالعلامة الكاملة لحسم لقب الدوري    إبراهيم عبد المجيد ينتقد انتخابات اتحاد الكتاب: لماذا يضم المجلس 30 عضوًا؟    دياب يشعل الإشادات: مصطفى غريب مفاجأة "هي كيميا" وموهبته تخطف الأنظار بين الضحك والدراما    «الشيوخ» يبحث دمج ذوي الإعاقة في سوق العمل وتحويلهم إلى قوة إنتاجية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرامية الخصخصة
نشر في الوفد يوم 17 - 02 - 2011

إنجلترا‮.. الدولة التي‮ قامت بالتأميم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية،‮ كانت أول دولة تطبق سياسة الخصخصة عام‮ 1979.‬‮ وأغري‮ نجاح التجربة البريطانية نحو مائة دولة شرقاً‮ وغرباً‮ ومن بينها بنجلاديش التي‮ طبقت تلك السياسة عام‮ 1982‮ أي‮ قبل فرنسا بأربعة أعوام،‮ حيث استصدرت حكومة اليمين الفرنسية قانوناً‮ من الجمعية الوطنية‮ (‬البرلمان‮) بإقرار برنامج الخصخصة ويحتوي‮ علي‮ 65‮ مشروعاً‮ عاماً‮ كبيراً‮ تبلغ‮ قيمتها نحو‮ 75‮ مليار دولار‮. وقامت الحكومة الفرنسية بتعيين قيادات جديدة تتمتع بفكر ليبرالي‮ تختلف منهجياً‮ عن قيادات الفكر الاشتراكي‮ التي‮ كانت تتولي‮ إدارة القطاع العام‮. ثم أصدر البرلمان الفرنسي‮ قانوناً‮ تم بمقتضاه تعيين وزير قطاع الأعمال العام،‮ يتولي‮ تنفيذ برنامج الخصخصة تحت رقابة البرلمان ويشترط القانون موافقة البرلمان علي‮ خصخصة كل مشروع علي‮ حدة‮. ومن ثم نجحت تجربة الخصخصة في‮ فرنسا‮. أما في‮ مصر فقد بدأت الخصخصة عام‮ 1993‮ وقد لجأت إليها مجبرة بسبب تعليمات صندوق النقد والبنك الدولي‮ مقابل قروض للتخفيف من آثار الإصلاح الاقتصادي‮. وقامت الحكومة باستبدال قانون القطاع العام بقانون قطاع الأعمال العام‮ (‬203‮). وتم استبدال الشكل المؤسسي‮ للشركات العامة بالشركات القابضة والتابعة‮. وحلت‮ 17‮ شركة قابضة و314‮ شركة تابعة محل‮ 37‮ هيئة ومؤسسة عامة كانت تدير شركات القطاع العام وتتبع‮ 14‮ وزيراً‮. كما قامت الحكومة بتعيين وزير لقطاع الأعمال العام‮ (‬الدكتور عاطف عبيد‮) ليقوم بنفس وظائف وزير قطاع الأعمال الفرنسي‮ ولكن شتان بين تجربتين وبين وزيرين‮. ففي‮ التجربة الفرنسية‮ يشرف الوزير علي‮ برنامج الخصخصة في‮ حدود القانون وتحت رقابة مجلس الوزراء بأكمله وليس رئيس الوزراء كما‮ يخضع الوزير وكل حكومته لرقابة البرلمان والمحاسبة علي‮ نجاح خصخصة كل مشروع علي‮ حدة‮.‬
