يجب الاعتراف بان الاسرة الحاكمة في المملكة العربية السعودية، ورغم الاراضي الشاسعة التي تسيطر عليها في شبه الجزيرة العربية، بما في ذلك آلاف الجزر في البحر الاحمر والخليج العربي، الا انها تسعى دائما للاحتفاظ بكل شبر ارض يقع تحت سيادتها، وتسعى في الوقت نفسه لضم المزيد من “اراض”، او “جزر”، او “واحات” في دول الجوار، حتى لو كانت موضع نزاع، سواء بقوة السلاح او المال. نقول هذا الكلام، الذي قد يفاجيء كثيرين، بمناسبة حالة الجدل المتصاعدة حاليا في اوساط سياسية وقانونية مصرية، بعد الاعلان عن توقيع اتفاق بين الحكومتين المصرية والسعودية بترسيم الحدود البحرية ينص على ان جزيرتي تيران وصنافير في مدخل خليج العقبة سعوديتان، وان دور مصر فيهما هو توفير الحماية. القيادة السعودية تتحرك دائما في توقيت محسوب بعناية فائقة، وتقتنص الفرص الملائمة لها، لحسم القضايا الحدودية موضع الخلاف مع دول الجوار، سواء كانت خليجية او يمنية او مصرية. *** المقصود بالفرص الملائمة، هو ضعف هذه الدول المعنية سياسيا او عسكريا او اقتصاديا، وحاجتها الماسة للمال والدعم الاقتصادي، وتجنب الحروب، ووجود قيادات على رأسها يمكن الضغط عليها ومساومتها لتقديم التنازلات على صعيد الاراضي او الجزر او الواحات، بما يلبي مطالب وشروط الطرف السعودي. زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الحالية الى القاهرة، وما تمخضت عنه من اتفاق على ترسيم الحدود البحرية، جاءت في توقيت “ذكي” للغاية، وبعد ضغوط نفسية عديدة على الجانب المصري لدفعه للتنازل عن الجزيرتين المذكورتين آنفا، فحكم عبد الفتاح السيسي يواجه ازمات اقتصادية طاحنة، ويحتاج الى 43 مليار دولار لسد العجز في ميزانية العام الحالي فقط، مثلما يواجه ازمة ديون خارجية وبطالة عالية تزيد عن 30 بالمئة، مضافا الى كل هذا، تدهور في قيمة الجنيه المصري، وتوتر امني في صحراء سيناء، وخطر خسارة حصة مصر من مياه النيل (56 مليار متر مكعب سنويا) اي اكثر من ثلثي المياه، بسبب سد النهضة الذي تقيمه اثيوبيا لتحويل مجرى النهر، تحت ذريعة توليد الكهرباء وبدعم من اسرائيل. في ظل هذا الوضع الاقتصادي المصري المنهار تحركت السلطات السعودية في التوقيت المناسب وفتحت ملف الجزر المتنازع عليها مع مصر في البحر الاحمر، ولوحت بمساعدات بقيمة 20 مليار دولار في حال وضع السيسي، او رئيس وزرائه شريف اسماعيل، توقيعه على اتفاق نهائي في هذا الصدد، وهذا ما حصل. لن نناقش هنا الجوانب التاريخية والقانونية والسيادية التي تتعلق بالجزر وملكيتها، فهذا الجدل متروك للخبراء المصريين، الموالين والمعارضين، مثلما هو متروك ايضا ل”البرلمان” المصري للتصديق او عدمه على الاتفاق، مثلما ينص الدستور المصري، ولا يخامرنا ادنى شك بأن “سلق” هذا الدستور وكذلك والاستفتاء الشعبي عليه، والتعجيل بالانتخابات البرلمانية الحالية، كلها جاءت من اجل التوصل الى هذا الاتفاق مع السعودية لاغلاق الملف الحدودي بصورة نهائية، مقابل ملياري دولار سنويا، واقامة “جسر الملك سلمان” والحصول على استثمارات بحدود 20 مليار دولار. البرلمان سيصادق حتما على هذا الاتفاق، لان الغالبية الساحقة من اعضائه من الموالين للسيسي، واذا كانت هناك معارضة فهي شكلية ومستأنسة، ومحدودة العدد، وادوار بعض قياداتها مرسومة من قبل النظام، وربما متفق عليها مسبقا، واللهم الا اذا حدثت معجزة وقرر السيسي نتيجة ضغط شعبي الغاء الاتفاق المتعلق بالجزر لامتصاص هذا الضغط، واستخدامه كذريعة، وهذا احتمال ضئيل للغاية.