كانت طلقات النيران قد اقتربت من جميع الجهات.. وفجأة. اقترنت بها انفجارات عنيفة تصم الآذان. لا يعلم مصدرها إلا الله. أما سكان القرية الذين لم يرحلوا بعد. فلم يجدوا وقتا للتفكير أو الجدال.. فسرعان ما أصبح صخب فرارهم الجنوني يتردد في جميع الطرق المفضية إلي خارج القرية الصغيرة. والرعب والكرب يضاعفان صراخهم: "لقد أصبحنا في قلب النار". واندفع بعض الذين سمعوا آخر الأنباء. عند مدخل القرية. يسرعون إلي بيوتهم. ليحملوا ما تصل إليه أيديهم. كان كل همهم أن ينطلقوا في فرارهم مسرعين. حاملين أبناءهم وزادهم وأمتعتهم. وفي حركة واحدة. اندفع المهاجرون نحو شاطئ النهر. وقد تركوا مناجلهم وأدواتهم وما كان يضايقهم حمله.. والكهول منهم يئنون. والأطفال يبكون. وعلي طريق الجسر. أخذت ضوضاء المصفحات تدنو مختلطة بطلقات الرصاص. وفي لحظة. كانت القوارب قد غصت بالشيوخ والنسوة اللاتي حملن أطفالهن علي أكتافهن... أما الشبان. فاندفعوا إلي الماء. يعبرون النهر سباحة. وخىصّص القارب الأخير للأمتعة التي يلتقطها أصحابها... وحين أصبحت القوارب في عرض النهر - وهي تتمايل باضطراب ينذر بالخطر - أخذ العابرون يرتعدون خوفاً. إذ فطنوا إلي أنهم أصبحوا في منطقة مكشوفة. مما يجعلهم هدفاً سهلاً للقنابل... ولم يجرؤ أحد علي الالتفات نحو القرية الصغيرة أو الشاطئ الذي وقف عنده من لم تتسع لهم القوارب. ينتظرون دورهم في العبور. وهم نهب للرعب خشية أن يصيبهم العدو. قبل أن تعود إليهم القوارب.. ولكن المجدفين راحوا يجدفون في استبسال مستميت. فعادت القوارب مرات... وعندما تمت آخر رحلة عبر النهر. وتم نقل جميع الأمتعة إلي الضفة الأخري. استرد الهاربون هدوءهم. وانبطحوا علي الأرض. يرسلون أبصارهم نحو القرية التي هجروها إلي غير عودة. وبعد قليل استأنف الجميع هرولتهم خلال السهل المقفر. المترامي.. وزاد الطين بلة. أن أخذت السحب المنخفضة تتكاثف. ثم تساقط المطر مصحوباً ببرد قارس... ولكن. ماذا يهم المطر والبرد؟... لم يكن القوم يفكرون إلا فيما بقي من مسافة بينهم وبين الملاذ الأمن. كان الجميع يريدون أن يصلوا إلي الجسر الذي سيعبرونه لكي يصلوا إلي منطقة آمنة. كان الجسر معلقا في الفضاء. فوق مجري مائي. ومالبث الجسر الصغير أن لاح - خلال ستار المطر وضباب المساء - وكأنه يطفو في الهواء. وعوارضه الرقيقة. المصنوعة من الغاب. تتأرجح وسط الرياح بشدة تنذر بالخطر. وازدادت معالم الجسر وضوحا. فابتسم بعض الهاربين. كان قصف القنابل لايزال مركزا. ولكنهم شعروا بأنهم تجاوزا نطاق الخطر. علي أن الحيرة عاودت القوم. عندما بلغوا الجسر المعلق... لم يكن مجري الماء واسعا. ولكنه كان بالغ العمق... وكان التيار سريعا وقويا. والمسافة بين أسفل الجسر وسطح الماء لا تتجاوز الشبر. وفي غمرة القلق. انبعثت نصائح الفارين وتساؤلاتهم: - والآ... ألم يبق إلا أن نجتاز الجسر؟ - بلي. هذا أمر يسير علي الشبان... ولكن... النساء والشيوخ والأطفال؟ - وكيف تنقل الأمتعة فوق الجسر؟ - أما من طريق آخر لعبور النهر؟... ليس بوسعنا أن نظل هنا جميعا. في انتظار أن يعبر القوم النهر واحدا واحداً. فوق هذا الجسر الضعيف. وفجأة وقع انفجار رهيب وراء القوم. علي مسافة مائة متر تقريبا. فقطع الحوار. ونثر الوحل فوق رؤوس الهاربين. وتوالت الانفجارات... ولكن الهاربين ظنوا أن العدو يصوب قذائفه عليهم. فاستبد بهم الذعر. وعلا صراخهم. وغاص بعضهم في الماء يحاولون اجتياز المجري سباحة. وتدافع البعض الآخر نحو الجسر. فأخذ يهتز بعنف تحت ثقلهم.. وبقيت قلة ضئيلة احتفظ أفرادها برباطة جأشهم. وراحوا يحاولون إقرار قسط من النظام. ويرفعون أصواتهم وسط الصخب والضجيج: "اعبروا الجسر فرادي... واحدا واحداً. ولا تثقلوه. وإلا غرقتم جميعا". وبعد أن عبر الجسر عدد من الأفراد. تقدمت إليه عجوز تحمل علي كتفيها عصا طويلة من الخشب. علقت علي طرفيها سلتين. وكان الليل قد لف المكان. فلم ير الرجل - الذي كان خلف العجوز - شيئا من محتويات السلتين. وقال للمرأة وهو يشير إلي السلتين: - ألق بهذا في النهر!... ستكونين سعيدة الحظ لو استطعت العبور وحدك دون أن تثقلي الجسر بالسلتين. وتشبث المرأة بالسلتين في إصرار. وقد رابها قول الرجل الذي لم تكن تعرفه. وكأنما أثاره إصرارها فهز السلتين بخشونة. وإذا بصراخ طفل ينبعث من إحداهما. فصاح الرجل: "ماذا تحملين فيهما؟". ورأي المحيطون بها طفلاً - في حوالي الثالثة أو الرابعة من عمره - قابعاً في إحدي السلتين... بينما استغرق في النوم - في السلة الثانية - وليد صغير. - يا الله!... كيف تريدين عبور الجسر بهذين الولدين؟ وأجابته السيدة في جفاء: - "سأفعل... لقد عبرت من قبل جسوراً أسوأ حالاً. بأحمال أثقل". وأخذ القوم يرقبون المرأة. بانفعال بالغ. وهي تتقدم ببطء فوق أعواد الغاب. تحت ستار المطر الدقيق. الذي تخلله ضوء القمر الشاحب. والتفتت السيدة خلفها بعد أن بلغت منتصف لجسر. وقد شل الذعر حركتها. وتشبثت بكل قوتها بسور الجسر الذي بدأ يتأرجح في عنف بسبب تدافع الفارين. وفجأة. مالت إحدي السلتين ميلاً شديداً. فاختل توازن العصا فوق كتفي السيدة. فسقطت مع السلتين في الماء. وضاع صراخ الأم وعويلها وسط ضجيج الناس وقصف القنابل. . تأليف: د. حمادة إبراهيم