ولكن في‮ مصر التي‮ أخذت عن التجربة الفرنسية فإن القانون منح وزير قطاع الأعمال سلطات واختصاصات مطلقة وغير مسبوقة في‮ تجارب الخصخصة بأي‮ من بلاد العالم شرقاً‮ وغرباً‮ وشمالاً‮ وجنوباً‮.. القانون الذي‮ أعدته حكومة الدكتور عاطف صدقي‮ وبصم عليه مجلس الشعب أعطي‮ وزير قطاع الأعمال العام سلطات بلا حدود بشأن الملكية والإدارة وجعلته المتصرف في‮ ثروة مصر الاقتصادية‮. انفرد وزير قطاع الأعمال العام بتنفيذ برنامج الخصخصة وقام عاطف عبيد ببيع شركات بيبسي‮ كولا وكوكاكولا والمراجل البخارية بالأمر المباشر ولا ننسي‮ مصانع الأسمنت وما دار حولها من لغط‮. وبيعت أسهم‮ 38‮ شركة في‮ سوق المال‮. كما بيعت‮ 10‮ شركات إلي‮ مستثمر رئيسي وتم بيع أصول‮ 28‮ شركة إلي مستثمرين من القطاع الخاص بالإضافة إلي‮ بيع‮ 27‮ شركة بأكملها إلي‮ اتحادات العاملين والأسلوب الأخير في‮ البيع لم تعرفه أي‮ تجربة في‮ العالم للخصخصة‮. في‮ التجربة الفرنسية مجلس الوزراء‮ ينعقد بكامل هيئته لفحص عروض المستثمرين الرئيسيين والذي‮ يختار المستثمر صاحب أعلي‮ سعر وأعلي‮ قدرة تكنولوجية وأعلي‮ سمعة في‮ مجال التسويق والإنتاج ويقبل بعمال وموظفي‮ الشركات المباعة‮. أما في‮ مصر المحروسة وفي‮ عهد عاطف عبيد وزيراً‮ لقطاع الأعمال ورئيساً‮ للوزراء فقد كانت القرارات ببيع الشركات لمستثمر رئيسي انفرادية وخارج رقابة مجلس الوزراء أو مجلس الشعب‮. تسلمت حكومة نظيف من حكومة عاطف عبيد‮ 175‮ شركة فقط من بين‮ 314‮ شركة وتصرفت في‮ سبع شركات منها بالبيع وردت‮ 7‮ شركات بحوزة القطاع العام‮.‬
لقد أصدرت الحكومة وبصم مجلس الشعب علي‮ القانون رقم‮ 95‮ لسنة‮ 92‮ الذي‮ تم من خلاله الترخيص بإنشاء مؤسسات‮ غير مصرفية تعمل في‮ السمسرة والترويج وصناديق الاستثمار وإدارة المحافظ المالية لتتعرض ثروة مصر الاقتصادية بعد ذلك لأكبر عملية نهب منظم‮. وطبقت الحكومة أكثر من أسلوب‮ يتمثل في‮ طرح الأسهم في‮ اكتتاب عام بالبورصة ولكن عدم الشفافية وخلو قانون سوق المال من أي‮ عقاب رادع لجريمة إفشاء الأسرار الداخلية للشركات أدي إلي‮ فشل هذا الأسلوب،‮ بل إنه أدي‮ لتربح فئة قليلة من مشتري‮ الأسهم أو مسئولي‮ الشركات لمليارات الجنيهات‮. وبعد خراب مالطة لجأت الحكومة إلي‮ أسلوب التأجير للقطاع الخاص‮. وفشل بدوره في‮ تطوير الأصول،‮ بل أهدرها تماماً،‮ خاصة في‮ مجال تأجير الفنادق مثلما حدث في‮ فنادق شبرد وشهرزاد وكليوباترا وغيرها‮. أما الخصخصة بنظام المستثمر الرئيسي فقد تخلت عنه الحكومة بعد فشله في‮ شركات المعدات التليفونية وطنطا للكتان والنوبارية وعمر أفندي‮. وأعلن الدكتور محمود محيي‮ الدين وزير الاستثمار أمام مؤتمر الاستثمار الرابع لمحافظات شرق الدلتا في‮ منتصف العام الماضي‮ عن إعداد نظام جديد لإعادة هيكلة الشركات الخاسرة ووقف طرح الشركات بنظام المستثمر الرئيسي وقصره علي‮ شرائح للمصريين بنظام الاكتتاب العام مع احتفاظ الدولة بالأغلبية‮. لقد ثبت فشل أسلوب الطرح الكامل