قاربت ساعات الليل علي الزوال بعد أذان الفجر وانتهاء الصراع بين ظلام الليل وخيوط الضوء التي انتصرت معلنة عن بدء يوم جديد. استيقظت «سارة» و«عبير» و«زمزم» فتيات لا تزيد أعمارهن على 15 عاماً جمعتهن الصداقة ليس بحكم الجيرة وتقارب الأعمار فقط ولكن لتشابه الظروف والفقر والحاجة، حيث اعتدن علي التواجد مع بعضهن لا يفرقهن سوي ساعات النوم القليلة. ومع شروق الشمس تجمعت الفتيات الثلاث في مدخل القرية انتظاراً لاستقلال السيارة النقل التي ستقلهن للعمل بالمزارع بحوش عيسي، في ذلك الوقت دب الحزن داخل الفتيات الثلاث عندما شاهدن أقرانهن ذاهبات إلي المدارس ويرتدين الزي المدرسي ويحملن حقائب الكتب ويسرن كالفراشات في سعادة، شعرت الفتيات الثلاث بأنهن أقل من أقرانهن، وأن الفقر والحاجة السبب الذي أجبر أسرهن علي إخراجهن من المدرسة وعدم إكمال تعليمهن لعدم القدرة علي الإنفاق علي المدارس والدروس الخصوصية. دقائق قليلة وسرعان ما تناست الفتيات الثلاث أقرانهن طالبات المدارس عندما وصلت السيارة النقل التي تقلهن إلي المزارع للعمل مقابل جنيهات، وعقب ركوب السيارة ألقين الفتيات الثلاث تحية الصباح علي زميلاتهن في العمل حيث كانت تمتلئ بهن السيارة التي سارت بين الحقول في طرق ترابية مليئة بالحفر والمطبات والبرد القارس الذي يحيط بهن والأمطار الغزيرة التي أغرقت ملابسهن، ورغم ذلك كنّ يطلقن الأغاني والضحكات العالية وكأنهن يعلنَّ التحدي للفقر والظروف الصعبة أو محاولة منهن للتظاهر بالسعادة، كان أقصي آمالهن هو الستر والزواج حتي تنتهي معانتهن في العمل بالحقول ويصبحن مسئولات عن أزواجهن، وفور وصولهن إلي المزرعة اللائي يعملن بها بدأ العمل في جد ونشاط. وكعادتهن اختارت سارة وعبير وزمزم العمل بجوار بعضهن في الحقل لعدم قدرتهن علي الابتعاد، وظلت كل منهن تحكي للأخري عن تفاصيل الساعات التي قضتها داخل منزلها ويتناقشن عن أحداث المسلسلات التي يتابعنها وتوقعاتهن لنهاية الأحداث. ومع مرور عدة ساعات وسط العمل الشاق حان وقت الراحة الذي لا يزيد على نصف ساعة لتناول طعام الغذاء جلست الفتيات الثلاث وأخرجت كل منهن من كيس بلاستيك خبزاً جافاً وقطعة من الجبن القديم وأحضرن من الحقل بعض ثمار الطماطم وجلسن يتناولن الطعام في نهم وسعادة ومر وقت الراحة سريعاً واستأنف الجميع العمل، مع اقتراب انتهاء اليوم كان التعب قد حل علي الجميع خاصة الفتيات الثلاث لضعف أجسادهن حتي غابت الشمس معلنة انتهاء يوم العمل وهو ما يمثل أسعد لحظات الفتيات، حيث يقفن صفاً واحداً للحصول علي اليومية وهو ثلاثون جنيهاً لكل فتاة. واستقل الجميع سيارة الموت للعودة إلي منازلهن وحكت الفتيات الثلاث لبعضهن عن تسليم اليومية لأسرهن للمساعدة في نفقات المعيشة وشراء الطعام رغم احتياجهن لشراء الملابس الجديدة وبعض الحلوي لكنهن أكدن علي شراء الطعام للأسرة أولي من كل ذلك. ومع حلول الظلام استكملت السيارة طريق العودة وسط الطريق الترابي الضيق وفوجئ قائد السيارة بحفرة وسط الطريق وحاول تفاديها واختلت عجلة القيادة في يده بعد انفجار إطار السيارة وتبدلت أغاني وضحكات العاملات بصرخات متتالية بعد تأرجح السيارة التي سقطت في ترعة الشيخ زايد وغطتها المياه تماماً وحاول الجميع الخروج من المياه للنجاة من الموت غرقاً، حيث تمكن الجميع الخروج عدا «سارة» و«عبير» و«مريم» اللائي لم يتمكن من النجاة لعدم مقدرتهن علي العوم ولقين مصرعهن غرقاً. وتمكنت قوات الإنقاذ النهري من انتشال الجثث ونقلها إلي المشرحة وتم تشييع جنازة الثلاث فتيات في موكب جنائزي مهيب، وكأنهن اتفقن علي عدم الافتراق حتي في الموت.