كانت عقود امتياز قناة السويس التي منحها سعيد باشا والي مصر عام 1854 لصديقه الفرنسي فرديناند ديليسبس من أكثر العقود فساداً وعجباً. فساد في كل البنود والعجب في كل الاجراءات منذ لحظة الموافقة المبدئية إلي تشكيل الشركة وكتابة العقود.. حدثت هذه الموافقة من سعيد باشا الذي كانت لديه وصية من أبيه محمد علي باشا بعدم انشاء أي قناة تربط البحر الأحمر بالبحر الأبيض لأن ذلك سيعرض مصر واستقلالها للخطر. ورغم ذلك وافق سعيد بمنتهي السهولة علي طلب صديقه ديليسبس بانشاء القناة.. والحكاية انه بعد أن تولي سعيد باشا أريكة الحكم في مصر حضر لتهنئته صديقه الفرنسي ديليسبس وقابله سعيد في الإسكندرية بحفاوة بالغة ثم اصطحبه في رحلة إلي القاهرة عبر الصحراء الغربية ومعهما نحو عشرة آلاف جندي وعدد من القادة ووزير المالية ذو الفقار باشا وأثناء الرحلة قام ديليسبس ببعض استعراضات الفروسية واستغل مهارته في ركوب فرسه والقفز به علي بعض الحواجز.. واستطاع أن يحوذ اعجاب كل الحاضرين.. وانتهز ديليسبس فرصة هذا الاعجاب وعرضه علي الباشا فكرة حفر قناة بين البحرين الأحمر والأبيض.. وهز الباشا رأسه اعجاباً بها قال صديقه.. وأعلن الفكرة علي القادة الذين بصحبته.. وعلي الفور أسرعوا بالموافقة والاستحسان وفي هذا قال ديليسبس نفسه "أن رجال الحاشية أعلنوا أن فارساً بمثل هذه المهارة وصداقته للباشا.. تجعلنا نعلن موافقتنا الفورية!!". وقال ديليسبس في مذكراته أيضاً أنه لما يدعو للدهشة أن مشروعاً خطيراً مثل مشروع قناة السويس تتم الموافقة عليه لمجرد أنني قمت ببعض الاستعراضات بالفرس في رحلة صحراوية.. ولم تكن هذه الموافقة نتيجة بحث أو دراسة.. أو تمحيص وتفكير وأن مجرد اعجاب رجال الدولة بفروسيته ومهارته في ركوب الخيل كان كافياً للحصول علي الموافقة..!! ويقول عبدالرحمن الرافعي أن سعيد باشا قال لديليسبس بعد أن منحه الامتياز: "اعترف بأنني لم أفكر طويلاً في الموضوع وإنما هي مسألة شعور!! وليس من عادتي أن أقلد الناس فيما يتبعون ويعلمون". وهكذا كان منح امتياز أخطر مشروع ربما في العالم كله في ذلك الوقت.. وكان تاريخ هذا الامتياز هو 30 نوفمبر 1854 ولكن ديليسبس أراد أن يعطي لنفسه.. امتيازات أكثر فعمل علي تغيير بنود هذا الامتياز وتم تغييره في 5 يناير 1856 وتضمن شروطاً فادحة لا ترضي بها حكومة رشيدة ساهرة علي مصالح البلاد فقد تنازلت الحكومة للشركة مجاناً عن جميع الأراضي المملوكة لها والمطلوبة لانشاء القناة وترعة المياه العذبة وتوابعها. وهي مساحات شاسعة علي طول القناة بعرض كيلو مترين من الجانبين مع اعفائها علي الدوام من الضرائب وتنازلت الحكومة أيضاً عن جميع الأراضي القابلة للزراعة لتستصلحها الشركة وتزرعها وتروجها مع اعفائها من الضرائب مدة عشر سنوات وللشركة الحق في نزع ملكية الأراضي المملوكة للأفراد وأن يدفع أصحاب الأطيان الواقعة علي ضفاف الترع مقابل ري أراضيهم للشركة!! وخلاف ذلك من البنود التي أن دلت علي شيء. فإنها تدل علي فساد وجهل وعدم دراية بمصالح البلاد.. ولا يحقق للحكومة أن تعين مديري الشركة وجاء في العقد التالي.. يرأس الشركة ويديرها صديقنا ووكيلنا السيد ديليسبس!! والغريب أن سعيد باشا امتلك أكثر من نصف مجموع اسهم الشركة وأن المصريين هم الذين حفروا القناة وأن كل الامكانيات كانت مسخرة لهذا المشروع وأن الشركة حصلت علي مزايا جعلها تشارك الحكومة المصرية في حقوق ملكيتها العامة وسيادتها كما تم تمليكها مرافق ومنافع عامة ليس للمصريين أصحاب البلد الحقيقيين الحق في تملكها وهكذا جعلها سعيد باشا دولة داخل الدولة.. والأكثر عجباً أن الذي قام بتعديل عقد الامتياز وتولي تحرير العقد ووضع فيه ماشاء من البنود والاشتراطات هو وليس نفسه.