في‮ البورصة حين ثبت أن المشتري‮ لأسهم الشركات‮ يفضل وقف العمل وتشريد العمالة واللجوء لتقسيم أراضي‮ الشركات كمشروع إسكاني‮ وكانت الفضيحة أن الوزارة اكتشفت أن القانون لا‮ يمنع المالك من التصرف فيما‮ يملكه فلجأت إلي‮ أسلوب لي‮ الذراع حين طلبت من المحافظين عدم منح أي‮ مستثمر ترخيصاً‮ لغير النشاط الصناعي‮ وعقود البيع للمستثمرين لم تتضمن أي‮ بنود تمنع المستثمرين من تحويل نشاط الشركة إلي‮ أي‮ نشاطات أخري‮ وهكذا في‮ غفلة من الزمن وتواطؤ حكومات الحزب الوطني‮ تم التخلص من القطاع العام‮.‬
مأساة صناعة الغزل والنسيج
عرفت مصر صناعة الغزل والنسيج منذ أقدم العصور،‮ إلا أن عام‮ 1927‮ كان بمثابة النقطة الفارقة في‮ تاريخ هذه الصناعة،‮ حين قام طلعت حرب بإنشاء مجموعة من الشركات منها شركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة ومصر للغزل والنسيج بكفر الدوار،‮ والحرير الصناعي،‮ ومصر صباغني‮ البيضا خلال الفترة من‮ 1927‮ إلي‮ 1948.‬‮ واستطاعت مصر منذ عام‮ 1949‮ أن تتحول من دولة مستوردة للمنتجات النسيجية إلي‮ دولة مصدرة لها،‮ صناعة الغزل والنسيج تتميز بأنها كثيفة للعمالة،‮ حيث‮ يعمل بها مليون عامل‮ يمثلون‮ 30٪‮ من إجمالي‮ قوة العمل الصناعية وبدلاً‮ من الاهتمام بها شرعت الدولة في‮ خصخصة شركاتها،‮ مما أدي إلي‮ توقف الاستثمارات الموجهة للتطوير أو إعادة تأهيل بعض الوحدات الإنتاجية منذ عام‮ 91/‬‮ 1992‮ وأصبح الصالح من الطاقة الإنتاجية في‮ خطوط الإنتاج بالشركات لا‮ يتجاوز‮ 25٪‮. وأن‮ 35٪‮ من هذه الخطوط في‮ حاجة لعمرات كاملة و40٪‮ يحتاج إلي‮ إحلال وتجديد‮.‬
في‮ فترة التسعينيات من القرن الماضي‮ اكتشفت الحكومة من خلال وزير الاقتصاد حينذاك الدكتور‮ يوسف بطرس‮ غالي‮ أن صادرات تونس من الغزل والنسيج تصل إلي‮ 11‮ مليار جنيه بينما صادرات مصر تراجعت بشدة لا تتجاوز المليار أو أكثر قليلاً‮ فأوفد مستشاره الدكتور محمود محيي‮ الدين إلي‮ تونس ليعرف سر تقدم تونس في‮ هذه الصناعة رغم حداثة عهدها بها وعاد وأعد روشتة وحصلوا علي‮ قروض من البنك الدولي‮ ثم ماذا‮.. لا حس ولا خبر وتعرضت شركات الغزل والنسيج لخسائر باهظة،‮ فشركة القاهرة للمنسوجات الحريرية بشبرا الخيمة وكانت إحدي‮ الشركات الناجحة ويعمل بها‮ 6‮ آلاف عامل وتم تصفيتها وإنهاء نشاطها وخروج عمالها للمعاش المبكر بسبب ديون لا تتجاوز‮ 40‮ مليون جنيه‮.. تصوروا‮!!‬
أما شركة القاهرة للصباغة والتجهيز وكان‮ يعمل بها‮ 5‮ آلاف عامل تم تصفيتها تماماً‮ وبيعت أصولها وتحولت أرضها إلي‮ أرض فضاء للبناء وأصبحت أثراً‮ بعد عين وشركة مصر حلوان للغزل والنسيج أسفرت ديونها عن تناقص العمالة بها من‮ 24‮ ألف عامل إلي‮ 4000‮ عامل نصفهم‮ يجلس في‮ البيت دون عمل ويتقاضون رواتبهم منذ أكثر من عشر سنوات‮.‬
