أخشى أن يكون توجيه المحكمة الدستورية لمجلس الشورى بوجوب أن يتضمن قانون مباشرة الحقوق السياسية ما يسمح لضباط وجنود المسلحة وكذا ضباط وأفراد الشرطة بالتصويت في الإنتخابات تأسيسا على قاعدة المساواة بين المواطنين ، متأثرا بحالة الإستقطاب الواضحة بين سلطات الدولة وكذا بين القوى السياسية المختلفة . يعزز هذه الخشية أن هناك طعن دستوري على المادة التي تحظر على هؤلاء التصويت في الإنتخابات بقى في أدراج المحكمة لمدة 27 عاما دون أن تفصل فيه حتى الأن ، ثم فجأة تبدي المحكمة رأيها في هذا الأمر الذي أحجمت عن إبدائه كل تلك السنوات . ذلك أن هذه المساواة ، بحسب تعريف المحكمة الدستورية لها ، ليست مساواة حسابية ، أو هي كما تقول المحكمة نفسها ليست مبدأ تلقينيا جامدا ولا هو بقاعدة صماء تنبذ صور التمييز جميعا ، ولا كافلا لتلك الدقة الحسابية التي تقتضيها موازين العدل المطلق بين الأشياء . وإذا جاز للسلطة التشريعية أن تتخذ بنفسها ما تراه ملائما من التدابير لتنظيم موضوع محدد ، وإن تغاير من خلال هذا التنظيم ووفقا لمقاييس منطقية بين مراكز لا تحدد معطياتها ، أو تتباين فيما بينها في الأسس التي تقوم عليها ، إلا أن ما يصون مبدأ المساواة ، ولا ينقض محتواه هو ذلك التنظيم الذي يقيم تقسيما تشريعيا ترتبط فيه النصوص القانونية التي يضمها بالأغراض المشروعة التي يتوخاها . ( القضية رقم 1 لسنة 19 ق طلبات رجال القضاء )
ومؤدى ما تقدم إن هذه المساواة لا تلحق إلا من تتماثل مراكزهم ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإنه يحق للسلطة التشريعية أن تتجاوز هذه المساواة وفقا لما تراه ملائما من التدابير لتنظيم موضوع محدد . ومن هذا المنطلق مثلا صح النص الذي يقضي بحرمان العسكريين من الزواج من أجنبية خلافا لما هو مقرر دستوريا من أنه يحق لأي مواطن أن يتزوج بمن يشاء .
وهذا الذي قررته المحكمة في أحقية المشرع في بعض الأحيان تقرير التمايز بين المواطنين ، يرجع في حقيقة الأمر إلى أن ثمة جانب سياسي في قضاء المحاكم الدستورية عموما لأن التشريع كثيرا ما يستهدف التعامل مع أوضاع يقتضي التعامل معها تحقيق مصالح المجموع ولو على حساب القواعد القانونية الجامدة من ذلك مثلا التشريعات الإجتماعية التي كان الرئيس روزفلت قد عمل على إستصدارها من الكونجرس الأمريكي لمواجهة أثار الأزمة الإقتصادية عام 1929 والتمدد الشيوعي الذي كان يهدد الدولة ذاتها والتي رأت المحكمة الدستورية إنها تخالف مبدأ الحرية الإقتصادية التي يرسخها الدستور الأمريكي .
وكان عدول المحكمة الدستورية الأمريكية بعد ذلك عن رأيها السابق في تلك التشريعات مؤشرا على الدور السياسي الذي تضطر المحكمة إلى القيام به مراعاة لإعتبارات إقتصادية أو أمنية أو سياسية قد تتجاوز إلى حد ما أحكام ونصوص الدستور .
وبالنسبة لحالتنا الماثلة فالثابت أن مصر عانت على مختلف الأصعدة من تدخل الجيش في السياسة بما أخرجه عن مهمته الأصلية فكانت هزيمة 67 التي أضرت بالعسكريين الذين قدموا آلاف الشهداء في حرب لم يمكنهم النظام من خوضها ، كما اضرت بالمدنييين بل وبالمنطقة العربية كلها ، لذا فثمة حرص من المجتمع على إبعاد الجيش عن السياسة صونا له من التردي في مشاكلها بما يخرجه عن مهمته الأصلية .
ولا شك أن التصويت في الإنتخابات هو عملية ليست سياسية فحسب ، بل هي حزبية كذلك ، لأن جوهرها هو الإختيار والمفاضلة بين الأحزاب والأفكار السياسية المختلفة ، الأمر الذي يفتح الباب واسعا لدخول الأحزاب إلى قلب الجيش وكذا إلى قلب الشرطة .
ولا يصح في هذا المقام المقارنة بين وضع العسكريين في مصر وبين وضعهم في بلد عريق في ديمقراطيته كأمريكا ، إذا لا يتصور مثلا في امريكا حشد الجنود بلباس مدني للقيام بمظاهرات تأييدا للحاكم كما حدث في مارس 1954 .
أو حشد الجنود بالأمر باللباس المدني كذلك لحضور مباراة كرة قدم تشجيعا لهذا الفريق أو ذاك .
سيظل هاجس إبعاد الجيش عن السياسة مسيطرا على العقل الجمعي المصري إلى أن تترسخ قواعد الديمقراطية الوليدة . وستظل الرغبة في أن تكون الشرطة لكل المصريين وليس لفصيل دون أخر أو لنظام دون أخر لفترة زمنية لا يعلم مداها إلا الله إلى أن يصبح هذا الأمر هو القاعدة التي لا يحتاج ترسيخها إلى تشريع .
على أن الغريب في الأمر أنه في الوقت الذي يحذر فيه وزير الدفاع وهو رجل عسكري من إقحام الجيش في السياسة وإن ذلك قد ينتج أثارا لن يمكن التخلص منها قبل ثلاثين أو أربعين عاما غير الستين عاما التي مضت ، إذا بالمحكمة الدستورية تدفع الجيش كي يخطو الخطوة الاولى في الإتجاه الذي يحذر منه وزير الدفاع . والأغرب من ذلك يحدث هذا وسط تأييد بعض أفراد (النخبة) ممن يتشدقون بأنهم حماة الديمقراطية لمجرد النكاية في السلطة القائمة ؟!.
لذا أرجو أن يتصرف قادة المعارضة كرجال دولة . وأن ينظروا إلى الامر من زاوية المصلحة العامة باعتبار إنهم وإن كانوا خارج الحكم اليوم إلا أنهم قد يكونوا بداخله غدا . والا ينظروا إلى الأمر من منطلق المكايدة ، فيصدق عليهم المثل الإسرائيلي القائل " إن العرب قوم يجيدون قطع أذانهم كي يغيظوا انفوهم " .