واقع صناعة الغزل والنسيج بعد الخصخصة لا تكشفه احتجاجات العمال علي‮ رصيف البرلمان وإنما فضحته عبارة قالها المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة حين قال بالنص الحرفي‮ »‬مصانع الغزل والنسيج ماتت وإكرام الميت دفنه‮«!!‬
فين فلوس الخصخصة؟
مر برنامج الخصخصة بأربع مراحل رئيسية،‮ الأولي‮ من عام‮ 1993‮ وحتي‮ عام‮ 1995‮ وتم التعامل علي‮ 31‮ شركة‮. والمرحلة الثانية تبدأ من‮ 1996‮ إلي‮ عام‮ 1998‮ وتم التعامل فيها علي‮ 85‮ شركة،‮ والثالثة من عام‮ 1999‮ حتي‮ عام‮ 2001‮ وبيعت فيها‮ 64‮ شركة‮. والرابعة من عام‮ 2002‮ إلي‮ الآن‮ 18‮ شركة‮. وكان من المخطط أن‮ يتم تقسيم حصيلة الخصخصة إلي‮ جزء‮ يذهب لوزارة المالية لخفض الدين العام أو عجز الموازنة وجزء لإعادة الهيكلة وجزء لتمويل المعاش المبكر وجزء لسداد مديونيات البنوك‮. ولكن هل تحققت هذه الخطط لندع تقرير الجهاز المركزي‮ للمحاسبات‮ يرد علي‮ هذا السؤال من خلال ملاحظاته‮.‬
أولاً‮: بلغ‮ ما تم تحصيله من عائد الخصخصة نحو‮ 48.‬128‮ مليار جنيه والباقي‮ 1.‬9‮ مليار جنيه لم‮ يتم تحصيله من المشترين‮.‬
ثانياً‮: حصلت وزارة المالية علي‮ 16.‬6‮ مليار جنيه من حصيلة الخصخصة إلا أن تأثير ذلك لم‮ يظهر علي‮ انخفاض الدين العام أو عجز الموازنة مع العلم بأنه قد تم استخدام مبلغ‮ 82‮ مليون جنيه من هذه الحصيلة لصالح شركات توظيف الأموال‮.‬
ثالثاً‮: بالرغم من أن المعايير المستهدفة لبيع الشركات كانت تعطي‮ الأولوية للشركات الصغيرة والمتوسطة والتي‮ تتمتع ببيئة عمل تتسم بالاستقرار إلا أن عمليات البيع شملت في‮ بعضها الشركات الكبيرة والضخمة والتي‮ تتمتع بالاحتكار وأكبر مثال علي‮ ذلك بيع شركات الأسمنت‮.‬
رابعاً‮: بيع بعض الشركات بالتقسيط بالمخالفة لبرنامج الخصخصة الذي‮ ينص علي‮ البيع نقداً‮.‬
خامساً‮: تجاهلت الشركات القابضة إعادة هيكلة الشركات المتعثرة وأنفقت‮ 3.‬7‮ مليار جنيه علي‮ عمليات الإصلاح الفني‮ رغم حصولها علي‮ 23.‬6‮ مليار جنيه من حصيلة الخصخصة‮.‬
سادساً‮: تم عرض كثير من شركات قطاع الأعمال العام والمساهمات في‮ الشركات المشتركة في‮ وقت واحد،‮ مما أدي إلي‮ انخفاض أسعار بيع بعض الشركات أو عدم القدرة علي‮ بيع البعض الآخر‮.‬
سابعاً‮: كثرة القرارات والتعليمات المتعلقة بعملين وطرق البيع والتصرف في‮ الحصيلة‮. وقد أثرت بعض القرارات علي‮ دور الجهاز المركزي‮ للمحاسبات كمؤسسة في‮ إحكام رقابته علي‮ عمليات البيع ومثال ذلك قراري‮ رئيس الوزراء رقم‮ 1684‮ لسنة‮ 2004‮ ورقم‮ 505‮ لسنة‮ 2007.‬
ثامناً‮: لم‮ يعد للجهاز المركزي‮ للمحاسبات دور‮ يذكر في‮ عملية الخصخصة أو مراجعة تقييم الشركات المطروحة للبيع للأسباب الآتية‮:‬
1‮ - قرار رئيس الوزراء رقم‮ 1684‮ لسنة‮ 2004‮ جعل مراجعة تقييم الشركات عن طريق لجنة‮ يمثل فيها الجهاز بعضو منه وحظر علي‮ العضو الرجوع إلي رئاسة الجهاز مما‮ يجعل رأي العضو‮ يمثل رأياً‮ شخصياً‮ له ولا‮ يعبر بالضرورة عن رأي الجهاز‮.‬
2‮ - لم تعد اللجنة الوزارية للخصخصة قائمة بموجب هذا القرار والتي‮ كان‮ يرأسها رئيس مجلس الوزراء وعضوية مجموعة من الوزراء المعينين،‮ بالإضافة إلي‮ عضوية رئيس جهاز المحاسبات ومحافظ البنك المركزي‮ ورئيس هيئة سوق المال ورئيس هيئة الاستثمار ورئيس هيئة الرقابة الإدارية‮.‬
تاسعاً‮: صدور قرار رئيس الوزراء رقم‮ 505‮ لسنة‮ 2007‮ والذي‮ جعل المعيار الاسترشادي‮ عن تقييم أسهم الشركات هو الأخذ بمتوسط سعر الإقفال في‮ البورصة خلال الأشهر الستة السابقة علي‮ الطرح والتي‮ لا تعبر دوماً‮ عن القيمة العادلة للسهم نتيجة مضاربة كبار المستثمرين ومن ثم بيع الأصول المملوكة للدولة بأقل من قيمتها الحقيقية وذلك للأسباب التالية‮:‬
‮ أن سوق البورصة في‮ مصر ناشئ وغير مستقر وتتعرض بعض الأسهم المقيدة فيه للتقلبات في‮ أسعارها نتيجة للمضاربات التي‮ يقوم بها كبار المستثمرين المصريين والعرب والأجانب وبالتالي‮ لا تعكس أسعارها الأسعار الحقيقية لأسهم الشركات‮.‬
‮ إن الظروف المحيطة بالشرق الأوسط تؤثر سلباً‮ علي‮ أسعار هذه الأسهم وتؤدي‮ إلي‮ حدوث انخفاض حاد‮ غير مبرر في‮ هذه الأسعار لا‮ يعكس الأداء الحقيقي‮ للشركات‮.‬
‮ في‮ ضوء هذا القرار فإن العروض التي‮ سيتقدم بها المستثمرون ستكون مساوية لمتوسط سعر الإقفال في‮ البورصة وبالتالي‮ تضيع فرصة المنافسة بين المستثمرين لتقديم عروض أفضل من سعر البورصة‮.‬
‮ ألغي‮ قرار رئيس الوزراء كل حكم‮ يخالف أحكامه،‮ مما أضعف دور اللجان المشكلة في‮ الوصول إلي‮ القيمة العادلة للشركات المطروحة للبيع وجعل المعيار الاسترشادي‮ هو الأخذ بمتوسط الأسعار المتداول في‮ البورصة والتي‮ لا تعبر عن القيمة العادلة ومن ثم بيع الأصول المملوكة للدولة بأقل من قيمتها الحقيقية مما‮ يمثل إهداراً‮ للمال العام‮.‬
ماذا بعد؟
إلي‮ هنا‮ ينتهي‮ تقرير الجهاز المركزي‮ للمحاسبات وتنتهي‮ ملاحظاته حول برنامج الخصخصة والمطلوب تشكيل لجنة من جهاز المحاسبات والنيابة العامة والرقابة الإدارية لمراجعة ملفات بيع أصول قطاع الأعمال العام والتي‮ تعرضت لعملية نهب وسرقة لم تشهدها في‮ عصرها الحديث واسترداد حقوق الشعب من حرامية الخصخصة‮.‬


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.